إذا نظرنا في مواقف الشدَّة ومواطن الحسم في تاريخنا الإسلامي رأينا كل جندي من جنود الإسلام ليستشعر الهم على هذا الدين، ويفكر له تفكير من يرى نفسه هو المسئول وحده عنه، ولا ينسحب من مواطن التفكير والتدبير إنكارًا على وجود القادة الذين يعنيهم أمر القيادة وإصدار القرار.

 

فهذا سلمان الفارسي يرى إجماع المشركين على قتال المؤمنين ويشعر بالخطر على المدينة من جهاتها الثلاث، فلا يتردد أن يتقدم برأيه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحفر الخندق حول المدينة فكان في رأيه الصواب وكان أمرًا بجانبه السداد.

 

وهذا الحباب بن المنذر يرى نزول المسلمين رَوِيَة بدر ويدرك مدى حاجة الجيشين إلى الماء، ويعلم أن حرمان المسلمين من الماء ووصوله إلى الأعداد أمر في غاية الخطورة والضرر، فيسارع بتوصيل رأيه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فينزل الرسول- صلى الله عليه وسلم- على رأيه فيكون النصر والتمكين.

 

وهذا الصحابي الجليل البراء بن مالك عندما رأى استبداد جيش مسيلمة وتحصُّنهم بالحديقة لم يتردَّد في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا، حتى وإن كانت حياته هي الثمن لتنفيذ هذه الخطة التي رآها هي الحل الأوحد للتعجيل بانتصار المسلمين؛ "فعندما دخل مسيلمة والآلاف المؤلفة معه إلى الحديقة، وأغلقوها عليهم وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها متساقطةً عليهم كتساقط المطر؛ عند ذلك تقدم مغوار المسلمين الباسل البراء بن مالك، وقال: "يا قوم، صفوني على تُرس وارفعوا الترس على الرماح، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريبًا من بابها، فإما أن أُستشهد وإما أن أفتح لكم الباب"، وفي لمح البصر جلس البراء بن مالك على ترس ورفعته عشرات الرماح فألقته في حديقة الموت، فنزل عليهم نزول الصاعقة، وما زال يجالدهم أمام باب الحديقة حتى قتل منهم عشرات الرجال وفتح الباب". (صور من حياة الصحابة  د. عبد الرحمن رأفت الباشا ص 56).

 

ولو تتبعت سيرة أي صحابي من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإنك لا بد واجد أمثلة عديدة للذكاء الحاضر، والبديهة السريعة، والذاتية الواثقة، والقرار السريع، وهذه الإيجابية أو الذاتية التي اتسم بها هؤلاء الأماجد لم تكن أمرًا اختص به هؤلاء الرجال، وإنما كان السبب وراء وجودها بقوة ما لمسه المسلمون من غيرة على دينهم وهم على هذا الدين، فأعملوا العقل واستثمروا الطاقة التي منحهم إياها ربهم.

 

فالإيجابية لا تأتي بقرار قومي يطلب من الداعية أن يكون إيجابيًّا مع غياب الاستعداد الشخصي، والشحن المعنوي الشعور القلبي بالتحفز والانطلاق، وإنما هي شعور ينمو دخل الفرد ويظهر واضحًا عند تهيؤ المناسبة، ولا يمكن أن يكون الداعية إيجابيًّا في مناخ استبدادي قهري؛ لأن مناخ الاستبداد لا يتيح للداعية فرصة الإدلاء برأيه، بل استدعاء المفروض من إمكانياته وقدراته وإشعاره بأن له دورًا ينتظره ويعود لحسنه البائس من أن يكون له دور يطلب أو رأي يسمع، فإذا ما ألف تلك الحالة من السلبية والتهميش صارت له خلقًا وعادةً؛ لأن المناخ الاستبدادي والتسلطي قد وطَّن الناس على التهميش والإمعية وانعدام الثقة في النفس وكرَّس في المواطن الإحساس بالتبلُّد واللا مبالاة لكثرة تجارب الاحتقار لرأيه والاستخفاف بشخصيته والاستهزاء به.

 

إن الأنظمة الشمولية القهرية المتسلطة تقوم بإقصاء الإنسان عن واقعه وتغييبه عن حقيقة وجوده وإشعاره أنه كمٌّ يُهمل لا يلتفت إلى رأيه ولا يحسب حسابه، وهذا هو الاستخفاف الذي عاشه هذا الشعب من قبل  في عهد فرعون.. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف)، والذي هيَّأ لفرعون سبيل الهيمنة والتسلط والقهر، فلم يتردد أن يعلن الألوهية فيهم، وأن يقول وهو واثق أن أحدًا لن يراجعه.. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).

 

وهي نفسها الحالة التي تجعله يظن أن مصر لم يعد فيها رجل يصلح لكي يكون نائبًا له، فيردِّد أكثر من مرة لو وجدت رجلاً يصلح لذلك لوضعته؛ لأنه يعلم من خلال حاشيته أنهم جميعًا أفاقون منافقون متسلقون ليس فيهم رجل رشيد، ومن هنا فقدم حكم الرجل وهو واثق من منطلق رؤيته لعينات الرجال الذين من حوله وهو ما جعله يردِّد مرةً أخرى منذ يومين- في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية- ليتني أرى مرشحًا غيري.

 

إن الأجواء السلبية والإمعية والانتفاع والتسلق والرضا بالمنافع الشخصية والأمور الدنيوية هي التي تنتج شعبًا سلبيًّا مهينًا ذليلاً، يقبل الذل، ويرضى به، ولا يستشعر مرارة الأذى والهوان، وقديمًا قيل:

من يهن يسهل الهوان عليه       ما لجرح بميت إيلام

 

من يضع في رقبته حبلاً فلن يُعدم ألف ساحب يسحبه..

إن الطاغية لا يتبجَّح بالتألُّه والطغيان إلا حين يطمئن إلى عقله وجماهيره وإذا دعاهم له عند ذلك يمارس في أمته المذلة والهوان، قائلاً "أنا ربكم الأعلى".

 

يقول الأستاذ سيد قطب مفصلاً ومعللاً لظاهرة الخنوع والاستخفاف: "قالها الطاغية مخدوعًا بغفلة جماهيره وإذعانها وانقيادها، فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم بغفلة جماهيرهم وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانًا، وإنما هي الجماهير الغافلة الذلولة تمطي ظهرها فيركب، وتمد أعناقها فيسحب، وتنحني له رءوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغي!. (في ظلال القرآن الكريم- سيد قطب ص 3815).

 

والجماهير تغفل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخري، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم؛ فالطاغية وهو فرد لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها، وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحيته القوة، ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئًا، أو ما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدًا، وما يمكن أن يظن فرد في أمة رشيدة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبي أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرًّا ولا رشدًا.

 

إن شعبًا يملك الذاتية ويشعر بالإيجابية ويجد الثقة في نفسه، لا يمكن أن يرضى لنفسه أن يُمتهن، أو لكيانه أن ينتهك، أو لكرامته أن تداس وأن تهان.

 

إن الأمة التي تربت على مراقبة الخالق والإذعان لجبروته وحده محالٌ أن تذعن لغيره أو تذل لسواه، وهي تقرأ عن ربها قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

إن أمةً تنادَى بالخيرية على العالمين وتُستنهض للشهادة على أهل الأرض أجمعين، أمةٌ لا ترضى بالتهميش والإذلال والإهانة، إلا إذا نسيت دورها، واحتقرت نفسها، وأسلمت قيادتها لكل عابث بشرفها معربد في عزِّها وطهرها، وهذا لا يمكن أن يصدر عن أمة جعلت الله غايتها والرسول قدوتها والقرآن دستورها.

 

إن الجيل الذي رباه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليقدم للدنيا نماذج البطولة والفداء؛ لم يحتج إلى طويل تربية وكثير مران، وإنما احتاج مع ذلك إلى استقامة المنهج وصدق القريحة وإلى دقة التخطيط والتنفيذ، فكفاه بعد ذلك القليل من التوجيه.

 

وإذا كنا نعترف بغياب التوجيه وسوء التربية وفساد النشأة التي تراكمت فأخرجت جيلاً مضطرب الفكر ضعيف الإرادة ضائع الهويَّة يفتقد الولاء الحقيقي للدين والانتماء الصادق للوطن؛ فإن إشعار هذا الجيل بالأمل وإشراكه في مهمة التغيير، واحترام إرادته وشخصيته؛ جديرٌ بأن يحيي فيه ما أماته الاستبداد والقهر والتسلط، ويشعره بأنه جزءٌ من كيان أمته، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، ويعزُّ بعزَّته، ويمنحه الحق في أن يشارك في حكم بلاده ويحدد مصيرها بيده.

 

إن الإيجابية التي ننشدها ليست خلقًا طارئًا على ذات المسلم أو غريبة عنه، وإنما هي شيء فطري ولد فيه يوم نفخت فيه الحياة، وإن الإيجابية أو الذاتية شيء مرادف لمعنى الحياة، فكل حي ينبغي أن يبرهن على وجوده بأن له أثرًا يميزه وخصوصيةً تُشعر الآخرين به، وإلا فإنه غير موجود. وكم من أناس وُجدوا في هذه الحياة ورحلوا ولم يشعر بهم أحد عندما وجدوا وعندما رحلوا، وربما عمَّر الواحد من هؤلاء سبعين سنة أو يزيد، لكنه لم يزد على فعل ما يفعله أي كائن حي يسعى لحماية وجوده من الموت فقط، فهو يصحو من نومه يتناول إفطاره ويذهب إلى عمله فيظل فيه إلى الثانية ظهرًا، فيرجع ويتناول الغذاء وينام قليلاً، ثم يقوم ليجلس أمام التلفاز وقتًا، أو على المقهى أو بين أصحابه، ثم يعود في المساء فيتعشى ويسهر طويلاً ثم ينام لكي يقوم صباحًا ويذهب إلى عمله..

 

وهكذا كل يوم على هذا الحال، دون تبديل أو تغيير، وإذا أحسَّ بالملل من حياته أو الروتين؛ رأيته يشغل نفسه بتشجيع نادٍ من أندية الكرة، وإذا رأيت له مشاركة في مجلس فهي من طبيعة مرئياته ومشاهداته لفيلم الأمس، أو أغنية السهرة.

 

وهذا النموذج الذي عاش يومًا واحدًا مكررًا، وهو الذي عناه الشاعر بقوله:

نرى في اليوم ما هو في أخيه        كذاك حياة أبقار السواقي

 

إن مثل هذا الإنسان لم يقدم لأمته شيئًا، وهَبْ أن أمته تتكون من مثل هذا الإنسان؛ فماذا يكون مصيرها؟!

 

ولأن الإيجابية فطرة أودعها الله كيان كل حي، حتى الحيوانات والطيور والحشرات، فإن غيابها يعني غياب الحياة نفسها.

 

ففي سورة النمل نرى نماذج من الإيجابية في حياة الطيور والحشرات، ممثلةً في موقف الهدهد، من رؤية المنكر الذي تمارسه ملكة اليمن فيشعر في نفسه بالغيرة على دين الله، ويسارع ليبلغ المسئول عن هذا المنكر الذي لا ينبغي أن يقع من أي مخلوق، فضلاً عن أن يقع من إنسان عاقل، فها هو يتقدم بين يدي سيده- وسيده هنا ملك نبي- فيقول واثقًا من نفسه.. ﴿... أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ (النمل).

 

ألست معي في أن الهدهد أعظم همَّة وأعظم قدرًا من قادة الشرطة والجيش الذين فقدوا الإرادة والعقل وتحوَّلوا إلى مجرد عضلات تتحرك بالأوامر دون أدنى تفكير؟!

 

بل إن النملة تستشعر أن لها دورًا مع جنسها من النمل، وتخشى أن يصيبهم مكروه وهي ترى أو تعلم فتسارع بنصحهم ليتجنبوا الخطر.. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾ (النمل)، وهكذا يتضح لنا كيف نشأت السلبية في هذه الأمة.

 

إن السلبية لم تنبع من الأرض فجأةً، ولم تنزَّل علينا من السماء، وإنما هي عدم لا يوجد إلا عند انعدام الحياة أو الإيجابية، وكل جزء يتحرك من جسد الأمة ويعاود الحياة هو جزء من الإيجابية التي ننشدها والذاتية التي هي شقيقة الروح.