م. فتحي شهاب الدين
في عام 2008م جرى إعداد مشروع عربي يتعلق بمضيق باب المندب (جنوب البحر الأحمر).. المشروع هو بناء مدينة جديدة باسم "نور" على الشاطئ اليمني المطل على باب المندب تسع 4.5 ملايين نسمة، ومدينة ثانية توءم لها على شاطئ جيبوتي المطل على المضيق أيضًا تسع 2.5 مليون نسمة، بالإضافة إلى مطار دولي يخدم المدينتين بسعة مليون مسافر في العام، كما يقضي المشروع أيضًا ببناء جسر متحرك فوق باب المندب يربط المدينتين الجديدتين يبلغ طوله 29 كيلومترًا، كما يربط بينهما خط مزدوج للسكك الحديدية للركاب والبضائع.

ولهذا المشروع مرحلة ثانية تربط مدينة النور على باب المندب بالعمق اليمني حتى دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أن له مرحلةً ثالثةً تربط المدينة بأديس أبابا عاصمة إثيوبيا وبالعاصمة الكينية نيروبي، وتصل شمالاً حتى العاصمة السودانية الخرطوم، ومن ثَمَّ القاهرة بالإضافةِ إلى خطوط أنابيب النفط والغاز؛ مما يحقق تكاملاً اقتصاديًّا وسياسيًّا بين منطقتي شرق إفريقيا وغرب آسيا العربيتين، كما أنها تُشكِّل نقطة استقطاب الشمال ووسط وجنوب إفريقيا من خلال الجامعات والمستشفيات والمصانع والمراكز التجارية التي ستُقام في شطري مدينة النور على جانبي باب المندب.
ومن شأن هذا المشروع أن يثبت الحضور العربي والإسلامي في إفريقيا ويعززه اقتصاديًّا واجتماعيًّا ويقطع الطريق أمام التغلغل الصهيوني، أما نفقات المشروع "الحلم" فتبلغ 200 مليار دولار، وقد أعدت المخططات الفنية اللازمة وقدَّمت حكومة جيبوتي الأرض اللازمة )500 كيلومتر مربع)، كما قدَّمت حكومة اليمن قطعةً مماثلةً لبناء مدينة النور، وعُقدت اتفاقات العمل مع الشركات المنفذة العربية والغربية، وقدمت حكومتا اليمن وجيبوتي التسهيلات اللازمة، إضافةً إلى الأرض، وفجأةً انفجرت سلسلة من الأزمات الأمنية في المنطقة وكأنَّ يدًا سحريةً أعطت الإشارة بالتفجير لتعطيل التنفيذ الذي كان مفترضًا أن يبدأ في عام 2009م، فتصاعدت الحرب الأهلية في الصومات بوحشية ودموية وكشرَّت القاعدة عن أنيابها في جنوب اليمن وأطلق الحراك الوطني اليمني شعاراته الإنفصالية ثم كان إعلان القياديين الجنوبيين رغبتهم في الانفصال عن السودان الأم واستعدادهم للتعاون مع الكيان وإثيوبيا، وعند ذلك تراجع المستثمرون وعلى رأسهم مؤسسة بن لادن ومؤسسة الحمد السعوديتان، وأُطفئت الأنوار في مشروع مدينة النور، وعمَّ ظلام الفقر والجوع شرق إفريقيا فما الذي حدث يا ترى ولماذا؟
ولنبدأ الحكاية من البداية مع القصة الدامية للبحر الأحمر، وكيف استطاع الصهاينة باحتلالهم أم الرشراش المصرية عام 1949م وأثناء مباحثات "رودس" التي أدَّت إلى اتفاق الهدنة وإقامتها ميناء "إيلات" مكانها فقطعت بذلك التواصل البري بين عرب آسيا وعرب إفريقيا في شمال البحر الأحمر، واليوم يحاول الصهاينة منع التواصل بين عرب آسيا وعرب إفريقيا في جنوب البحر الأحمر أيضًا.

الأطماع الصهيونية في البحر الأحمر
مثلث أم الرشراش المصرية يتكون رءوسه من (طابا- القطار- أم الرشراش) فعقب انتهاء مفاوضات الهدنة عام 1949م كان الوفد الأردني في رودس ينتظر أوامر الحكومة الأردنية لتوقيع اتفاقية الهدنة الأردنية الصهيونية، بعثت الحكومة البريطانية إلى الوسيط الدولي (رألف بانش) تخبره فيها بأن القوات البريطانية المرابطة في العقبة لن تتدخل في حوادث جنوب النقب، ولن تطلق النار إلا إذا هُوجمت من قِبل اليهود، وأرسلت البرقية أيضًا إلى السلطات اليهودية، وبديهي أن إرسالها كان إيعازًا لليهود بالزحف على أم الرشراش لتحقيق أهدافهم، وعندما وجد اليهود أن القوات الأردنية تنسحب بسرعة متحاشية الاشتباك معهم بناءً على أوامر (جلوب)، أسرعوا بزحفهم مارين بنفس المراكز والمسالك التي أخلاها الجيش الأردني وفي 8 مارس 1949م وصلوا إلى نقطة تبعد 3 كم عن خليج العقبة، وعندما لم يجدوا مَن يعترض طريقهم تابعوا التقدم ووصلوا إلى خليج العقبة في 10 مارس 1949م، واحتلوا ميناء أم الرشراش بسهولة ودون أن تطلق رصاصة واحدة، وقد أطلقت إسرائيل على هذه العملية اسم "عوفداه" ومعناها الأمر الواقع (Fait Accompli).
لقد لعبت السياسة البريطانية الدور الرئيسي في هذه العملية الخطيرة التي وضعت العدو الصهيوني أخيرًا على البحر الأحمر.
وقد قام الصهاينة بتسميته إيلات (Elath)؛ حيث لم يكن لهذا الأسم وجود في المنطقة العربية قبل ذلك وباحتلال العدو لميناء أم الرشراش المصرية تكون قد فصلت ما بين مصر والأردن وقسمت العالم العربي إلى قسمين لأول مرة في التاريخ العربي والإسلامي الطويل، وتكون قد حققت أحلام الصهيونية القديمة في إحراز منفذ على البحر الأحمر، وافتتحت بذلك صفحة دامية في الصراع العربي الصهيوني على البحر الأحمر.

الحصار المصري لباب المندب
لقد بادرت الحكومة المصرية في يناير 1950م إلى سلب العدو الصهيوني ميزة احتلاله مثلث أم الرشراش عن طريق إغلاق البحر الأحمر في وجهه كطريق اتصال بينه وبين والدول الأفريقية والآسيوية، وكانت وسيلتها لذلك احتلال جزيرتي "تيران" وصنافير" اللتين تتحكمان في مدخل خليج العقبة (وهما مصريتان بالأصل) ثم نصبت المدافع الساحلية في رأس نصراني للسيطرة على مدخل العقبة.
ومن الجدير بالذكر أن جزيرتي تيران وصنافير كانتا ملكًا لمصر ولم يكن لهما من الأهمية ما يستدعي احتلالهما، ولكن تزايد النشاط الصهيوني على ساحل أم الرشراش (إيلات حاليًّا) قد اضطر الحكومة المصرية إلى تدعيم قواتها في مدخل خليج العقبة لقطع خط الرجعة على أية محاولة للاعتداء على حقوق مصر.
وقبل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م كانت مصر تسيطر على شرم الشيخ وتمنع الملاحة الصهيونية من المرور في مضيق تيران، وبعد احتلال الكيان لشرم الشيخ يوم 5 نوفمبر 1956م أصبح مضيق تيران تحت سيطرة القوات الصهيونية، وظلت العدو يحتل شبه جزيرة سيناء وجزيرتي تيران وصنافير حتى نهاية 1957م؛ حيث طلبت الأمم المتحدة من الكيان الصهيوني إخلاء الأراضي المصرية المحتلة، وقد حلت قوات الطوارئ الدولية في شرم الشيخ ورأس نصراني وجزيرة تيران محل القوات الصهيونية ابتداءً من 16 مارس 1958م.

رفع الحصار المصري على باب المندب
في يوم 9 ديسمبر 1973م تم رفع الحصار عن باب المندب في هدوء وبدون إغلاق رسمي، ففي 11 ديسمبر تلقت وكالة "سانا" السورية للأنباء برقية من مصادرها في الكويت ذكرت أن سفنًا صهيونية عبرت يوم 9 ديسمبر 1973م مضيق باب المندب بحراسة قطع بحرية تابعة للأسطول الأمريكي السابع في طريقها إلى ميناء "إيلات" الصهيوني، وبذلك انتهت قصة حصار مضيق باب المندب وفُتح الطريق للسفن االصهيونية في البحر الأحمر مرةً أخرى إلى ميناء إيلات.

أهمية البحر الأحمر
يعتبر البحر الأحمر أفضل طريقٍ بحري يصل الشرق بالغرب؛ ما أعطى البحر الأحمر بمداخله الشمالية والجنوبية أهمية إستراتيجيةً كبيرةً، وباستعراض التاريخ نجد أن:-
- الغزو الفرنسي لمصر عام 1798م كان ينطلق من موقع مصر الجغرافي وإشرافها على مخرج البحر الأحمر؛ حيث الانطلاق منها إلى المداخل الجنوبية وتهديد المصالح البريطانية في الشرق.
- كان احتلال بريطانيا لجزيرة (بريم 1817م) ثم احتلال عدن (1839م) من أجل السيطرة على البحر الأحمر، وسعي بريطانيا إلى تقليص دور مصر المتنامي في البحر الأحمر، وأيضًا الحد من وجودها في القرن الإفريقي.
- احتلال فرنسا (لجيبوتي 1862م) كان لمنافسة بريطانيا في البحر الأحمر.
- بعد افتتاح (قناة السويس 1869م) ازدادت أهمية البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وأخذ التنافس الاستعماري من أجل السيطرة عليه واحتلال مصر.

القرن الإفريقي وأهميته:
يتكون القرن الإفريقي من ثلاث دول هي (إريتريا- جيبوتي- الصومال)، وقد عُرِفَ بالقرن نسبةً إلى شكله على الخارطة (يشبه القرن)، وتبرز أهمية القرن الإفريقي من ناحيتين الأولى بحرية؛ حيث يُشرف على البحر العربي والمحيط الهندي والبحر الأحمر، والثانية برية باعتبار القرن الإفريقي نقطة الانطلاق من المياه الدافئة، وصولاً إلى قلب إفريقيا.
الإستراتيجية الصهيونية تجاه البحر الأحمر:
يعتبر ميناء "إيلات" منفذ الكيان الصهيوني على البحر الأحمر، فكما قال بن جوريون: (إيلات موت وحياة إسرائيل)، ومن ثَمَّ فلا بد أن يتجه الصهاينة نحو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر؛ لأنه يربطهم بدول آسيا والشرق الأدني و إفريقيا، واضعين في حساباتهم كون البحر الأحمر بمداخله ومخارجه بحيرة عربية ولمخاوفهم من إغلاقه بوجههم اتجه الكيان الصهيوني إلى التحالف مع إمبراطور إثيوبيا (هيلاسلاسي) ومساندته في احتلال إريتريا وكذلك مساندة إثيوبيا في الصراع مع الصومال وإيجاد صلات وثيقة معها على الصعيدين الاقتصادي والعسكري.
لقد قام الكيان الصهيوني باحتلال عدة جزر في باب المندب أهمها جزيرة (زقر)، كما يقوم بالتنسيق مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر والمحيط الهندي لتأمين وصول النفط العربي من الخليج والدول الأخرى إلى الأسواق الأمريكية والغربية، ويقف في وجه أي تعاونٍ عسكري لتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية، ويسعى لجعل البحر الأحمر حاجزًا طبيعيًّا يفصل الشرق العربي عن مغربه، وتقسيم الأمة العربية إلى قسمين (إفريقي- آسيوي).
الإستراتيجية العربية تجاه البحر الأحمر:
إن العرب مطالبون اليوم قبل أي وقتٍ مضى بأن يفيقوا حتى لا يلفظهم التاريخ وتضيع الجغرافيا من تحت أرجلهم، وانطلاقًا مما تقدَّم فإن الإستراتيجية العربية يجب أن تعتمد على مبدأ واحد أساسي ومهم وهو أن الأمن العربي كل لا يتجزأ، ومن ثَمَّ يجب:
- إنهاء أي وجود عسكري أجنبي ومنع إقامة قواعد عسكرية أجنبية.
- التعاون العسكري والاقتصادي والفني بين الأقطار العربية ككل وبين هذه الأقطار والقرن الإفريقي (جيبوتي- الصومال- إريتريا) والعمل على تحقيق الوحدة بين أقطار القرن الإفريقي.
- العودة وفورًا لإنشاء المشروع العملاق (مدينة النور) على شاطئ اليمن وجيبوتي.
إن الصهاينة وبدلاً من أن يكونوا تحت رحمة السيادة العربية على الممرات المائية الإستراتيجية من مضيق جبل طارق حتى باب المندب مرورًا بقناة السويس، فإنهم يحاولون وضع العرب عند رحمة تحالفاتهم التي ترفع القبضة العربية عن هذه الممرات، من حلف الأطلسي في الشمال حتى إثيوبيا، وجنوب السودان.
إن الكيان الصهيوني يوسِّع في دائرة تحالفاته الإستراتيجية، والدول العربية توسع دائرة صراعاتها الصغيرة والتافهة التي تستنزف قدراتها وإمكاناتها، والتي تتراوح بين صدامات مسلحة في الصحراء بين المغرب والجزائر (البوليساريو) وتعميق الخلافات والنزاعات والتشرذم في (العراق) والغرق في دوامة المحكمة الدولية أو شهود الزور في (لبنان) أو تزوير الانتخابات وقمع إرادة الشعب في (مصر) واستمرار الانقسام الفلسطيني وخضوع قادة السلطة وتمسكهم بالمفاوضات التي لا طائل من ورائها فيما يواصل الصهاينة مخطط التهويد للبشر والحجر.