السودان شعبًا وأرضًا جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.
وهي الأمة التي نضجت وتكونت منذ الفتح الإسلامي وبفضله.
وحملت راية الإسلام وحضارته إلى كل بقاع الأرض.
*****
والأمة العربية مثلها مثل أية أمة في العالم، تكونت وتشكلت عبر عمليات تفاعل وصراعات تاريخية طويلة، وكثيرة، ومركبة.
انتهت بذوبان وانصهار كل الجماعات والشعوب والقبائل الموجودة على هذه الأرض في نسيج شعب واحد، يتكلم لغة واحدة، وله حضارة واحدة، وتدين الأغلبية منه بدين واحد، وأهم من كل ذلك أنه يعيش ويستقر على الأرض العربية الواحدة، فيختص بها ويمتلكها إلى الأبد دونًا عن غيره من بقية أمم الأرض وشعوبها وجماعاتها الأخرى.
مثله في ذلك مثل الهند والصين وتركيا وإيران واليونان وإيطاليا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وغيرهم الكثير.
*****
وعملية تَكوّن وتَشكّل الأمم هي عملية طويلة تحتاج إلى قرون طويلة حتى تكتمل، فهي لا تتم في لحظة واحدة، ولا تحدث فيها عملية الذوبان والانصهار للجماعات المختلفة في ذات الوقت، وإنما على مراحل.
فالمناطق الحضرية الأكثر كثافة، هي الأسرع في الانصهار والاندماج والذوبان في الشعب الجديد الوليد، على عكس المناطق الصحراوية التي تسود فيها العلاقات القبلية والعشائرية.
ومناطق القلب أيضًا أسرع من الأطراف، التي عادة ما تتأخر درجة ذوبانها وانصهارها في الأمة الوليدة بحكم أنها مناطق تماس مع أمم أو جماعات أو قبائل أخرى، يتأرجح فيها الشعور بالانتماء بين هذه الأمة أو تلك أو بين الاستقلال عنهما معًا.
وهي الحالات التي قد نراها في وطننا العربي في أكراد العراق أو جنوب السودان أو البعض من بربر المغرب.
وفي عصور العدل والاستقرار والرخاء والانتصار، عادة ما تنجح الأمم الوليدة القوية، في حسم حالة التردد والتذبذب والتأرجح لدى هذه الجماعات، التي تقبل الاندماج راضية مرضية، لتصبح بعد فترة وجيزة جزءًا لا يتجزأ من هذه الأمة.
*****
وفي حالتنا، كان الاستعمار الغربي هو السبب الرئيسي وراء تعويق وتأخر ونضوج تكويننا القومي.
فلقد أدَّى الاستعمار الطويل للوطن العربي الذي بدأ منذ أكثر من مائتي عام إلى تأخر عملية الاندماج والانصهار والذوبان.
بل إنه حال دون إتمامها عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد.
فَفَرّق وجَزّأ الوطن الواحد، حتى يتسنى له اقتسامه كغنائم حرب قبل وبعد الحرب العالمية الأولى.
ومن يومها لم يتسن للأمة العربية الواحدة أن تستكمل عملية استيعاب ودمج أطرافها المبعثرة هنا وهناك، خاصةً أن أمتنا المغلوبة على أمرها، لم تنجح منذ زمن بعيد في ترجمة وحدتها القومية في دولة واحدة تكون هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي وصاحبة السيادة الوحيدة على أرضه من المحيط إلى الخليج.
بل قام زبانية الاستعمار الغربي، بتصنيع حزمة ممسوخة من دول ودويلات، أقطعوا كل منها جزءًا من أرض الوطن الواحد، حجبوه وحظروه على بقية الشعب الواحد صاحب الأرض جميعًا.. ووضعوا على رأس كل دولة نظامًا يحمي التجزئة والتقسيم باسم السيادة الوطنية القطرية.
وهي دول أثبتت فشلها على امتداد قرن كامل.
فمن استقل منها، عجز عن الحفاظ على استقلاله وعاد إلى حظيرة التبعية.
والفقير منها عجز عن تلبية وإشباع الاحتياجات الرئيسية لمواطنيه.
والغني منها عجز عن الخروج من أحضان الغرب على امتداد أكثر من 200 عام.
والأسوأ من كل ذلك عجزها جميعًا عن الدفاع عن ميراثها من أراضي الوطن المشترك.
فأضاعت فلسطين، وتركت العراق للأمريكان، والآن تنتزع منها أطراف الأمة في جنوب السودان والعراق.
*****
لكل ذلك فإن كل هذه الدول قد فقدت احترامها وشرعيتها ومشروعيتها لدى المواطنين العرب في كل مكان.
*****
وإذا كان هذا هو حال غالبية الشعب العربي تجاه دوله وأنظمته العربية.
فما بالنا بموقف سكان الأطراف الذين لا يزالون يتذبذبون في خيارات الهوية والانتماء.
من الطبيعي أن ينزعوا جميعًا إلى الانفصال، إن وجدوا إليه سبيلاً.
*****
ولكن لو كان قد كتب لأمتنا أن تنجو من العدوان الاستعماري القديم، وأن تحافظ على وحدتها، وأن تترجمها في دولة عربية واحدة قوية مثل الصين مثلاً، لكانت الآن واحدة من القوى العالمية الكبرى، ولكان الجميع يعملون لها ألف حساب، ولكانت جميع الأطراف في جنوب السودان والعراق والمغرب تتسابق لتلتحق بدون قيد ولا شرط بهذه الأمة القوية.
على ذات النهج الذي يحدث الآن في أوروبا؛ حيث يتسابق الجميع للالتحاق والانضمام للاتحاد الأوروبي، الذي يتمنع ويتشرط.
لو كان ذلك كذلك لاختلف كل شيء عما يجري الآن.
*****
كما أن للسودان على وجه التحديد ظروفًا خاصة، أهمها هو تأخر الفتح العربي الإسلامي الفعلي له إلى بداية القرن السادس عشر، أي بعد ثمانية قرون من فتح معظم الأقطار العربية.
وكان ذلك بسبب اتجاه الفتوحات غربًا، أو بسبب الصراعات الداخلية داخل الأمة، وبسبب الحروب الصليبية التي أخرتنا قرنين من الزمان، ثم التهديدات الخارجية المستمرة التي لم تتوقف لحظة.
فكان دخول السودان إلى العالم العربي الإسلامي في عصر الانحدار العربي، عصر الخروج من الأندلس.
أما مصر على سبيل المقارنة فلقد أسلمت وتعربت في أقوى عصور النهضة العربية الإسلامية وعاصرتها منذ بداياتها الأولى، وشاركت في صنع أحداثها وقادتها في معاركها الكبرى.
*****
ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد..
فحتى بعد أن قطع السودان خلال أربعة قرون 1500- 1900م مشوارًا كبيرًا في رحلة الاندماج العربي الإسلامي، بدءًا بمملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) 1503- 1821م ثم مرحلة الحكم المصري العثماني 1821- 1885م، ثم الدولة المهدية 1885- 1898م.
تدخل الغرب وأوقف المسيرة.
فكما حدث مع محمد علي الذي تحالفوا عليه وأجهضوا دولته عام 1840م.
حدث مع السودان عام 1898م، حين تحالف الإنجليز والفرنسيون على إنهاء الدولة الفتية الوليدة (المهدية) التي حكمت معظم أراضي السودان لمدة 13 عامًا متصلة، وحققت انتصارات عسكرية مذهلة على الجيشين الإنجليزي والمصري مجتمعين.
ولو كانت قد تركت لتواصل مشروعها، لأصبحت دولة يعتد بها، أكثر تطورًا وقوة وعافية بكثير من السودان الحالي.
وإنما ما حدث هو أنهم قضوا عليها، واحتلوا السودان نصف قرن، وزرعوا بذور الانفصال في الجنوب، وحظروا أي تواصل عربي أو إسلامي معه.
وعندما أعطوا السودان استقلاله عام 1955م، وجد نفسه يواجه منفردًا أكوامًا من المشاكل والصراعات الداخلية والخارجية والحروب الأهلية والانقلاب تلو الآخر، وأخيرًا التدخل الأمريكي والصهيوني، فعجز أمامها.. وانهار عالمه وحدث ما حدث والبقية تأتي.
*****
وفي ختام هذا الحديث يجب التأكيد على أنه..
* إذا كان جنوب السودان يشغل حوالي ربع مساحة السودان، فإنه لا يشغل سوى 4% فقط من مساحة الوطن العربي.
* وإذا كان سكانه يمثلون حوالي 15% من جملة الشعب السوداني، فإنهم يشكلون 2% فقط من جملة تعداد الشعب العربي.
* ولذا فلا يجوز لهم أبدًا أن ينفردوا وحدهم بتقرير مصير أرضنا ووطننا المشترك.
* فهم جزء لا يتجزأ من أمتنا العربية، جزء تأخرنا في طمأنته واستيعابه ودمجه لكل الأسباب التي تناولناها عاليه.
* وهو الآن ينتزع منا قصرًا وإكراهًا.
* فعسى أن تكون هذه النكبة الجديدة نبراسًا لنا جميعًا في التفكر والتدبر في كيفية استرداد وحدة أمتنا العريقة، حاملة راية الحضارة العربية والإسلامية.
* كيف نستردها من كل الذين اغتصبوها من خارجها ومن داخلها؟
--------------