محمد كمال

رغم اعتصار القلوب بالألم، إذ رأت أشلاء أجساد بريئة تتطاير دونما ذنب، ولا تعلم لماذا أُزهقت، ولا أي جريرة ارتكبت؟!.

 

ورغم الرعدة التي أصابت قلب الخائفين على الوطن من الأيدي العابثة بأمنه وسلامته.

 

ورغم الإحساس الجارف بأن الوطن العليل لم يعد يتحمل جرحًا آخر بعد النزيف الدائم والمرير.

 

رغم كل هذا، وأكثر من هذا، كان هناك لصوص يسرقون عقل الوطن ويوجهونه إلى وجهتهم، بكل دأب، وبدم بارد.

 

هؤلاء، مع الأسف الذين تكلموا كأنهم عقلاء الوطن، وفُوجئنا بهم يفتحون ملفات لا يمكن وصف كلامهم عنها إلا بالابتزاز، أو بحرق الوطن.

 

فهذا السيد نقيب الصحفيين ينفعل- وكأنه الصادق- ويوجه الدولة إلى ضرورة إعطاء الأقباط حقوقهم في عمادة الكليات، وتعيين محافظين، و..... وعدة وظائف كبرى في الدولة.

 

وتناسى البطل المغوار إجماع القوى الوطنية- مسلمين وأقباطًا- على عدم إدخال فكر المحاصصة الطائفية سواء في الوظائف المدنية أو السياسية، وتناسى أن النظام- الذي يدافع عنه- هو من سبَّب آلام المصريين جميعًا، وهو من حرم كل الكفاءات المخلصة من تولِّي المناصب الرفيعة؛ لأنها لا تحظى بالرضا الأمني، أو الخضوع المزيف، أو بيع الضمير العلمي.

 

فهذا النظام هو الذي حاصر رجلاً مثل الدكتور صادق العدوي- رحمه الله- الأستاذ بهندسة الإسكندرية، والذي رفض التدخل الأمريكي في مشكلة الصرف بالإسكندرية!! نعم ولا تتعجب، وواجه حشود الكرافتات اللامعة والياقات البيضاء والبارفانات العالمية، أولئك الذين يتحدثون بالمصري وأياديهم ممدودة للأمريكي.

 

ويوم طرحنا القضية- بنقابة المهندسين بالإسكندرية- لم يكن الرجل يصدق أنه ما زالت بالوطن قلوب تحبه.

 

وهو الذي استهان برؤية العالم المصري "القبطي" د. رشدي سعيد- المنفي اختياريًّا- في مشروع توشكى, والتي حظيت بإجماع علمي، وانحاز لكلام البيروقراطيين المسبحين بحمده حتى أهدر- منها- عرقًا ومالاً كان أولى بهما مشروعات أخرى.

 

ويوم خاطب الرئيس الروسي "يلتسين" العالم المصري الشاب "الدكتور أحمد عبد الرحيم" يدعوه ليساهم في نهضة روسيا, وبإخطار إدارة الجامعة بهذا الفتح الكبير كان جزاؤه محاكمة عسكرية يسجن فيها 3 سنوات (99- 2000) ثم يخرج ويلقى ربه في حادث سير؛ وكأن روحه الطاهرة لم يعد لها مكان بين المزيفين.

 

وهل أحدثك عن العالم الفذ الدكتور خالد عودة، وما قدمه لوطنه فكانت نفس الإجابة، محاكمة عسكرية بتهمة الانتماء للإخوان.

 

وقس على ذلك كل من يثبت عليه تهمة الاستقلال أو الشرف.

 

إذن القضية ليست وظائف أو كوتة سياسية للأقباط، إن الوطن كله مظلوم, يعيش تحت نير الاستبداد الذي يدافع عنه رجال الدولة المدنية المزعومة.

 

وقد تحسب أن الأمر توقف عند هذا الفهم السقيم، غير أن مدافع العلمانيين لم تتوقف عن الإطلاق، إذ فاجئونا سواء على شاشات التليفزيون المصري، أو الفضائيات المستقلة، إن أهم الملفات التي ينبغي فتحها الآن باعتبارها متسببة في جريمة الإسكندرية هي:

1- الموقف الحاسم من هؤلاء الذين يدعون إلى دولة دينية.

2- الموقف الحاسم من الجرعة الزائدة في البرامج الدينية.

3- النفاق السياسي للتدين والمتدينين.

 

وشارك في الوليمة أكبر الأسماء في الإعلام المصري، صحافة وفضائيات، وتليفزيون رسمي.

 

وهم يرون أن مصر مهددة بتراجع مفاهيم الدولة المدنية!! أمام الفكر المتخلف للدولة الدينية.

 

والحجر قد يُلقى من بعيد، لكن الجميع يعلم من المقصود بالرجم.

 

وإذ لم يلحظ أحد وجود هذه الدولة المدنية في مصر، فليس هنالك- بالوطن- داعون إلى دولة دينية بالمعنى الذي شرحناه في مقالاتنا السابقة.

 

فلم نسمع عمن يريد حاكمًا يحكم بالتفويض الإلهي.

 

ولم نسمع عمن يدعو إلى الحكم بالفتوى وإهدار قيمة العقل.

 

ولم نسمع عمن يدعو إلى حكم رجال الدين!!.

 

ولكننا سمعنا عمن ينادي بحرية الوطن من المستبد الغاشم، وعودة الهوية الحقيقية الإسلامية للتلبس بالعاطفة الوطنية والعقل التشريعي للبلد.

 

سمعنا كل مخلصي الوطن يتنادون بالتخلص من الفساد وأذنابه والمتربحين من ورائه.

 

سمعنا من ينادي بتكافؤ الفرص في الوظائف، وفي السياسة، وفي توزيع الثروة الوطنية.

 

إذن هؤلاء وأمثالهم هم المقصودون من هذا الابتزاز العلماني.

 

هؤلاء هم الإخوان والوطنيون المخلصون والشرفاء الذين يرفضون هذا الصلف العلماني المقيت في التعامل مع حضارة الأمة ومنهجها الأقوم.

 

وقد أضحكونا- والله- بينما تنزف جراحنا.

 

أضحكونا حين تحدثوا عن تملق الدولة للمتدينين!!، وقد أدركت أن من تجليات هذا النفاق هو سجن الشاطر، ومالك، و6000 إخواني في العام المنصرم، بالإضافة إلى إغلاق الفضائيات الدينية التي لم تعد إلا بحكم قضائي.

 

وإن من تجلياته هذا الهجوم- الذي لم يهدأ- على الحجاب والنقاب, أو قد يكون مسلسل "الجماعة" والهجوم على رمز إسلامي عالمي مثل "الإمام البنا"، هو أحد العلامات الكبرى لقيامة النظام ونفاقه للتدين!.

 

وأما الهزل في موضع الجد, فقد كان هجومهم على ما أسموه "الجرعة الدينية الزائدة في الإعلام المرئي".

 

تلك الجرعة التي سمحت بانتهاك شهر رمضان بخمسين مسلسلاً!!.. والتي ضجت أقلام الإعلاميين من حجم الابتذال والتفسخ الذي لا يليق بالشهر الفضيل، ولا بغيره.

 

أما برامج المراهنات ومسابقات الرقص واستعراض مسيرات الفنانين، وهجوم برامج كرة القدم، فحدِّث ولا حرج.

 

هنالك قد تكتشف أن ثمة برنامجًا هنا، أو مقالة هناك, يلقيها أو يكتبها داعية مسلم، فإذا أقبلت قلوب الناس عليه كان التسفيه والنيل من كرامته، ثم الهجوم عليه بجحافل من العمم الرسمية، التي تعرف من أين يؤكل الكتف.

 

في برنامج (ماسبيرو) كانت المذيعة تناقش "لماذا صورة المسلم مشوهة في الإعلام الغربي؟"، وتحدث المتحدثون؛ لكن أتى الفنان "مصطفى العقاد"- رحمه الله- صاحب فيلم (عمر المختار) وطرح فصل الخطاب، إذ أفصح الرجل قائلاً: نحن الذين شوَّهنا الصورة، ألسنا نحن الذين صوَّرنا الملتحي أو المحجبة على أنهما إرهابيان؟! وأنهما يخفيان تحت اللحية أو وراء الحجاب مدفعًا لقتل الأبرياء؟، فعلنا هذا إرضاءً للسلطة التي تختلف سياسيًّا مع بعض هؤلاء المتدينين، فأضعنا الدين والوطن، ومات الرجل ومعه كلمة الحق.

 

لعل هذه الصورة المشوهة- يا سادة- هي نفاق السلطة للمتدينين!.

 

أخبرني صديقي د. عبد الفتاح رزق أن أول بطانية ومأكولات وإعانات وصلت لمتضرري عبارة "ممدوح إسماعيل" كانت بيد لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء؛ لذا كان التعتيم.

 

أما الإفصاح والإشهار، فكان من نصيب اليد الإخوانية والوطنية التي سارعت- قبل الدولة- لتضميد جراح متضرري زلزال 92 الأشهر، وكانت العلمانية تترصدنا وتحذِّر السلطة: احذروا فهؤلاء قد وصلوا بخدماتهم اليوم للمواطن وغدًا سيصلون إليه بأفكارهم، فكانت النتيجة حصارًا سياسيًّا على كل من يريد تقديم خدمة، ليست مختومة بالرضا السامي.

 

وهكذا تقبع البلاد في براثن يد علمانية تدَّعي العلم, وتنتهج المكر, وتلون الحقيقة, وتقصي كل وطني، ترفل في نعيم الاستبداد، وتتاجر بجراح الوطن.

------------

* mohamedkamal62@ymail.com