د. مصطفى هيكل

 

يعجب المرء كثيرًا من بعض الساسة الذين يربطون مصائر بلادهم بمغامرات أو مقامرات غير محسوبة متغافلين مصالح هذه البلاد التي شاء الله أن يتولَّوا قيادتها ولا يكون همهم ولا شغلهم الوحيد إلا الحفاظ على كراسيهم وعروشهم؛ حيث إنهم مع طول بقائهم على سدَّة الحكم يتحدون مع هذه الكراسي وتصبح ملتصقة بهم أو هم الذين قد التصقوا بها ويصعب أن يتخلوا بسهولة عنها حتى لو شاءت شعوبهم غير ذلك، وقد يكون ذلك بدافع حب وهوس السلطة أو قد يكون بسبب ما اقترفوه من آثام ومصائب تجعلهم حال بعدهم عن هذه المناصب موضع مساءلة من شعوبهم أو ممن يخلفهم من أنظمة.

 

وبذلك يتجلَّى الإعجاز القرآني في قول المولي جل وعلا: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) (آل عمران)، ولم تقل الآية "تؤتي.. وتأخذ"، مع أنهما الكلمتان المتضادتان بداهةً، بل قال سبحانه وتعالى "تؤتي.. وتنزع"، فالملك قد يؤتَى ولكن لا يُترك إلا انتزاعًا، وكأن المولي جلَّ وعلا يقصد هؤلاء الحكام في الدول المستبدَّة التي تُعرف بدول العالم الثالث أو الدول النامية؛ أن بعضها قد سلك مسالك الديمقراطية ولكن لا يزال بعضها يعيش أزهى عصور الديكتاتورية والاستبداد.

 

فقد رأينا في الأيام القليلة الماضية انتخابات في دولة ساحل العاج "كوت ديفوار" يفوز فيها مرشح المعارضة (الحسن وتارا) علي منافسه الرئيس الحالي (لوران بجاجبوا) والذي راوغ كثيرًا في إجراء الانتخابات ومدَّ لنفسه فترة الرئاسة مرتين متتاليين عن طريق تأجيل الانتخابات عامًا بعد عام، وبعد إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يفوز الحسن وتارا، ولكن منافسه العنيد لا يقبل بالنتائج ويعلن نفسه رئيسًا للبلاد، رغم أنف الشعب ورغم أنف المجتمع الدولي، وبرغم أن هذا الموقف قد يعرِّض بلاده لخطر حرب أهلية أو خطر تدخل أجنبي من قوى خارجية، سواء من فرنسا صاحبة أعلى استثمارات في هذا البلد، أو من قوات الاتحاد الإفريقي أو الأممي، وهذا هو دأب الحكام المستبدِّين الذين يرون في أنفسهم أنهم الأنسب والأصلح دائمًا، رغم أنف شعوبهم، وحال سبيلهم يقول سأبقى حتى آخر نفس في حياتي أو حتى الرمق الأخير!.

 

ولا ضير أن يتفوَّه بعضهم بذلك علانيةً، طالما أن هناك "طابورًا" عريضًا من المنافقين والمستفيدين يناشدونهم البقاء ويُوحون إليهم أنهم منابع الحكم، وأن كل ما يقولونه هو الرشاد والصواب، وأن البلاد بدونهم لن ينصلح حالها، وهكذا دائمًا حينما يترعرع النفاق في ظل الفساد والاستبداد.

 

ولا تسل عن ماهية هؤلاء المنافقين؛ فمنهم أصحاب المصالح من رجال المال والأعمال، ومنهم أساتذة جامعات وعلماء، طالما وقفوا يعظون طلابهم ويعطونهم الدروس في الأخلاق واحترام القانون واحترام إرادة الشعوب.

 

نموذج آخر لسياسيين مغامرين ومقامرين، تجلَّى في رئيس عربي سابق أدخل بلاده في مغامرات كثيرة وحروب طاحنة مع جارتيها، وعندما حاصرته قوات التحالف الغربي رفض عرضًا من قادة عرب أن يتخلَّى عن منصبه مقابل إنقاذ بلاده من الخراب والدمار، ولكنه فضَّل أن تخرب بلاده وتمزَّق على أن يترك كرسيَّ الحكم، وهذا هو حال الطغاة دائمًا.

 

نموذج آخر، ولكن ليس بالأخير، هذا الحاكم غريب الأطوار طويل العمر مديد فترة البقاء في السلطة؛ حيث تولى مقاليد الأمور في بلاده في أواخر العشرينات من عمره، وها هو الآن يقترب من السبعين من عمره ليحقِّق إنجازًا عالميًّا؛ فهو من أطول الرؤساء في العالم بقاءً في السلطة، يخوض هذا الحاكم المغامرات في العالم كله، ولا تُستثنى قارة إلا وقد خاض فيها مغامرات، بدَّد فيها ثروات بلاده وخيراتها حتى أصبحت حياة مواطنيه ضنكًا، وهو لا يزال غارقًا في أوهامه وأحلامه؛ فهو المفكر والمنظِّر وصاحب الرؤى، فصار بذلك الهوس أضحوكة الفضائيات والمجلات والمنتديات العالمية، وقد يتبادر إلى الذهن فور هذا الاستعراض لبعض الأمثلة من الدول المتخلفة ديمقراطيًّا وتنمويًّا سؤالٌ مهمٌّ ألا وهو: أين الشعوب من ذلك كله؟!