- المجتمع يرى المذنب شخصًا مختلفًا لا بد من حبسه

- فلسفة السجن تنمي حب الجريمة عند سجين الصدفة

- السلطة المطلقة تحول السجان إلى وحش أعمى الضمير

- سجين الرأي تزداد صلابته داخل السجن رغم التنكيل

 

حوار: الزهراء عامر

حذر الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، من خطورة تردي أحوال السجون المصرية على المجتمع بأكمله لفشلها في القيام بدورها الأهم، وهو إصلاح المذنبين وتهيئتهم للاندماج في مجتمع صالح، بل ومساهمتها في تفريخ مزيد من المجرمين بإفساد نفسية غير معتادي الإجرام الذين يخرجون من السجن أشد خطورة.

 

وأكد- في حديث لـ(إخوان أون لاين)- أن الفلسفة المتبعة في سجون مصر تخالف نية الإصلاح؛ لأنها تتبع النظرية العقابية والفلسفة الانتقامية، ولا تلتزم بأي من المعايير الإصلاحية والإنسانية والعالمية، ما يحول عدد من المجرمين بالصدفة إلى طغاة من قساة القلوب، الأمر الذي قد يحدث أيضًا تحت ضغط أخلاق وسلوك الجماعة حوله، فضلاً عن أن حرمان الفرد وتجريده من كل حقوقه الإنسانية بعزله في زنزانة مغلقة يجعله عرضة للتغيير في السلوك مع الشعور بالعجز واليأس والانهيار النفسي.

 

وتناول الحوار سبل التعامل مع المجرمين بفئاتهم المختلفة، ومراحلهم العمرية المتباينة بما يؤدي إلى تحقيق الهدف الأصيل من عقوبة السجن، مشيرًا إلى نظرة المجتمع إلى المساجين بمن فيهم السياسي، وأثر ذلك كله على نفسية المسجون وسلوكياته، فإلى نص الحوار:

 

* بدايةً ما أهم التغيرات النفسية التي تطرأ على المسجونين منذ اتهامهم وحتى بعد الحكم عليهم؟

** لا بد أولاً أن ندرك أن المجتمع يرى أن كل من يقع خلف جدران هذا السجن أشخاص مختلفون؛ لأنهم خرجوا عن طوعه، بخروجهم عن القانون وارتكابهم أعمال غير شرعية، وينقسم هؤلاء إلى فئتين، الأولى هم الخارجون عن القانون وليس من طبعهم الإجرام أو مخالفة القانون؛ ولكن الظروف القاسية هي التي دفعتهم للقيام بذلك.

 

والثانية هي الفئة المضادة للمجتمع التي لا تستطيع الالتزام بالقانون، وتتميز بتلبد الإحساس والمشاعر لدرجة أنها لا تشعر بالأخطاء التي ترتكبها، ولا تعرف الصواب والخطأ أو الحرام والحلال وتفعل ما تريده سواء كان يوافق عادات وتقاليد المجتمع، أو لا يوافقه ومهما حصل فستبقى هذه الفئة في فعل جرائمها، وتظل تمارس الجريمة، وتتردد على السجون، حتى تصل لمرحلة النضج النسبي عندما يشعر الفرد بأنه ليس لدية القدرة عن استكمال مشوار المغامرات، ويميل إلى الحياة الأكثر هدوءًا، ويحتاج إلى تغيير نمط حياته، فضلاً عن نمو النزعة الدينية بداخله مع كبر سنه وتخطيه الأربعين، فيبتعد عن الشجار وخلق المشكلات مع الآخرين.

 

وحتى السجناء السياسيون وأصحاب التوجهات المختلفة يرى غالبية فئات المجتمع أنهم أشخاص مختلفون؛ لأن لديهم رأيًّا مختلفًا عن الرأي السائد لدى السلطة التي تحكم المجتمع، وبهذا يعتبر السجين السياسي خارجًا عن السياق الاجتماعي.

 

مرحلة النضج

 الصورة غير متاحة
* وعندما يصل السجين لمرحلة النضج النسبي ما هي الطرق الأنسب للتعامل معه؟

** عندما يصل السجين، أو المذنب لهذه الحالة يبدأ في الاتصال بكل من قدم له أي خدمة داخل السجن، أو عامله برفق سواء كان ضابطًا أو سجانًا أو الأخصائي النفسي، فيطلب منهم أن يعيش حياة شريفة ليتخلص من تاريخه المظلم، وبالتالي يساعدوه على فعل ذلك بعمل كشك له، ومن الممكن أن يعمل مع الشرطة سرًّا، ويساعدهم على القبض على من يعرفهم من المجرمين، ولهذا تتطلب في هذه المرحلة العطف على هؤلاء الفئة، وتقديم يد العون إليهم لتكتمل كل ملامح هذه المرحلة بداخلهم.

 

وعندما تكتمل هذه المرحلة يصعب لصاحبها أن يعود إلى إجرامه مرة أخرى؛ لأنه ينتابه إحساس بالقيمة ويشعر باحترام ذاته نتيجة قيامه بأعمال شريفة لم يقم بها من قبل، ومساعدته الشرطة في الكشف عن المفسدين، أو شعوره بالانتماء نتيجة احتضان أهل الخير له، وهذا الشخص الذي لم يكن لديه الضمير، ولم يرتبط بعلاقة سوية مع السلطة "الأبوية، والأمومية، والحكومية" فيحدث له تحول.

 

أما فئة "سجين الصدفة" فلم يكن عنده اختلاف كبير بينه، وبين المجتمع لأنه ليس لديه توجه معين، وليس لديه رأي سياسي مخالف.

 

فلسفة السجن

* تشهد السجون المصرية حالة من التردي في أوضاعها، فما أثر ذلك على السجين والمجتمع؟

** السجن في فلسفته يقصد حماية المجتمع من الخارجين عن قانونه، وكذلك هو عملية إصلاح للسجين في كل العصور والمجتمعات، ومع الأسف السجون في مصر أحوالها لا ترضي فهي تتبع النظرية العقابية والفلسفة الانتقامية، أكثر من النظرية الإصلاحية، ولا تطبق المعايير الإصلاحية والإنسانية والعالمية فيها.

 

وعندما تكون أحوال السجون سيئة؛ فإنها قطعًا لا تؤدي فلسفة السجن المطلوبة، ولا تقوم بالدور الإصلاحي المنوط به، وبالتالي تؤدي إلى نتائج عكسية، فسجين الرأي لا يمكن أن يتراجع عن أفكاره بل تزداد قناعته وصراعه مع السلطة، ويتأكد أن السلطة التي سجنته يجب أن تقاوم، وأنه من الشرف أن يقاوم هذه الأخطاء حتى يصلحها.

 

وكذلك لن يتوقف مجرم عتيد الإجرام عن جرائمه، بل تجعله أقسى ضميرًا ويصعب تصالحه مع المجتمع؛ بل تتدني تركيبته النفسية أكثر وأكثر ويخرج الشخص محترف الإجرام بنسبة 90%. وبالنسبة لسجين الصدفة تترك عنده جروحًا لا تشفى ويكون عرضه لأن تتسرب بداخله رواسب جديدة.

 

وهناك قناعات لدى غالبية مسئولي السجون أن السجن أنشئ فقط للانتقام من الخارجين عن القانون والمجتمع، وهذا اعتقاد خاطئ يدفعهم لتحويل حياة المسجونين إلى جحيم، وليس من مصلحة المجتمع، أو السجين أن تكون السجون بهذه الأحوال المتردية، فهذا السجن ليس للانتقام كما يقول بعض أفراد السلطة.

 

وحش أعمى

 الصورة غير متاحة
* وهل السجان أو الحارس عندما يمنح سلطة تتغير شخصيته؟

** السجان والحارس عندما يمنح القوة المطلقة، ويبدأ في إصدار الأوامر وتعذيب السجناء يجعله يتعلق بالتجربة ويصر على الاستمرار فيها، حيث إن من يمارس السلطة المطلقة دون مساءلة أو ردع تتغير شخصيته ويصبح توحده مع هذه السلطة المطلقة هو بمثابة شهوة قوية تجعله لا يستطيع العودة إلى طبيعته الأولى، وفي هذه الحالة يتعامل الحارس بحالة من العدوانية، وبخشونة أكثر مما تتطلبه وظيفة حارس، ويبالغ في إهانة المتهم.

 

* وهل تركيبة السجان الشخصية والضغوط الخارجية تساهم في زيادة البطش أو تقليله؟

** بالفعل تركيبة السجان النفسية المستقرة أو المضطربة تساهم بشكل كبير في إصلاح حال المسجون، أو في زيادة تعذيبه، فتصور السجان الخاطئ للمسجون على أنه مجرم، وتتم برمجته على أن هؤلاء المسجونين هم أعداء الشعب والوطن، وتتحرك في داخله المشاعر السلبية تجاه هذا الشخص.

 

في الوقت الذي يعاني فيه السجان من اضطرابات نفسية شديدة، فيتحول السجان إلى وحش أعمى ويزيح ويسقط لكل النقائص التي في داخله، وفي المجتمع على هذا الشخص، حتى يصبح المسجون مستقبلاً لكل خطايا المجتمع والسجان؛ لدرجة أن بعض المساجين يقومون بتعذيب المتهم حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو لا يدري.

 

وعلى النقيض هناك التركيبة النفسية المختلفة لسجان ليس لديه نقائص، وتغلب عليه النزعة الإنسانية ويقتنع أن السجين شخص أدت ظروفه إلى أن يأتي لهذا المكان، فتبنى بينهم علاقة ود وعشرة تدوم لسنوات طويلة.

 

برامج الإصلاح

* وما الواجب على إدارة السجون اتباعه في التعامل مع المساجين؟

 ** لا بد أن يراعي النظام داخل السجن الاختلافات والسمات النفسية للسجناء، وبناء عليها تتم معالجة القضايا السيكولوجية المتعلقة بتربيتهم وبيئتهم، وهناك برامج إصلاح توجد في مكاتب الموظفين، وما نحتاجه داخل السجون أكبر من البرامج والتصريحات والإعلانات، فنحتاج لتغيير عقلية القائد العسكري لإصلاح عمليات التعذيب الوحشية التي تحدث داخل السجون، ونحتاج لتطبيق المواثيق الدولية وتغيير الزنازين الضيقة.

 

ومع الأسف، وحتى هذا الحين فما زالت برامج الإصلاح داخل السجون لا تفعل بالشكل المطلوب، ولا بد من تغيير البرامج الموحدة في التأهيل، فالمجرم عتيد الإجرام يحتاج إلى برنامج متكامل موجه لإصلاح تركيبته النفسية لأن قانون الأخلاق الداخلي عنده ضعيف جدًّا، حتى يدرك أن هناك قانونًا يردعه عن استلاب حقوق الآخرين، وبذلك يتم التصالح بينه وبين المجتمع.

 

سجين الرأي

* هذا بالنسبة للمجرم عتيد الإجرام، فماذا عن المعتقل السياسي؟

** الأصل ألا يتم سجن أي فرد لأنه فقط صاحب فكر وله رأي وتوجه معين، ولكن فقط يمنح حرية المعارضة السلمية والشرعية، وصاحب الرأي لا تصلح معه أساليب البطش كالسجن، فعلى الرغم من أنه يعاني من فقدان حريته، وبعد الأسرة والأهل عنه لفترات طويلة؛ لكن في داخله شيئًا ما قد يكون الإيمان بالله أو فكرته فيشعر بقيمة زجه في السجون؛ لأنه مسجون للدافع عن رأي وقيمة تستحق منه العمل من أجلها.

 

فضلاً عن أنه يقتنع قناعة داخلية بأنه يقوم بعمل بطولي، ويسترجع في ذاكرته القادة والمصلحين في التاريخ الشخصي والوطني؛ وبالتالي يكون أكثر شجاعةً على إعلان رأيه لتغير المجتمع، كما أنه يشعر بثقة وفخر داخلي ويكون دائمًا في حالة صلابة أكثر وإرادة دائمة لا تنكسر؛ لأنه يؤمن أنه يؤدي رسالة، وبالتالي يكون إنسانًا مؤثرًا داخل السجن وخارجه عن طريق التراسل مع أهله والمحيطين به أو عن طريق كتابة بعض المقالات.

 

وإذا جاز سجن صاحب رأي إذا خالف القانون في تعبيره عن رأيه المخالف، فهو لا يحتاج إلى برنامج موجه لإصلاح تركيبته النفسية؛ لأنه صاحب توجه، ولكنه يحتاج إلى برنامج حواري فيهتم به أهل الفكر الرأي، ويتحاورون معه إيجاد طريقة مع هذا الشخص حتى يستطيع أن يتعامل مع المجتمع بدون تصادم.

 

* وهل من الممكن أن يتم تغيير قناعة الصنف الأخير داخل السجن؟

** كثير ما يتم تغيير قناعات هؤلاء داخل السجن فهو بشر، وعندما يجد نفسه مسجونًا ومعزولاً على المجتمع لفترات طويلة، يبدأ في توجيه اللوم لنفسه، ولا يستطيع أن يصمد إلا إذا كان هناك تدعيم من المنظومة التي ينتمي إليها، ولو لم تكن هذه المنظومة متماسكة فهذا الأمر يحدث له حالة من الوجع الداخلي، ويبدأ في التفكير هل هذه الأفكار التي يؤمن بها صحيحة أم لا؟، وهل تستحق الاختفاء وراء الأسوار لسنوات، ففي هذه الحالة يأتي إليه من يحاوره داخل السجن ليهز هذه القناعات.

 

* وهل بطش السلطة قد يؤدي لتغيير تلك القناعات؟

** نعم فسجين الرأي بعد أن كان في صراع شديد مع السلطة، قد يصل به الأمر للتحالف مع السلطة ويسمى هذا الأمر "التوحد مع المعتدي"، فالسلطة التي تهدمه وتسعي للسيطرة عليه، يبدأ تدريجيًّا في التصالح معها، ومن الممكن أن يتبنى مواقف السلطة، ويبدأ في لوم رفاقه، والمنظومة التي ينتمي إليها ويأخذ آراء مختلفة، ويبدأ ينشق عن المجموعة التي سجن معها.

 

كما أن سوء أحوال السجون تؤدي إلى انكسار إرادته، ويقرر أن يعيش الفرد في حالة عزلة مع وجود نوع من السخط، ولكن هذا السخط يكون هادئًا، وقد يترجم في بعض الأوقات إلى سخط واضح، ولكن إرادته وعزيمته منكسرة.

 

مجتمع السجن

* وهل يغير بطش السجن قناعات محترفي الإجرام؟

** الصنف المضاد للمجتمع ومحترفي الإجرام ليس لديهم مشكلة من دخوله السجن؛ لأنهم ليس لديهم أي انتماء للمجتمع الخارجي، ويبحث داخل السجن عن شاكلته، وما يحتاجه من مخدرات وغيرها، وعندما يجدهم لا يشعر حينها بالألم أو الذنب، بل والأدهى من ذلك أنه يجهز من داخل السجن لارتكاب جرائم عندما تنتهي فترة عقابه، أو خلال فترة عقوبته.

 

وهذا الصنف يجد ضالته وشاكلته في السجن فيكون لهم حديثهم الخاص؛ لأن تركيبته النفسية متوافقة معهم، فضلاً عن أنه يعاني من حالة اضطراب شديدة وعداء شديدة مع المجتمع الخارجي؛ لأن المجتمع الخارجي له ضوابط معينة لا توافقه وتعتبر السجن بالنسبة له مجتمعًا داخليًّا.

 

* وما الصنف الأكثر تألمًا من السجن؟

** الذي يتألم داخل أروقة السجون، وبشدة هم سجناء "الصدفة، ومجرم لأول مرة" وغيرهم؛ لأنهم لا يمتلكون تركيبة نفسية تسهل لهم هذا الألم ولا تتحمل المفاجأة والقيد والسجن؛ بالإضافة إلى أنهم لا يمتلكون صلابة وفخر سجين الرأي الذي يسجن في قضايا هامة، أو تلبد مشاعر وأحاسيس السجين المضاد للمجتمع، وهذا الأمر يتسبب في دخوله في اضطرابات نفسية وجسمانية بسبب حبس حريته وبعده عن أهله.

 

وحينها يبدأ في عمل مراجعات لحياته الشخصية، وتحدث تغيرات داخلية له هذه التغيرات تترك أثرًا سلبيًّا في نفسه ولا يستطيع بعد أن يطلق سراحه أن يعود مرة أخرى لوضعه السابق، ويتحول من شخص اجتماعي إلى شخص أقل اجتماعية ويصبح إنسانًا منطويًا أو منكمشًا، ويشعر بحالة من الخجل بعد أن لصقت به وصمة السجن، وأحيانًا يلقي اللوم على ذاته، ويعرض أسرته للاحتياج نتيجة عدم قدرته على مواجهة المجتمع، بل قد يعود للجريمة للانتقام من المجتمع أو لتدبير مصاريفه بعد أن يتم رفضه في أي عمل يتقدم إليه.

 

مخازن بني آدميين

* هناك من يشبه السجون المصرية بـ"حديقة حيوان بشرية" فما تعليقك على هذا التشبيه المتدني؟

** رغم تدني التشبيه وعدم مراعاته لكرامة المسجون، إلا أنه يحمل كثيرًا من الصواب بل تشبيه السجن بحديقة الحيوانات يعتبر تكريمًا لوضع السجن فحدائق الحيوانات يتم اختيار أماكنها الجيدة ويتم تصنيف الحيوانات فيها الحيوانات المفترسة يتم وضعها في أقفاص محكمة جيدة التهوية أما الحيوانات الأليفة فتترك بحريتها، أما السجون في مصر فهي بمثابة "مخازن آدمية" سيئة التهوية والمعاملة، ونتمنى أن تكون غير هذا، لأن المجتمع يتأثر بما يحدث داخل السجن لأنه إذا كان الناس الذين في داخله في حالة أفضل يكون المجتمع الخارجي في حالة مستقرة، لأنهم أبناء وطن وأهالينا وأقاربنا.