حضارة الاستئصال للآخر واستعباده، حضارة النفاق وخلق الأزمات في الشعوب والوقيعة بين الأمم والصراع على ثروات الآخرين، حضارة زرع الدكتاتوريات وإقرار المظالم، واللعب بالعرقيات، واختلاف الأديان والعنصريات، والاستعانة بالعملاء؛ أصبحت اليوم عبئًا على الشعور الإنساني، وحملاً على الشعوب والأمم، ولعنة على الأخلاق والفضائل، ونارًا على المبادئ والقيم الكريمة، هذا التوحش الحضاري الذي ينفرد بالشعوب الضعيفة لازدرائها، يتسلح بالعلم والتكنولوجيا والقوة العسكرية، والخبراء والمنظرين، وآليات المدنية الحديثة، وهذا من نحس الطالع للشعوب الآمنة الواهنة المسالمة التي لا حول لها ولا قوة في زمن الذئاب التي تحقن الفريسة بشتى الأمراض والجراثيم والعلل حتى إذا خارت قواها، ووهنت أوصالها، ومدت أعناقها أجهز عليها الجزارون الذئاب بكل قوة ووحشية.

 

إن شعوب هذه الحضارة وقادتها، أصبح عندها خلق الأزمات، وبذور الوقيعة بين الأمم فنًّا يُدرس، وعلومًا تُلقن، وخططًا تطبق على كثيرٍ من أمم العالم الثالث، الذين أصبحوا لجهلهم ونومهم وتفريطهم حقل تجارب لهذه الثعالب البشرية التي تجيد مع وحشيتها زمزمة الكهان، ونفث السحرة وعقدهم، ولعله ليس من العسير على المراقب لمسارح العمليات أن يرى كيف تُحضِّر كثير من الأمم للانفجار بخلق الأزمات فيها، ودفعها دفعًا إلى نار الفتن، ولهب الحروب بوسائل كثيرة تجل عن الحصر وتكثر عن العد، لتخلف دمارًا مهولاً في الطاقات والأرواح والبنية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ولكن كل ذلك مباح بل واجب في سبيل أن يحقق لأسياد الشر النفوذ والسيطرة ونهب الثروات.

 

أصبح سعار النفوذ والمصالح والسيطرة على الثروات شيئًا مقدسًا عند هؤلاء يعطي لهم الحق في كل ما يفعلون ويجيز لهم كل ما تقشعر منه الأبدان من المآسي وسفك الدماء، وتجويع الشعوب وحصار الأمم، وهلاك الملايين تحت سمع الدنيا وبصرها، وفي وضح النهار، وفي كثيرٍ من الأحيان بمباركة الأمم المتحدة وأمينها العام أو الخاص، ونحن كأمة إسلامية عمومًا، وكعرب خصوصًا نُحضّر من زمن للانفجار، ونتعرض من حقب عدة للنسف والدمار؛ وذلك في دول عدة منها على سبيل المثال: السودان، اليمن، الجزائر، العراق، فلسطين، أفغانستان، مصر.. إلخ، إذ يُراد خلق المشاكل وتشغيل آلية الصراع في هذه الدول حتى توجد الفرص للانهيار أو التدخلات الخارجية أو الثورات الشعبية، وإذكاء النعرات المذهبية أو العرقية أو الحزبية، وقد تبدأ آليات الصراع بحماية دكتاتور أو السكوت عن مظالمه، أو زرعه وتشجيعه، فيعمل على قتل الرأي الآخر ويصم آذانه عن النصح، ويتخذ البطانة السوء، ويوقع الأمة في كثيرٍ من المشاكل التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، فتلتفت القوى الوطنية إلى محاربته، ويتفرغ هو لمحاربتها، ويُشغل كلٌّ بالآخر، وتقف دواليب العمل في الدولة ويشعر الشعب بالضياع، ولا خلاصَ بعد ذلك إلا بالثورات التي لا تُبقي ولا تذر.

 

وإلا فما معنى محاولة إقصاء الشعوب في العالم الثالث أن يكون لها اختيار صحيح لمن يحكمها ويتولى أمرها، وعدم تمكينها من أن يقوم فيها حكم صالح، أو تمكينها من تنحية ظالم، أو معاقبة خائن أو عميل؟ وما معنى التشجيع على اتهام المخلصين ومحاكمتهم؟ صدقوني.. إن هناك شعوبًا كثيرةً في الشرق الأوسط تُعَدُّ للانفجار، وبإثارة كثيرٍ من الأزمات في داخلها وحولها، وبنصب شباك الفرقة والعداوة فيما بينها، وتشجيعها على أخطاء قاتلة تجري على ساحتها، وإلا فقولوا لي: لماذا يُحال بين البعض والسلطة رغم أنهم يسيرون كغيرهم في نهر الديمقراطية الجاري- كما يقولون- ويرضون بحكم الشعب، ويحتكمون إلى صناديق الاقتراع؟ ولماذا تُزوَّر الانتخابات في الأقطار المرشحة للانفجار لإقصاء الإسلاميين عن المجال السياسي، كما لا يُصرَّح لهم بأحزابٍ في بعض الأحيان، وفي البعض الآخر يشترط أن يتبرءوا من الدين كشرطٍ أساسي؟

 

ففي الجزائر ما إن وصل بعض الإسلاميين إلى نتائج مهمة في الاقتراع الانتخابي حتى حدث الزلزال، وقامت الدنيا ولم تقعد للآن، وضاع في ذلك أكثر من مائة ألف قتيل؟ وفي تركيا مرة أخرى يطرق الإسلاميون أبواب الديمقراطية مستأذنين الوسائل الشرعية والسلمية ومعتمدين على صناديق الاقتراع للمشاركة في صنع القرار السياسي، فتُوصد أمامهم الأبواب، وتُغلق أمامهم الطرق، ويتعمد إحراجهم في عقيدتهم، وليس في أخطاء سياسية أو مالية أو حتى قومية، ويتعرضون لتحديات العلمانية وتهديدات العسكر، بل إلى الاستفزازات في صميم القيم الإسلامية بغلق مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وفتح العلاقات الإستراتيجية على مصراعيها للنفوذ الصهيوني.

 

وأخيرًا الاتهامات الخطيرة بالخروج على العلمانية، وهذا- عندهم- كفر بواح لا يُغتفر، وكأنَّ مشاكل تركيا شيء لا يهتم به، وإنما حرب الإسلام والمسلمين هو الشيء الأهم، وقد استقر الحال الآن بعد جهد جهيد، وهذه بلدان أخرى تلغي كل شيء: نقابات، ونوادي أعضاء هيئة التدريس، وانتخابات العُمد، وعمداء الكليات، واتحادات الطلبة، وكل شيء له تنظيم جماهيري حتى لا يذوق المسلمون عسيلتها في رأيهم، وما فيها عند الإسلاميين إلا حب العمل المخلص لإنقاذ الأمة والمشاركة في نهضتها، ثم تتوالى التهم والتحرشات حتى تصل إلى حد اختراعها وتقديم قادتها إلى محاكم عادية فتبرأهم، ثم إلى محاكم استثنائيـة حتى لا تكون هناك شبهة لعدالة أو إثارة لقانون، أو فائدة لدفاع، أو فرصة لبراءة.

 

وقد يسأل الإنسان نفسه: ولم كل هذا؟ لم تصادم العقائد والحريات، وأخلاقيات المجتمع، وهتك ستر العدالة في الأمة في وضح النهار؟ ولا يجد الإنسان جوابًا إلا لتحضير الأمة للانفجار، إن لم يكن اليوم فغدًا، وتخطيط العدو محسوب بدقة، وإدارته لافتعال الأزمات مرتبة بإحكام، حتى يستطيع أن يحصد ما زرع، ويجني ما تعهَّد وسقى.

 

ولهذا نرى بعض المخلصين لأمتهم، والفاقهين للدور المرسوم، يتحملون ويصبرون ويصابرون حتى تفقه السلطات الدرس، وتعي المرحلة، وتبصر الفخاخ، وتفيق من الغفلة، فتعانق المخلصين، وتنزع فتائل الألغام، ويسير الكل في الطريق الصحيح أحبةً يرفعون اللواء.. نسأل الله ذلك.