أجمع متخصصون وفنانون على أن الإبداع أداة للتغيير السياسي والمجتمعي على حدٍّ سواء؛ حيث إن السياسة فرضت نفسها عليه بشكلٍ قسري، إضافةً إلى إمكانية بناء شبكة مفاهيم تغير العالم على أرض الواقع من خلاله.

 

وأعربوا- في الندوة الشهرية التي ينظمها قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية تحت عنوان "الفن والتغيير"- عن اعتراضهم الشديد لمقولة منتجي الفنون، وعلى رأسها الدراما والسينما: "الجمهور عايز كده"، معتبرين أنها حججٌ واهية أضرَّت بالقيم المجتمعية والجمهور، مطالبين بأن يقوم الفنانون بتغيير مفاهيمهم، وأن يحملوا قضية يعيشون من أجلها.

 

ثم طرح الإعلامي وائل عادل تساؤلاً: "قبل أن نسأل ما دور الفن كأداة في التغيير علينا أن نجيب أولاً: ماذا يريد التغيير من الفن؟"، هو يحتاج إلى قوة الشعوب وبناء مجتمعات قوية تشارك في السلطة وتقاوم الظلم والفساد، ومن أجل ذلك يجب إعادة ترتيب شبكة المفاهيم وبناء أخرى جديدة، هذا إلى جانب بناء موازين قوى مختلفة، فيأتي التغيير خلال تتابع الأحداث وتكثيفها.

 

وأكد المهندس عبد الرحمن عادل، مخرج الأفلام الوثائقية، أن الفن يمكنه أن يغير الصورة الذهنية عن أي مجتمع، بعكس حقيقة واقعه الأصلي، وباستطاعته صنع صورة لم يرها الجمهور مطلقًا؛ لتصبح حقيقة كامنة في ذهنه؛ حيث إن الأفلام الغربية التي استطاعت أن تغير الصورة الذهنية عن العرب بالمئات، فصورتهم بأسوأ صور وأسوأ واقع.

 

وتساءل: "هل الفن فعلاً يُغير؟"، وأجاب بالتأكيد يُغير، وهنا يمكننا تقسيم أحد أنواع الفن وهو الأفلام إلى قسمين: الأول: ما تؤكد واقعًا فعليًّا نعيشه، والثاني: ما تغير هذا الواقع، إلا أننا لم نصنع أفلام تغيير الواقع بعد، ولو ضربنا مثلاً على فيلم "هي فوضى" للمخرجين يوسف شاهين وخالد يوسف هنا قام بتأكيد الفوضى في واقعنا، لكنه لم يصنع بديلاً جيداً عنها، في حين أننا لا نستطيع أن ننسى فيلم "الأرض" لشاهين الذي أكد واقعًا وغيره، على الرغم من أنه أخرج الفيلمين، كما استشهد بكلمة للمخرج السوري العالمي مصطفى العقاد صاحب فليمي "الرسالة" و"عمر المختار": "لا تصنعوا أفلامًا عربيةً تشوِّه صورنا في الغرب".

 

وأوضح أنه اكتشف أن المُشاهد ليس سيئًا بالدرجة التي يحاول صناع الفن تصويره بها؛ ليتناسب مع حججهم الواهية بمقولة "الجمهور عايز كده"، فالجمهور لا يريد إسفافًا، بل يستجيب لكل ما هو راقٍ أو يخاطبه برسالة غير مباشرة، فطرق عرض صناع الفن هي التي يجب أن تختلف وتتنوع لتصل إلى الجمهور.

 

وطالب الفنانين بتغيير مفاهيمهم، وأن تكون لديهم قضية يعيشون من أجلها، ويقدموا للجمهور فنًا من خلاله يغيرون به الواقع المرير الذي نحياه، وفي المقابل يحتاج الفنانون إلى مساندتهم ودفعهم للأمام.

 

ومن جانبه أكد المهندس هشام خضر المخرج المسرحي أن جميع أنواع الفنون تُعبِّر وتغير الواقع، إما بالتغيير الإيجابي أو السلبي، لأن العالم في تطورٍ مستمرٍ، فيجب على التغيير الذي نمارسه عبر الفن أن يكون بذات الأداة التي يستخدمها صناع الفن السيئ في الداخل، وما يستخدمه الغرب في الخارج ليتم التغيير.

 

وأشار إلى أن الشاهد على ساحتنا الآن يوجب تغيير الوضع المؤلم الذي نعيشه، فبعدما فرضت السياسة نفسها على الفن بشكلٍ قسري، فما كان منَّا إلا أن نستغل جميع أنواع الفنون لتغيير الواقع، لذا وجب على الحكومة أن ترفع يديها عن كلِّ المجالات وتترك الشعب يعمل وينتج؛ حيث إن الفرق بيننا وبين الكيان الصهيوني أننا نرغب في التغيير ومشاهدة نتائجه بشكلٍ أسرع، في حين هو لديه سياسة النفس الطويل والتي يحصد منها ما نراه، مشددًا على أن التغيير لن يتم بسرعة ولن تقوم أنت وحدك به، بل قد تكون أنت مجرد مساهم ببناء لبنة صغيرة في صرحٍ تغييري كبيرٍ، وبالتالي هو مجموعة تراكمات تغير بها المجتمع.

 

وطالب بوجود تواصل بين الفنانين في مختلف المجالات حتى يكملوا بعضهم البعض؛ ليخرج صرح التغيير في نهاية الأمر، مضيفًا أن الفيلم القوي المؤثر يبقى والضعيف إلى زوال، فضلاً عن إمكانية قيام الفن بدورين، فيمكنه أن يبني صورة الدول ويمكنه في ذات الوقت أن يدمرها بالكامل، وضرب خضر مثالاً بإحدى محافظات مصر وهي محافظة "دمياط" كنموذج واضح للتغيير، فهي المحافظة الوحيدة على مستوى العالم التي تشتهر عالمياً بـ5 صناعات، كما أنها منعت إنشاء مصنع "أجريوم" بجهود شعبية متكاتفة معًا في وحدة غريبة لم نعهدها.