- "الزبون" مضطر لدفع أي ثمن في وقت الأزمات
- المستودع يوزع حصته على التجار بأسماء وهمية
تحقيق- أحمد الجندي:
في الوقت الذي قد يدفع فيه المصري حياته ثمنًا للحصول على أسطوانة بوتاجاز، يتم توزيعها بالعشرات والمئات على "تجار السوق السوداء"؛ ليرفعوا أسعارها إلى أرقام غير مألوفة بلغت 35 جنيهًا في بعض المناطق، غير مبالين بما يعانيه الشعب من أزمات اقتصادية وفقر شديد، مع غياب كامل لحكومة الحزب الوطني التي كرَّست جهودها فقط لمخطط التوريث، وتحقيق مصالح رجال الأعمال.
(إخوان أون لاين) يقتحم السوق السوداء لتجارة أسطوانات البوتاجاز، ويكشف كثيرًا من خباياها في سطور التحقيق التالي:
استغلال الشتاء!
محمود شحتة "بواب بناية بمنطقة عابدين" يروي حكايته مع تجارة "أنابيب البوتاجاز" قائلاً: بدأت في بيع الأنابيب مع عملي بوابًا للعمارة، وطلب مني أحد سكان العمارة أن أُحضر له أنبوبة بوتاجاز، وأعطاني 2 جنيه نظير إحضارها له، وأصبحت بعد ذلك أحضر الأنابيب لجميع سكان العمارة، وكان كل ساكن يعطيني "اللي فيه النصيب".
ويضيف: ففكرت بعد ذلك أن أعمل في توزيع الأنابيب على الحي كله، فاشتريت درَّاجة لاستخدامها في توزيع الأنابيب في المنطقة التي أسكن فيها، مشيرًا إلى أن بائعي الأنابيب كلٌّ منهم يوزع الأنابيب في منطقته، ولا يجوز أن يتعدى على منطقة عمل زميله.
ويتابع قائلاً: وبعدها أقمت علاقةً مع صاحب "مستودع الأنابيب"، فأصبح يعطيني الأنابيب في الصباح ثم أقوم بتوزيعها على الزبائن، وفي نهاية اليوم أحاسبه على الأنابيب التي أخذتها طوال اليوم، موضحًا أنه ممكن يعمل 3 أو 4 أدوار يوميًّا، الدور فيه 5 أو 6 "أنابيب".
ويستطرد: أحصل على الأنبوبة بـ5 جنيهات، وأوزعها بـ10 جنيهات لسكان الدور الأول، وسكان الأدوار العليا، بتكون الزيادة على كل دور جنيه أو حسب ظروف الزبون، يعني لو واحد دفع أكثر "مش هقوله لأ".
وحول استغلالهم لأزمات البوتاجاز في أسعار "الأنابيب" يقول: إن الأنابيب بتبقى قليلة في هذه الفترة، واحنا بنشتغل في الشتاء أكثر من الصيف؛ حيث الطلب على الأنابيب في الصيف يقل عن الشتاء بنسبة 25%، فنحن نعوض هذا النقص في الطلب برفع الأسعار في فترة الشتاء، كما أنه في وقت الأزمة يكون "الزبون" على استعداد لدفع أي مبلغ نظير الحصول على أنبوبة.
مافيا الأنابيب
![]() |
|
طوابير أنابيب البوتاجاز تبحث عن حل!! |
ويضيف أن أغلب "الزبائن" معهم أرقام الهواتف المحمولة الخاصة بهم، ويتصلون بهم للحصول على الأسطوانات؛ لأن كل واحد له "زبائنه" ومنطقته التي لا يجوز لتاجر آخر التعدي عليها.
ويستطرد: أحصل على الأنابيب من المستودعات المختلفة بكلِّ سهولة، فأنا معروف لديهم، ومعروف في المنطقة كلها، موضحًا أنه في المتوسط يخرج ثلاث دورات يوزع فيها 15 أنبوبة؛ حيث يسجل صاحب المستودع أسماء التجار في كشف خارجي، وأمام كل اسم عدد الأنابيب التي حصل عليها خلال اليوم ويحاسبهم في نهاية اليوم، بعد توزيع الأنابيب، ثم يوفق دفاتره بعد ذلك، مشيرًا إلى أن مفتشي التموين يحصلون على رشًى من أصحاب مستودعات الأنابيب، في سبيل السكوت والتغاضي عن مخالفاتهم.
ويتابع: صاحب المستودع يعطيني عددًا كبيرًا من الأنابيب؛ لأنني ثابت معه طوال السنة، وأساعد المستودع في الصيف عندما يكون الطلب على الأنابيب أقل، موضحًا أنه يبيع الأنبوبة بسعر يتراوح بين 8 و15 جنيهًا، حسب ظروف الزبون ومكان سكنه، مشيرًا إلى أن "الزبائن" لا يجدون غضاضةً في دفع أي مقابل في سبيل راحتهم، والحصول على أنبوبة البوتاجاز بسهولةٍ ويسر.
تحايل على القانون
ويقول علي محمد "بائع أنابيب" في القليوبية، إنه كان يعمل في إحدى مزارع الدواجن، ويتعامل مع أصحاب مستودع الأنابيب في قريته، وبعد أن عُيِّن عاملاً في أحد مساجد الأوقاف، استغل وقت فراغه في بيع الأنابيب، هو وزوجته وأولاده، وخاصةً أن قريته بها العديد من مزارع الدواجن التي تستهلك الأنابيب في تدفئة الدواجن، مستغلاً "عربة كارو" كان يستخدمها في العمل الزراعي.
ويضيف أنه يحصل على الأنابيب بكلِّ سهولة ويسر من أصحاب مستودع القرية والمستودعات الأخرى في القرى المجاورة، بعد أن توسّعت "تجارته" في الأنابيب؛ حيث كان يقتصر عمله على دورة واحدة بها من 15 إلى 20 أنبوبة، وأصبح اليوم يقوم بـ3 دورات في اليوم؛ لتغذية مزارع الدواجن، وبعض المنازل في القطاع الذي أسكن به؛ حيث إن القرية مقسمة إلى قطاعات لكلِّ تاجر قطاعه الذي يعمل به ولا يجوز لآخر التعدي عليه.
ويوضح أن صاحب المستودع يقوم بتقسيم ثلاثة أرباع حصة المستودع من الأنابيب على "التجار" والباقي على المواطنين؛ حيث يجعل لكلِّ "بائع" 4 أو 5 أسماء وهمية متعارف عليها بينهم، ويوزع عليهم كمية الأنابيب المتفق عليها؛ لأن التجار يتعاملون معه طوال العام، وفي فترات ركود سوق الأنابيب.
ويستطرد صاحب المستودع يجمع بونات حجز الأنابيب من المواطنين، ثم ينادى للتوزيع "محمد (أنبوبتين)، وعلي (ثلاثة)، ومحمود (أربعة) وهكذا، وفي النهاية الذي يحصل على كلِّ الأنابيب شخص واحد هو التاجر، حتى لا يتذمر الأهالي من توزيع أغلب الحصة على التجار، ولتستقيم عملية الحجز في الدفاتر، حتى لا يقع تحت طائلة القانون.
وعن الأسعار التي يبيع بها يقول: إن بيع الأنابيب كأية سلعة يحكمها نظام العرض والطلب، ففي فصل الشتاء يزداد الطلب على الأنابيب، فترتفع أسعارها لتصل إلى 15 جنيهًا، وفي الصيف يقل الطلب فتباع الأنبوبة بـ7 أو 8 جنيهاتٍ لسكان الدور الأرضي، أما توصليها لسكان الأدوار العليا فيصل إلى 12 جنيهًا، هذا في الوضع الطبيعي أما في حالة حدوث أزمة، فيزيد سعر الأنبوبة لتصل إلى 30 جنيهًا أو أكثر، حسب ظروف المنطقة.
تجارة رابحة
الأهالي يدفعون أكثر من 10 جنيهات في الأنبوبة

أما أم محمود "بائعة أنابيب" فتحكي قصتها مع تجارة الأنابيب فتقول: "أسكن بجوار مستودع الأنابيب، ويأتي الكثير من الأهالي لتغيير الأنابيب الفارغة لديهم، فيجدون المستودع مُغْلَقًا، فيضطرون لترك الأنابيب الفارغة عندي حتى لا يرجعوا بها إلى بيوتهم البعيدة عن المستودع ويعودون بها ثانيةً، وظللت هكذا فترة طويلة، وجاءت الفكرة بعد أن طلب مني أحد الأهالي أن أُغَيِّر له أنبوبته الفارغة بأخرى ممتلئة حين يفتح المستودع، وأعطاني 5 جنيهات، وكان سعر الأنبوبة رسميًّا في هذا الوقت 2.75 جنيه، فاستبدلتها بسهولة بحكم علاقتنا مع صاحب المستودع ، وبعدها قررت العمل في بيع الأنابيب.
وتستطرد أصبح الأهالي يأتون بعد ذلك إلى بيتي ليستبدلوا أنابيب ممتلئة بالفارغة، وزادت حركة بيع الأنابيب، ففكرتُ في توسعة نشاطي واشتريت مجموعةً من الأسطوانات الفارغة، وأصبحتُ أغيرها من المستودع، ويتوافد الأهالي عليَّ لشرائها، وخاصةً في موسم الشتاء بدلاً من "البهدلة" والوقوف في طوابير طويلة أمام المستودع.
وتتابع قائلةً: أصبحتُ الآن أبيع أكثر من 20 أنبوبة بوتاجاز صغيرة سعة "25" كيلو يوميًّا، كما أصبحت أعمل في مجال توزيع الأنابيب كبيرة الحجم للمطاعم ومزارع الدواجن؛ حيث أقوم بملئها من المستودع، ويقوم أبنائي بتوزيعها على المطاعم ومزارع الدواجن، والحمد لله بنيت الدور الثاني من تجارة الأنابيب، وسأزوج الأولاد إن شاء الله.
وتوضح أنها تشتري الأنبوبة الصغيرة بـ4 جنيهات، وتبيعها بـأسعار تتراوح ما بين 10 و15 جنيهًا من بيتها في الشتاء، وبـ8 جنيهات في الصيف، وفي أوقات الأزمات تكون حسب ظروف السوق.
جامعي!
أما همام أحمد همام "بائع أنابيب" فيقول: أعمل في مجال بيع الأنابيب بالوراثة، فأبي يعمل في نفس المجال، وتخرجتُ في الجامعة وأنا أعمل مع والدي مستخدمًا سيارته "الربع نقل" التي يعمل عليها؛ حيث أقوم بتوزيع الأنابيب "الكبيرة" فقط على مزارع الدواجن والمطاعم.
ويوضح أنه يتعامل معهم بالشهر؛ حيث يوزع عليهم الأنابيب ويحاسب أصحاب المطاعم نهاية كل شهر، أما أصحاب المزارع فيحاسب نهاية كل دورة تربية، موضحًا أن "زبائنه" ثابتون، ولكن في الشتاء ترتفع أسعار الأسطوانات؛ نظرًا لحدوث أزمات وزيادة الطلب على البوتاجاز.
ويضيف أن حصته في الأنابيب محددة، ولا يجوز لصاحب المستودع التصرف فيها لوجود اتفاقات مسبقة معه على العدد والمقابل المادي الذي يدفعه نظير ذلك.
