كشف مصدر بالمجلس الأعلى للآثار لـ(إخوان أون لاين) أن منبر مدرسة الأمير قاني باي أمير أخور الأثري، الذي تم الإعلان عن سرقته كانت آخر رؤية ودراسة له سنة 2006م وليست هناك أي معلومات عن المنبر بعد ذلك، فالمدرسة كانت مغلقةً لتدهورها وعدم إقامة الشعائر بها، وتمَّت معرفة سرقة المنبر على إثر الخلافات في منطقة آثار جنوب القاهرة على تولي منصب مدير عام منطقة آثار منطقة السلطان حسن التي تحظى بتسليط الضوء عليها كمنطقة جذب سياحي بين كبراء مفتشي المنطقة، ولمَّا اختير أحد كبيري مفتشي المنطقة كمدير لمنطقة السلطان حسن اشتاط أحد زملائه غيظًا فقام بتحرير مذكرة للسيد الأمين العام يحيطه علمًا باختفاء منبر المدرسة، وعلى الفور قرر الدكتور زاهي حواس تشكيل لجنة لدراسة الأمر، وتمت إحالة القضية إلى النيابة الإدارية.
وللتستر على الإهمال وللخروج من الأزمة لجأت منطقة آثار جنوب القاهرة إلى حيلة ماكرة؛ حيث يوجد منبر متهالك بمخازن مدرسة السلطان حسن، فقرروا وضع ورقة على هذا المنبر بإمضاء أحد الحراس المتوفين، على أنه منبر مدرسة الأمير قاني باي الرماح وأنه نُقل إلى مخازن السلطان حسن لترميمه، ولكن تبيَّن من مقارنة صور منبر مدرسة قاني باي المنشورة والمصورة أن المنبر الموجود بمخازن السلطان حسن هو منبر مزيف ولا يمُت بصلةٍ لمنبر مدرسة قاني باي، كما ذُكر أن المنبر نُقل إلى جامع الأمير قاني باي بالناصرية بالسيدة زينب، ولكن تبيَّن زيف هذا الادعاء، فالمنبر الموجود بالجامع غير مطابق لصور منبر المدرسة.
وحمَّل الدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وزارةَ الأوقاف مسئولية حادث اختفاء المنبر، ولكن من الملاحظ أن المدرسة كانت وما زالت مغلقةً منذ فترة ولم تقم بها شعائر، فمسئولية الأوقاف غير موجودة، ومسئولو تفتيش منطقة السلطان حسن كانوا يمنعون كلَّ من أراد دخول المدرسة للتصوير والدراسة فلماذا!؟، كما أن أية قطعة أثرية منقولة من المساجد الأثرية تُوضع في مخازن الآثار وليست مخازن الأوقاف حتى تُسأل عنها.
وتقع مدرسة الأمير قاني باي أمير أخور أثر رقم 136 على ربوةٍ عاليةٍ تُشرف على ميدان صلاح الدين على يسار الطالع إلى القلعة، أنشأه قاني باي الرماح، أحد أمراء السلطان قايتباي وأميرا خور ابنه السلطان الناصر محمد- أي الأمير المشرف على اصطبلاته.
![]() |
|
منبر جامع الأمير قاني باي بحي الناصرية بالسيدة زينب |
أُنشئت هذه المدرسة على نظام المدارس ذات التخطيط المتعامد، إذ تشتمل على صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات معقودة، وقد اختلف عما سبقه من مساجد المماليك الجراكسة في طريقة تسقيف إيواناتها، فبينما نرى أسقف المساجد التي أُنشئت في هذا العصر اتُخذت من الخشب وحليت بنقوش مذهبة جميلة نرى أسقف هذه المدرسة اتخذت جميعها من الحجر على هيئة قبوات مختلفة الأشكال، وإلى يمين إيوان القبلة تقع حجرة الضريح تغطيها قبة حجرية مرتفعة، وللمدرسة منارة مربعة القطاع، لها دورتان وتنتهي بخوذة ذات رأسين مماثلة لمنارة مسجده الواقع بحي الناصرية بالسيدة زينب.
ويوجد على يسار المحراب، منبر من الخشب المطعم بالعاج والمذهب في عناصره الزخرفية، ويتكون كسائر المنابر من صدر المنبر وباب المقدم ويتقدمه المرتبة وريشتا المنبر ويعلوهما الدرابزين، وخلفهما بابا الروضة والسلم الموصل إلى جلسة الخطيب ويعلوها الجوسق.
الدراسات التي تناولت المنبر
تناولت المنبر بالدراسة رسالتان علميتان أولاهما رسالة دكتوراه نُوقشت عام 1975م وهي للمرحوم الدكتور سامي أحمد عبد الحليم إمام، وعنوانها "آثار الأمير قاني باى قرا الرماح بالقاهرة: دراسة أثرية معمارية، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة القاهرة 1975م.
وقد ذكر في صفحتي 126: 127 من الرسالة أنه يجاور المحراب منبر خشبي مستطيل الشكل طوله 3.10م وعرضه90 سم، وترتفع شرفته ذات الصدر المقرنص بمقدار 5.15م من ناحية المحراب ملاصقًا للجدار الجنوبي، وقد طعمت حشوات جوانبه، وباب مقدمه بالسن في تشكيل زخرفي هندسي بزخارف هندسية، تكون أشكال أطباق نجمية ذات عشرة كندات يتوسطها شكلٌ نجمي.
وتحيط بهذه الحشوات إطارات من الخشب المزخرف بالنحت بواسطة الأوراق والأفرع النباتية، بالإضافةِ إلى أن بعض الحشوات تحيط بها وحدات مجمعة من الخشب الخرط، هذا ويعلو مقدمة باب المنبر صدر مقرنص يُحيط به من أعلى سياج من الشرفات الخشبية بشكلٍ أوراق نباتية مورقة، وبأسفل هذا الصدر حشوة خشبية نقش بها آية قرآنية نصها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: من الآية 56)، وبظهر هذه الحشوة من الخلف في مواجهة درجات المنبر من الداخل نجد كمالة هذا النص منقوشًا مثل سابقه بالخط النسخي المملوكي ذي الحروف الكبيرة، والنص كما يلي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾ (الأحزاب: من الآية 56).
![]() |
|
صورة للمنبر المسروق نقلاً عن رسالة د. نعمت أبو بكر |
وللمنبر من أعلاه شرفة تحتوي على جلسة الخطيب يعلوها قبة خشبية صغيرة مضلَّعة ذات خوذة وهلال من أعلاها.
والرسالة الثانية للدكتورة نعمت محمد أبو بكر التي اختصت رسالتها عن "المنابر في مصر في العصرين المملوكي والتركي، رسالة دكتوراه قسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة 1985م، ذكرت في صفحتي 444 : 445 أن منبر مدرسة قاني باي نوع خشبه من النوع النقي، عبارة عن خشب ساج هندي- عاج للتطعيم، وأنه لم يخرج في تصميمه عن المنابر السابقة عليه، وذكرت أن ظهور الخرط الميموني فوق باب الروضة بالمنبر يُعدُّ ظاهرةً جديدةً لم نصادفها من قبل، وكان المتبع من قبل ظهور كتابات فوق هذه المساحة.
كما ذكرت أن درابزين المنبر عبارة عن ثلاثة مستطيلات مفقود منها اثنان، والأوسط عبارة عن زخارف الطبق النجمي عشرة، والحشوات التي ذكرت أنها مفقودة كانت موجودة قبل ذلك، فلم يذكر دكتور سامي عبد الحليم فقدها، بل وصفها قبل هذا الوصف بعشر سنوات.
لماذا سرقة المنابر؟
من المعروف أن المنابر، وخاصةً المملوكية صُنعت من أجود أنواع الأخشاب، ومعظمها مطعم بالسن والعاج والأبنوس؛ ولذلك تتجه أنظار محترفي سرقة الآثار لفك حشوات هذه المنابر، وإضافتها في قطع أثاث حديثة، فتزيد من قيمتها المادية، وغالبًا ما تُباع للأثرياء من المصريين والعرب من دول الخليج.
إن وضع الآثار الإسلامية بين مسئولية الآثار والأوقاف هذا عبثٌ يجب أن ينتهي وتكون المسئولية في يد الآثار وحدها؛ حتى تتمكن من حراستها ومتابعتها، أما أن توضع مسئولية المساجد في يد مقيمي الشعائر وحدهم وغالبيتهم غير مؤهلين، فهذا أمر يجب إعادة النظر فيه حمايةً لهم ولآثارنا.

