- د. صلاح فهمي: دليل الحكومة في سلة القمامة
- فاروق العشري: محاولة تلميع لإنفاق كارثي
- خالد علي: فكرة جيدة ولكنها بلا مصداقية
تحقيق: يارا نجاتي
بدأت وزارة المالية في توزيع ما يُسمَّى بدليل "موازنة المواطن"، في إطار حملة أطلقها وزير المالية يوسف بطرس غالي، وقال: إنها مبادرة لزيادة المشاركة المجتمعية في ترتيب أولويات الإنفاق العام، سواء على مستوى الدولة أم على مستوى كل محافظة ومركز بالجمهورية.
وأضاف الوزير أن "موازنة المواطن تعتبر إحدى آليات تعزيز اللامركزية المالية، وتتيح لكل مواطن التعرُّف على المخصصات المالية الموجهة للخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والثقافة والشباب والرياضة وغيرها من الخدمات داخل محافظته، أو المركز الذي يعيش فيه، وبالتالي تسمح له باقتراح مشاريع يراها ذات أولوية في دائرة إقامته".
ومن المثير للعجب أن المجالس الشعبية كانت تُقدِّم موازناتٍ مالية خاصة بكلِّ محافظة في السابق، بنفس مبدأ اللامركزية المالية الذي أعلن عنه الوزير، ولم تكن وزارة المالية تضعها في الاعتبار خلال وضع الموازنة العامة النهائية للدولة.
فهل سيفهم المواطن ذلك الدليل؟ وهل سيجد نائبًا يتواصل معه ويُقدِّم له اقتراحاته؟ وبعد ذلك هل ستضع الحكومة اقتراحاته في الاعتبار؟
يصف رضا مصطفى (موظف بالمجلس الأعلى للآثار) الدليل بأنه مجرَّد كلام استهلاكي، ولن يكون له جدوى على المواطن البسيط، خاصةً أن المواطن المصري العادي لن يفهم منه شيئًا، مشيرًا إلى أن الإنسان العادي لن يُفكِّر في موازنة الدولة، بل فيما يرفع عن كاهله التعب والمرض والفقر الذي يشغله ليلاً ونهارًا.
وتتعجب نجوى شاهين (عاملة بمصنع حاويات) من دليل الموازنة، وتقول: "مش فاهمة حاجة، ده ملوش لازمة"، موضحةً أنها لن تستفيد مطلقًا من الحصول على أرقام ومعلومات لا تُمثِّل لها شيئًا في واقع حياتها.
وتؤكد أن توصيل اقتراحاتها للمشاريع التي تخدم مصالحها في المنطقة التي تسكن فيها أمرٌ شبه مستحيل؛ لأن النواب لا يمكن الوصول إليهم بسهولة، مشيرةً إلى أنه "إذا وصلنا إليهم فسيتجاهلون طلباتنا ويقومون بما فيه مصلحتهم".
إنفاق سلبي!
![]() |
|
المواطنون يطالبون بإصلاح أحوال الفقراء بدلاً من طباعة الدليل |
وتتساءل فوزية سالم (ربة منزل وأم لأربعة أطفال) بنبرة استغراب: "ما الفائدة من طباعة كتب لا تُقدِّم ولا تُؤخر، ولماذا لا يتم استبدال ما يعود بشكلٍ مباشر على المواطنين وتحسين أحوال معيشتهم بها، كتحسين مستوى التعليم للأطفال بدلاً من التكدس الذي تعاني منه الفصول، أو يعملون- مثلاً- على إيقاف موجات الغلاء المستمرة، وإتاحة أماكن للفقراء بالمستشفيات".
وتستنكر هدى سعيد (رئيس قسم الحسابات بشركة حكومية) إصدار ذلك الدليل للمواطنين، وقالت "كتاب فاضي ملوش لزمة"، نافيةً أن يتم الأخذ بطلبات وتصورات المواطنين لتطوير أوضاعهم، أو وضعها في اعتبار أحدٍ من المسئولين.
وتضيف أن الحكومة ستصرف أموال الدولة كما يحلو لها، كما تفعل من مدةٍ طويلة، ولن يؤثر عليها رأي المواطن المصري.
كله تمام!
وباستهزاء يقول إبراهيم السيد: "أنا كنَّاس لا أعرف القراءة أو الكتابة، ولن أفهم شيئًا من هذا الدليل، وأكيد لن يفيدني، خلي الحكومة تحسن وضعنا أحسن، وتشوف إحنا محتاجين إيه الأول، وتقدمه بدل ما يشغلوا بالهم بكتب يوزعوها على الناس".
نادية عثمان (أرملة) تحصل على معاش مبارك وهو لا يزيد عن 110 جنيهات، تفضل لو قامت الحكومة برفع مستوى معيشة المواطنين، ورفع الأجور والمعاشات، ومراقبة السلع وارتفاع أسعارها المستمر، بدلاً من إصدار الدليل، وتشبهه بالأحاديث التليفزيونية الفارغة التي يدلي بها الوزراء على الفضائيات، يدَّعون خلالها أن (كله تمام).
وتنفي تقديم نواب مجلس الشعب المساعدة للأهالي، أو الحديث معهم للتعرف على احتياجاتهم، قائلةً إنها ذهبت مرة لنائبها الذي دار على المواطنين أيام الانتخابات وطلب منهم إعطاءه أصواتهم في مقابل خدمتهم، وعندما احتاجت الحصول على قرارٍ للعلاج على نفقة الدولة، قام النائب بطردها وأمر رجاله بضربها.
تسالي سوداء!
ويشير أحمد عبد الرحمن (صاحب شركة خاصة) إلى أن المطابع التي ستقوم بطباعة الدليل، هي المستفيد الوحيد من مثل تلك النشرات التي لا تفيد الشعب أبدًا، مؤكدةً أن الحكومة لن تقوم بتعديل خططها ومشروعاتها وفقًا لرغبات ومصالح الشعب.
ويقول: إن الحكومة لا تعطي المواطن أيًّا من حقوقه الطبيعية في كلِّ المجالات سواء في الأجور أو التعليم أو البيع والشراء أو العلاج والصحة، وأن ذلك الدليل نوعٌ من الرفاهية، مضيفًا "لما يعطونا حقنا في الحياة الكريمة، يبقى يوزعوا علينا الموازنة العامة".
أما إيمان محمد (ربة منزل) فما أن رأت دليل المواطن للموازنة العامة حتى بادرتنا بالسؤال (يعني إيه الموازنة العامة أصلاً؟)، وأضافت "أكيد كتاب صغير مش هيفدني، ولا هفيد أولادي، والحكومة ونواب مجلس الشعب لا يقدمون شيئًا للمواطنين البسطاء".
دليل متسرع
ويوضح الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، أن فكرة تقديم الموازنة العامة للدولة للمواطنين في صورة دليل مبسط فكرة مفيدة لمَن يهمه معرفتها، غير أن أغلب الشعب المصري لن يهتم بقراءته، واصفًا لغة الدليل بأنها لغة عالية جدًّا لن يفهمها المواطن البسيط، حتى إن أكثرهم لا يعلمون معنى كلمة (الموازنة العامة).
ويقول عندما اشتريتُ جريدة (الأهرام) التي تُوزِّع الدليلَ كملحقٍ مجاني، وجدتُ مئات من المواطنين قد ألقوا بالدليل في أقرب حاوية قمامة، مؤكدًا أن 10 أو 15%، وهي نسبة الذين سيطلعون عليه من النخب والمثقفين، أما آثاره على المواطن العادي فستكون معدومةً؛ لأن المواطن المصري نتيجةً لتدني مستواه الاقتصادي لا يبحث إلا عن رزقه.
ويضيف: "مصر ليست كالبلاد المتقدمة التي تُقدِّم ذلك النوع من الحملات الإعلامية، وتوزيع دليل به أرقام وجداول به نتيجة مرتفعة، فنسبة الأمية تصل إلى 35% من المصريين"، مؤكدًا أن ذلك الدليل خرج بقرارٍ متسرعٍ ولم تتم دراسته قبل تطبيقه، كما لم ينظر إلى طبيعة الشعب المصري واحتياجاته الرئيسية، مستنكرًا التكاليف الباهظة التي تكلفتها ذلك الدليل والحملة الإعلانية له مقارنةً بالعائد المتدني منه.
ويؤكد أن الأولى بوزارة المالية الاستعانة بالنخبة المثقفة والصفوة المتواجدة في الشارع وسط المواطنين وتحتك بهم، حتى يعبِّروا عن رغبات المواطنين بالتماشي مع مكانتهم وخبراتهم الاقتصادية والاجتماعية، وليس مَن يجلسون على مكاتبهم، ولا ينزلون الشارع كتصريح وزير التنمية الاقتصادية من قَبل أن 400 جنيه مبلغ كافٍ كمتوسطٍ للأجور.
ويقول: إن تصريح وزير المالية الدكتور بطرس غالي بأن المواطن سيقدم اقتراحاته وسيكون هناك نوع من اللامركزية في إدارة موارد الدولة نوعٌ من الكذب على المواطنين، فكل سياسات الوزارة تجري وفقًا لرغبات وأوامر بطرس غالي.
محاولة إلهاء
![]() |
|
فاروق العشري |
ويشير إلى أن مخطط وزارة المالية يستهدف إخفاء الفساد الذي يتم الكشف عنه يوميًّا من أصغر موظفي الدولة إلى أعلى المناصب فيها وصولاً للوزراء، بجانب التغطية على الإسراف الكبير في النفقات الحكومة، وتضخم الدين العام، واستيلاء وزارة المالية على أموال صناديق التأمينات والمعاشات البالغة 365 مليار جنيه مِن حقوق أصحاب المعاشات.
ويرى أن توزيع الدليل على المواطنين هو محاولة تمهيدية للإجراءات التي ستتخذها الحكومة مستقبلاً، وهي مزيد من رفع أسعار الطاقة، وأسعار الخدمات التي تقدمها الحكومة، ورفع الدعم عن السلع التموينية، قائلاً: إن الأمرَ قد يصل بالحكومة إلى تخفيض سعر الجنيه المصري كما قامت من قبل في مارس 2003م، بتعويم الجنيه؛ ليصبح سعر صرفه أمام الدولار من 3.75 جنيهات إلى 6.25 في خطوةٍ واحدة مباشرة.
بلا مصداقية
خالد علي
ويرى خالد علي رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن توزيع الموازنة العامة على المواطنين من حيث الفكرة جيدة، لكن الأهم هو مدى المصداقية فيها، وأن تتناسب طريقة عرضها ومضمونها مع طبيعة المواطنين المصريين ومدى ثقافتهم وحتى أميتهم.

ويؤكد أن ذلك الدليل سيؤتي ثماره من تحديد قنواتٍ بعينها تتاح للجميع لتقديم اقتراحاتهم ورؤاهم المختلفة حول احتياجاتهم في مناطق سكنهم، مطالبًا بأن يتضمن الدليل آلياتٍ للمحاسبة، والتأكد من مدى التزام الدولة بتطبيق وتنفيذ ما جاء فيه.

