لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني فكرة رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب"، التي تطرح سؤالاً مُهمًّا حول مدى مسئولية أصحاب الأفكار عن تصرفات مَن اعتنقوا هذه الأفكار؟ وكيف أن المجتمعات قد تتعاطف مع اللصوص الصغار، ولكنه ينزل بهم العقاب، أما محرضوهم الكبار فلا يطالهم العقاب.
قفزت هذه الصورة الأدبية إلى ذهني وأنا أرى الجميع يحتفي- وهو محق- بإلقاء القبض مؤخرًا على "الجاسوس الصغير" طارق عبد الرازق حسين، المتهم بالتخابر لصالح الكيان الصهيوني، بينما يلح سؤال.. مَن يحاسب من روَّج للتطبيع مع هذا الكيان الذي يعرف- بكونه- عدونا التاريخي؟!.
مَن يحاسب مَن أعلن أن إيران هي عدونا الأول؟!.
مَن يحاسب مَن قال: إن الإخوان المسلمين خطرٌ على الأمن القومي المصري؟!.
مَن يحاسب من قال: إن الوحدة العربية وهمٌ يجب أن نتخلى عنه؟!.
مَن يحاسب مَن قال: إن السلام مع العدو الصهيوني خيار إستراتيجي وحيد؟!.
مَن يحاسب مَن أسهم في حصار غزة.. بل رحَّب وروَّج لضربها مِن المحتل الصهيوني، فأصدرت خارجية الكيان الغاصب قائمة شرف بأسماء الكُتَّاب العرب الذين رحَّبوا بحربه على القطاع المحاصر منذ نحو 4 سنوات، والتي أودت بحياة 1450 فلسطينيًّا، وأسفرت عن إصابة 5400 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال؟!.
مَن يحاسب مَن جعل طارق عاطلاً.. فقيرًا.. يبحث عن عمل حتى ولو مع مخابرات العدو "الموساد"؟!.
مَن يُحَاسِب مَن منع طارق من حقِّه المشروع في الإسهام في بناء الغد الذي يحقق فيه آماله.. إما بمنعه من المشاركة المجتمعية ابتداءً، أو تيئيسه إذا شارك عبر تزوير إرادته؟.
مَن يحاسب طارق بعد أن أصبحت تل أبيب تتدفأ بالغاز الطبيعي المصري، بينما المواطن المصري يُقتَل من أجل أسطوانة غاز؟!.
مَن يحاسب طارق، وكبار مسئولينا تتصدر صور استقبالهم نظراءهم الصهاينة نشرات الأخبار؟!.
مَن يحاسب طارق وإيصال المساعدات لغزة المحاصرة.. جريمة تعاقب عليها سلطتنا كلَّ مَن يحاول؟!
مَن يحاسب طارق بعد أن رأى نشطاء غربيين يُسْحَلُون في القاهرة والعريش؛ لمنعهم من الوصول إلى غزة؟!.
مَن يحاسب طارق بعد أن أصبحت الجزائر عدوًا؛ لأننا خسرنا أمامها مباراة كرة قدم؟!.
وأصبحت قطر عدوًا؛ لأنها امتلكت فضائية فشلنا في أن نجاريها؟!
وأصبحت حركة المقاومة الفلسطينية غير مرحب بها أو بمَن يدعمها؛ لأنها إسلامية المرجعية.
وأصبحت سوريا دولةً غريبةً بعد أن كانت شقيقة.. بل وشريك وحدة؟!
مَن يحاسب طارق ومصر على الحياد في قضية انفصال الجنوب في السودان؟!
أيها السادة.. إذا أردتم محاسبة اللص.. معذرة.. أعني طارق.. (وهو يستحق).. فحاسبوا أولاً مَن مهَّد ليخرج من بيننا.. (طارق).