رُوي عن الإمام البنا- رحمه الله- أنه زار أحد علماء الأزهر المتحاملين على الإخوان أثناء مرضه، موضحًا له أن زيارة المريض حقٌّ للمسلم على المسلم، فضلاً عن كونه من علماء الأزهر الذين تجلهم الجماعة لمكانتهم العلمية والشرعية، وتقديرها البالغ للمؤسسة الأزهرية العريقة، دار حوار راقٍ ودافئ انتهى بوعد من الشيخ الأزهري بعدم الهجوم على الجماعة، مع بقاء النصح كحق إسلامي متبادل.

 

طافت بذاكرتي هذه الحادثة وأنا أقرأ ردود بعض رموز "الإخوان" وشبابها على آراء عدد من كبار المفكرين والباحثين "غير الحكوميين ولا التابعين" في المجال السياسي والمجتمعي، ورؤيتهم عن الجماعة "على مستوى الأفكار والممارسات"، والتي يبدو أنها ما زالت تحتاج إلى قدر كبير من وضوح الرؤية واستكمال المعلومات لدى الطرفين، الكُتَّاب والذين ردوا عليهم.

 

نحن لا نريد أن نتحول عن المعركة الحقيقية "معركة البناء والإصلاح والتغيير" إلى معارك جانبية تستهلك الطاقات وتهدر الأوقات والأفكار، نحن لا نريد فتح جبهات متعددة بلا طائل ولا هدف،  نحن بحاجة إلى ممارسات أكثر رقيًّا من الطرفين أو أحدهما، وبالأخص الجماعة بتاريخها ورصيدها الكبير والمشرف، أتصور أن يكون التواصل المباشر هاتفيًا أو بالبريد الإلكتروني أو الزيارة ما أمكن، تتلاقى فيها العقول والأرواح قبل الأجساد، نتبادل الأفكار ونتفهم المواقف والخلفيات، نوضِّح للآخرين؛ خاصةً النخبة قادة التغيير.. من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف ومتى؟ ونسمع منهم، نقدِّر أفكارهم، ونتفهم مواقفهم، ونتوافق على المساحات المشتركة، وهي كثيرة.

 

"لي تجارب متعددة في هذا الشأن، منحتني العديد من الصداقات المميزة التي أعتز بها"، ليس من المعقول أن يكون أصحاب الأفكار والعقول الراجحة أقل تعاونًا وتفاهمًا من أصحاب الاحتياجات الفئوية المحدودة، فيصل أصحاب الاحتياجات للوفاق ويتنازع أصحاب الأفكار لدرجة الشقاق، نحن بحاجة للتحرر من حالة التربص والاحتقان المتبادل، هذا يقول ويصرِّح، وهذا يقوم بالرد الذي يصل لدرجة "القصف"، هذا النمط من التعامل الخشن لا يصب إلا في مربع نظم الاستبداد والفساد بالمزيد من تأزيم الثقة، تارة بين الأحزاب وأخرى بين النخب والمفكرين، وأخيرًا بين عموم المصريين، نحن بحاجة إلى تغيير بعض مفردات ولغة الخطاب؛ لتكون الكلمات الدافئة مكان العلاقات المتجمدة، والعبارات الهادئة مكان الصاخبة والمستفزة.

 

أتصور ألا نضع جميع المخالفين لنا في مربع واحد، وأن نقف ولو قليلاً عند قول الحق سبحانه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾ (الفرقان)، فما بالنا إذا خاطبنا العقلاء الراشدون قادة الفكر وصناع الرأي وأمل مصر في التغيير المنشود؟!.