- مياه الشرب مختلطة بالديدان والصدأ والمجاري
- سيارات المياه تأتي كل 10 أيام الساعة 2 ليلاً
- كسر ماسورة المياه الرئيسية بالمرج منذ 4 أشهر
- عبد المولى إسماعيل: تلوث المياه مخالفة دولية
تحقيق: إيمان إسماعيل والزهراء عامر
كوب مياه غير مختلطة بمياه المجاري.. بات هو الحلم للملايين في مصر النيل، التي يؤكد تقرير مجلسها القومي لحقوق الإنسان أن الاعتماد على مياه الصرف في شرب نحو 76% من سكان القرى، تسبب في تفشي أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الوبائي، والإسهال الفيروسي والدوسنتاريا؛ ما جعل نسبة 25% من مرضى المستشفيات، ترجع أمراضهم إلى تلوث المياه!.
فيما كشفت دراسة للدكتور جاد المولى عبد العزيز أستاذ الفسيولوجي بكلية طب جامعة المنصورة، عن تسبب مياه الشرب الملوَّثة في وفاة 90 ألف مواطن سنويًّا من بينهم 17 ألف طفل، فضلاً عن ظهور 100 حالة سرطان، بالإضافة إلى 35 ألف حالة فشل كلوي كلفت الدولة ما يقرب من 500 مليون جنيه سنويًّا، وأكثر من مائة ألف حالة كبد وبائي.
وتنتقد التقارير طريقة معالجة الحكومة المصرية المياه في مصر، والاعتماد على الكلور في تعقيم المياه بنسب عالية؛ ما يصيب المواطنين بالفشل الكلوي وتليف الكبد والسرطان وغيرها من الأمراض المستعصية.
وتوضح دراسة لمركز "ماعت" للدراسات الحقوقية والدستورية أن تلوث مياه الشرب وتهالك محطات المياه وانتهاء عمرها الافتراضي يتزايد يومًا تلو الآخر في مصر؛ ما دفع (إخوان أون لاين) إلى الانتقال إلى أرض الحدث؛ لكشف واقع بعض المناطق التي تعتمد في شربها على مياه الصرف، قبل عرض الأمر على المختصين لمعرفة رأيهم وسبل الحل.
الصنابير إجازة!
ماسورة الشرب الرئيسية بالمرج انفجرت منذ 4 شهور وماؤها ما زال يهدر في ترعة صرف صحي

ما إن وطأت أقدامنا منطقة "زين الفرقان" بـ"كرداسة" في محافظة 6 أكتوبر، حتى رأينا علامات المرض والجفاف تخيم على كل الوجوه في المنطقة، ووجدنا أن الجراكن والفنطاس هي العامل المشترك بكل المنازل؛ حيث لم يعد الصنبور هو المصدر الرئيسي للمياه هناك.
وتقسم ترعة صغيرة أو "رشاح "- كما يسميها الأهالي- القرية الصغيرة إلى شطرين، فيما تتولى جذوع النخل مهمة وصل طرفي القرية ومرور الأهالي بين الجانبين.
ومن "الرشاح" تنبعث رائحة كريهة لما يلقى فيه من مخلفات الصرف الصحي، ورغم ذلك تنتشر على ضفتيه عدد من النساء والفتيات لغسل أوانيهن من مياهه المخلوطة بالمجاري!؛ حيث إن الماء لا يصل إلى كثير من البيوت.
50 عامًا بدون مياه!
وتقول أم محمد "بائعة فاكهة": إن دخول مياه الشرب إلى القرية، بعد حرمان دام لأكثر من 50 عامًا هو حلمهم الأول والأخير؛ نظرًا لمعاناتهم اليومية من ندرة المياه، وما هو موجود غير صالح بالمرة للاستخدام، إلا أنهم يضطرون لاستخدامه على الرغم من رائحته الكريهة، لعدم وجود غيره!.
وأضافت السيدة محاسن قائلةً: إن هناك سيارة مياه حكومية تأتي إليهم نحو 3 مرات شهريًّا محملة بمياه شرب، إلا أن المشكلة تكمن في أنها تأتي في نحو الثانية فجرًا، حتى يكونوا مستغرقين في النوم وقبل أن يهرولوا إلى الخارج تكون قد رحلت دون الحصول على أي قطرة مياه، ما يضطرهم لشراء "جراكن" المياه أو الشرب من المياه الصفراء التي يستخرجونها من الطلمبات على الرغم من طعمها السيئ.
مياه صفراء!
حتى الطلمبات رفضت الضخ بسبب الملوحة الشديدة
وتوضح أم عبد الله أنهم يلجئون إلى استخدام مياه الطلمبات الجوفية؛ لقضاء لوازم منزلهم من غسيل الصحون وتنظيف المنزل وهي- طبعًا- غير نظيفة ومخلوطة بالصدأ، ولونها يميل إلى الصفار، فضلاً عن الرائحة الكريهة التي تنبعث منها، مضيفةً: وعندما تتأخر سيارات المياه ويفنى مخزون المياه لدينا، نضطر للشرب من المياه الصفراء ذات الرائحة الكريهة، فلا نملك أي حلٍّ آخر.

معاناة الأطفال
وتستطرد أم إيمان "35 سنة" فتقول: "عندما تأتي سيارة المياه نصحي أولادنا من النوم في عز برد الشتاء، ليحملوا الجراكن معنا حتى نستطيع تخزين أكبر كمية من المياه؛ لأنها سيارة واحدة فقط التي تأتي إلى قريتنا التي يقطن فيها المئات!!".
وتتابع: في أوقات آمر ابنتي بألا تنام وأجبرها على الجلوس خارج البيت، لتوقظنا بمجرد سماع صوت محركات السيارة، على الرغم من صغر سنها فهي ما زالت في الصف الرابع الابتدائي، وقد سقطت عليها المياه أثناء ملء الجراكن ما أصابها بنزلة برد شديدة.
خائفة أشرب!
ترعة الصرف الصحي مصدر المياه الوحيد لري الأراضي
وحين وجهنا الحديث إلى إيمان قالت: "أنا بنزل مع أمي وعمامي كل مرة بتيجي فيها العربيات، لأساعدهم وأحمل معهم، مثل باقي أطفال القرية، ونرى بخوف خناقات الناس مع بعضها، وساعات أهالي من غير سكان القرية يأخذون من مياه قريتنا، وحين نعجز عن ملء "جراكننا" نظل طول الأسبوع خائفين أن نشرب إلا في آخر اليوم حتى لا تنضب المياه قبل ما مرور عشرة الأيام.

إيثار
وعلى الرغم من معاناة الناس في الحصول على مياه الشرب وشجارهم مع أغراب القرية، فإن معاني الإخاء والإيثار التي قلما توجد في أي مكان ظهرت بشكل كبير بين أبناء هؤلاء القرية، فكل جار لديه فائض في مياه الشرب يقتسم مع جاره ليقضي كل منهم حاجته؛ وفي انتظار فرج قدوم سيارة المياه الحكومية.
وتقول أم محمد "40 عامًا": "إحنا بنساعد بعض والمليان بيكب على الفاضي علشان الأزمة اللي إحنا فيها، والنهاردة اللي عنده زيادة في المياه بكرة بيحتاج جاره، ولو خلصت الميه من الكل بنروح لكفر غطاطي لملء المياه من أقاربنا".
مياه شرب وصرف!
الأهالي ما زالوا يستخدمون وسائل من العصور الوسطى لتخزين المياه
وتضيف أم ياسر "60 عامًا " صاحبة "محل بقالة ": كل المياه التي نحصل عليها من الطلمبات شديدة الملوحة، لذلك كثيرًا ما تجف"، واكتشفنا في أوقات كثيرة أن المياه التي تأتي بها السيارات في خزان أبيض مليئة بالديدان، أو مختلطة بمياه من الترعة التي يتم صرف المجاري بها!!.

الجانب الآخر
عبرنا فوق ألواح جريد النخل فوق ترعة الصرف الصحي، متوجهين إلى البر الثاني، فقابلنا مجدي عبد النبي "مقاول" الذي قال: إن المياه الجوفية الخارجة من الأرض تختلف حسب إمكانيات كل فرد، فالفقراء لا يستطيعون حفر طلمبة أكثر من 6 متر تحت الأرض، وبالتالي لا تكون درجة نقائها كبيرة، بل تميل إلى اللون الأصفر لاختلاطها بمياه الصرف الصحي، أما ميسورو الحال يقومون بحفر طلمبة على بعد 30 مترًا؛ لأنها تتكلف 2000 أو 3000 جنيه!!.
وأحضرت لنا منى عبده عينةً من المياه التي تشرب منها أحيانًا في حال عدم وجود مياه شرب نقية في كوب زجاجي، ففوجئنا باصفرار لونها بشكل بالغ وواضح، وامتلائها بالرواسب، وقالت في حسرة شديدة "المياه بهذا الشكل لونها جيد فعندما تركن لفترة فإن لونها يميل إلى السواد، ولكن ما باليد حيلة، ونحن لا نمتلك المال اللازم لدق طلمبة على بعد30 مترًا، لأنها تتكلف 2000 جنيه وأكثر، وزوجي صنايعي لا يمتلك الكثير من المال".
رحلة عذاب
خراطيم بالية لتوصيل المياه للأهالي

رحلة البحث عن قطرة مياه نظيفة بكفر غطاطي التابع لكرداسة، لا تختلف كثيرًا عن مثيلتها في "زين الفرقان"؛ حيث تجرع أهله كئوس الحرمان لسنوات طويلة من عدم وجود مياه شرب نقية صالحة للاستخدام، وأصيب معظمهم بأمراض كثيرة إثر تناولهم مياه جوفية ملوَّثة، ولم يعرفوا طعم مياه الشرب إلا منذ ثلاثة أشهر فقط عندما أدخلت مواسير الشرب، ومع هذا فإنهم الآن يعانون من انقطاع المياه بشكل مستمر، بسبب أعمال الحفر المستمرة لإدخال مواسير الصرف الصحي!!.
وفي مدخل كفر غطاطي تحدثنا مع سيدة تبيع "سندوتشات" فول، فقالت: "مكثنا سنين وسنين نعاني من قلة مياه شرب، ولم يراعنا أحد، والمياه لم تدخل إلينا سوى من شهرين فقط بعد معاناة دامت سنين، وتتابع: لكن الحلو لا يكتمل، فالمياه دخلت البلد ولكنها قاطعة طوال الوقت؛ بسبب إصلاح مواسير الصرف الصحي، وكنا صابرين حتى يدخل الصرف القرية".
خير الله
انتقلت رحلتنا إلى عزبة "خير الله" في محافظة حلوان، وبعد عناء شديد وصلنا إلى منطقة "خضرة الشريفة" الواقعة على حافة "عين الصيرة" فوق الجبل، فقالت لنا السيدة سعاد إنها تخرج كل يوم هي وزوجة والدها بـ"الجرادل" و"الجراكن" لتملئها من أحد الصنابير بالشارع، لتكفيهم طول اليوم، وتضيف أنها قامت بإنشاء ماسورة صرف صحي؛ لتصب في العين مباشرة، موضحة أن أجرة صاحب عربات الكسح أصبحت 100 جنيه.
وقاطع حديثها جارها كمال سامح فقال: إن الحكومة لم تقدم أية خدمات لسكان المنطقة، على الرغم من ذلك، وقاموا بإدخال كل الخدمات بالمجهود الذاتي؛ حيث قاموا بشراء خرطوم كبير وقاموا بتوصيله بصنبور يمتلكه أحد جيرانه، ليملأ من خلاله الماء المحتاج إليه، لأنه لا يستطيع أن يحمل جراكن المياه بسبب مرضه.
وبمنطقة "الرفاعي" بحي المرج بالقاهرة، كسرت منذ 4 أشهر ماسورة (مقاس 1000)، وهي ماسورة المياه الرئيسية لدى الأهالي هناك، وإلى الآن لم يتم إصلاحها، وكل كميات المياه تلك مهدرة، وتصب في ترعة للصرف الصحي!!.
وقال لنا أحد الموظفين بالشركة القابضة لمياه الشرب الذي كان جالسًا على حافة تلك الترعة: إن أدوات تصليح ذلك الكسر موجودة بأكملها، ومتوافر لديهم كل الأدوات اللازمة، إلا أنهم إلى الآن لم تأت لهم التعليمات بإصلاح الماسورة، ولا يعرفون متى سيبدأون؟ ومتى سينتهون؟!.
مخالفة دولية
الأهالي يغسلون بالمياه المخزنة
من جانبه يوضح عبد المولى إسماعيل منسق اللجنة المصرية للحق في المياه، أن ظاهرة ندرة المياه أو تلوثها أصبحت ظاهرة خطيرة جدًّا تهدد المجتمع المصري، نتيجة سياسات المياه السيئة في مصر، بعد إنشاء الشركة القابضة لمياه الشرب، وإحلالها مكان الهيئة العامة، ليتم بواسطتها رفع التسعيرة الخاصة بسعر المتر المكعب قبل التفكير في تحسين الخدمة وتوفيرها.

ويلفت إلى أن هناك العديد من قرى مدينة إمبابة ومحافظة 6 أكتوبر تعاني من مشكلات ضخمة؛ بسبب عدم وصول المياه إليها، مثل قرية الرهاوي بإمبابة وغيرها، وفي نفس الوقت هناك قرى يصل إليها مياه ولكن لا تصلح للاستخدام الآدمي: مثل مياه قرية وردان التي أثبتت تحاليل أجرتها اللجنة أن نسبة معدن الحديد الموجودة في المياه مرتفعة عن الحد المسموح به وهو 0.3 مليجرام لكل ليتر، كما أنها ملوثة ببكتيريا المجموعة القولونية التي تؤدِّى إلى أمراض معوية والتهابات فى القولون.
ويكشف عن انتهاكات عديدة على صعيد الحقوق الصحية والبيئة في مصر، بعد أن هبطت حصة الفرد إلى 850 مترًا في السنة بما يقل عن خط الفقر المائي الذي يبلغ 1000متر مكعب في السنة، فيما تبلغ احتياجات الفرد من الماء وفقًا لخطط التنمية 1800متر مكعب من الماء سنويًّا، وبذلك تنتهك مصر جميع مواثيق حقوق الإنسان الدولية الموقِّعة عليها.
ويبين أن المواثيق الدولية تنص على ضرورة كفاية الفرد من المياه كي يؤدي بها جميع أغراضه، بالإضافة إلى أن تكون المياه نقية وصالحة للاستخدام في أغراض الشرب والأغراض المختلفة، وخالية من الميكروبات والفطريات والمواد الكيميائية والفيزيائية والإشعاعية التي تشكل تهديدًا على صحة الإنسان، فضلا عن سهولة وصولها إلى كل إنسان.