- الصرف الصحي يواصل هدم عزب المقطم

- الحكومة تعوِّض أسرة القتيل بخمسين جنيهًا!

- الأهالي بين الموت سحقًا أو الحياة بمنفى!

 

تحقيق: تسنيم نصر

الدويقة ومنشأة ناصر، اسمان لقنابل بيئية وسكانية غير موقوتة، فالمنطقتان ليس لهما مكان في خرائط الحكومة، ولا يعرفها المسئولون إلا حين تقع بهما كارثة فتأتي الجرافات في صحبة الكاميرات؛ لتهدم بضعة بيوت وتستبدل بها منازل أخرى في مناطق "منفية"، كما يصفها الأهالي.

 

وإذا مات بعض الأهالي فلا تبعات على الحكومة سوى في بضعة مئات من الجنيهات، تتكلفها من خزانة الدولة، وتلقيها بامتنان لساكني أو موتى العشش و"علب الصفيح" وحجيرات الطوب اللبني.

 

(إخوان أون لاين) تجوَّل في عزبتي "الزبالين" و"بخيت"؛ حيث تتلاصق المنازل فوق وتحت صخور جبل المقطم التي يتوالى انهيارها على رءوس الأهالي، والسبب الوحيد الذي تذكره حكومتنا "المؤمنة" وهو القضاء و القدر!.

 

الأحياء الأموات

 الصورة غير متاحة

 بقايا منازل أزالها الحي بعد وقوع الكارثة

ولأن "باب النجار مخلع" فصحبتك في عزبة "الزبالين" ستكون القمامة التي تملأ طرقات العزبة وأزقتها ورائحتها تزكم الأنوف، وترى حيوانات لا تستطيع التعرف على ماهيتها من كثرة ما تتغذى عليه من قمامة.

 

أما الأهالي فيخافون أن تصور حالهم، ويمنعون كلَّ مَن يقترب إلا بإذنٍ من "الأب" القس سمعان، وينفون بصورة دامغة كلَّ ما يقال من خطرٍ محدقٍ بهم، وأنهم إذا تكلموا وأفصحوا عما يعانونه فسيصابون بلعنة.

 

الأطفال غير مَن تعرفهم وهم منفيون تمامًا عن العالم الخارجي ولم يكتشف عقلهم الصغير سوى القمامة التي تحملها العربات الخاصة بجمعها إلى منطقتهم.. والجبل يبدو عليه التآكل نتيجة لمواسير مياه الصرف الصحي التي تجري من خلاله وتقوم بصرف محتوياتها على سطحه؛ بحجة أنها ستقوم بتشجير جانب الجبل عن طريق ريِّها بتلك المياه، محدثةً تشققات وتصدعات، تُنذر بكارثةٍ قريبة، إن لم تتحرك الحكومة؛ لتقوم بواجبها تجاههم؛ فتوقف تلك الكارثة البيئية التي تهددهم بالموت تحت الصخور مرةً أخرى.

 

مأساة يومية

 الصورة غير متاحة

منازل فوق الجبل على وشك الانهيار عقب أي هزة أرضية طفيفة

تروي الحاجة "عطيات فؤاد" من ساكني العزبة فصول مأساتها، التي بدأت منذ عشر سنوات تقريبًا؛ بانهيار المنزل الذي جمعت كلَّ مدخرات أسرتها لبنائه، لتأتي صخرة وتقوم بتسويته تمامًا، ولكن من رحمة الله بنا، لم يكن به أحد ساعتها، فلم تقع خسائر في الأرواح.

 

وتضيف: مأساتنا لا تزال مستمرةً حتى الآن، فهي وأسرتها المكونة من خمسة أبناء بينهم ثلاثة متزوجين وأربعة أحفاد يقطنون بـ"عشة" من طابقين مصنوعة من الحديد الصدئ المتآكل، وليس لها سلم سوى بضع درجات متهالكة، وهي وأسرتها يتدفئون بإشعال الأوراق، حتى لا يموتوا من شدة البرد ليلاً.

 

وتكمل أنها ظلَّت تلاحق الحي؛ حتى تحصل على أي تعويض فلم تجد مجيبًا، حتى أعياها البحث، لتقوم برفع قضية، والوضع لم يتغير منذ سبع سنين.

 

بخيت!

 الصورة غير متاحة

بقايا منزل متهدم

والحال بعزبة "بخيت" ليس أفضل، فآثار البيوت والعشش التي انهارت منذ عامين تقريبًا نتيجة انهيار كتل صخرية ضخمة، ما زالت قابعةً بمكانها؛ لتشهد على مَن دُفِنوا تحتها أحياءً، فقط هناك صفان من المنازل قد أزيلا؛ تحسبًا لوقوع كارثة في المستقبل؛ لتفسح مسافة لا تزيد عن بضعة أمتار بين الجبل الذي ينهار والمنازل التي كانت لصيقةً به.

 

وهي الآن تجاوره في انتظار كارثة جديدة كما أجمع الأهالي، حتى تأتي الجهات المعنية لتزيل بعض الأنقاض، وربما تقوم بإزالة صفين آخرين، لتترك الأهالي مشرَّدين لا حول لهم ولا قوة، وعندما ترتفع ببصرك إلى الجبل ترى كتلاً صخريةً تكاد تسقط، وهي تنتظر هزةً أرضيةً بسيطةً "زلزال" ربما لنجد أمامنا فصلاً متكررًا من تلك الكارثة الإنسانية.

 

قتيلان بمائة جنيه

والتقطت عدستنا بقايا المنازل المتهدمة منذ عامين تقريبًا، فالحي أزال "بعض" الأنقاض وترك الكثير منها محاطًا بسورٍ لا يُسمح بتجاوزه؛ لتُذكِّر مَن بقي على قيد الحياة بفلذات الأكباد والأقارب الذين قضوا نحبهم تحت الصخور المتساقطة.

 

ويقول أشرف عبد الله: الحادثة قتلت العديد من أبناء العزبة بينهم عروسان تزوجا قبل الحادث بأسبوعين تقريبًا، لتعوِّض الحكومة والده عم "سيد سلالم" بمائة جنيه، وشقتين لا تزيد مساحة كل واحدة منهما عن 30 مترًا!.

 

 الصورة غير متاحة

الأسرة تفترش العراء، والأطفال لا يعرفون منزلاً سوى القمامة

ويضيف: "الحارة" التي أعيش بها صدر لها قرار بالإزالة، وقام الحي بصرف مساكن أخرى لنا في مناطق "منفية"، ما اضطرني إلى مواصلة السكن في منزل أخي لأني أعمل في مطعم هنا بالعزبة، ولو انتقلت إلى منزلي الجديد بمدينة السلام، فلن يكفي الراتب المواصلات فقط، ويتابع: "آه خايف على ولادي بس الأعمار بيدي الله، وكمان هنعمل إيه هنموت من الجوع".

 

وتروي الحاجة أم سيد ما يعانوه من رعب يومي، فمنزلهم يقع ملاصقًا للجبل، في انتظار أي انهيار طفيف ليسوَّى بهم الأرض، وبالرغم من مجيء لجان تابعة للحي إلى المنطقة ومعاينتها لمنزلهم ومعرفتها بما ينتظرونه فإنهم لا يكترثون لهم ولا بما ينتظرهم من كارثةٍ محققة.

 

وتضيف أن هناك كثيرين مثلها بعضهم قام بالسكن في خيام بالعراء؛ خوفًا على أنفسهم، وتقول متساءلة "لكن إحنا هنروح فين، وهنعيش إزاي، وإمتى هيسألوا فينا؟!".

 

ملاحقات أمنية

 الصورة غير متاحة

الحي ترك مياه الصرف الصحي بحجة تشجير الجبل، والمياه تسببت بتصدعات تنبئ بوقوع كارثة وشيكة

ويوضح محمد عادل زكي "رئيس المركز المصري للحقِّ في السكن" إن أقصى ما تستطيعه المراكز الحقوقية المدنية القيام به تقديم شكوى للجهات الرسمية بالمحافظة، فإن لم تستجب، يقوموا بتقديم بلاغٍ إلى النائب العام، فإن لم يحدث أية ردة فعل إيجابية يكون الباب الوحيد الذي يستطيعون أن يسلكوه هو رفع دعوى قضائية، والقيام بحملات توعية لساكني تلك المناطق، ودعمهم للمطالبة بحقوقهم.

 

ويضيف: ولكن هناك صورة مغلوطة يعتقدها معظم الناس؛ فهم يظنون أننا يمكن أن نقوم بكلِّ الإجراءات والحصول على تعويضات باسم الأهالي، وهذا غير صحيح تمامًا، فنحن- على سبيل المثال- إن قمنا بمطالبة الناس وحثهم على الثورة من أجل الحصول على حقهم المشروع، فستقوم الجهات الأمنية بإغلاق المركز وكلِّ المراكز المشاركة في ذلك.

 

ويتابع: سلطتنا ضعيفة للغاية والقانون الذي ينظم عمل الهيئات والمنظمات الحقوقية المدنية- المادة 84 من الدستور المصري- وهي تحد من حرية تلك المنظمات وتجعل سلطتها واهية وضعيفة للغاية على أرض الواقع، وعليهم قبل كلِّ خطوة استشارة أمن الدولة، ثم وزارة التضامن الاجتماعي، فكيف يستطيعون أن يقوموا بدورهم وهم ملاحقون أمنيًا؟!!".

 

 الصورة غير متاحة

أسرة مكونة من ستة أفراد تسكن بعشة من حديد صدئ

ويؤكد أن ما تقوم به الحكومة من عمليات نفي لأهالي تلك المناطق في مدن وقرى بعيدة بصورة متفرقة وعشوائية هو نوعٌ من القتل الاجتماعي والثقافي لتلك المجتمعات؛ بسبب فقرها قبل أن يكون قتلاً اقتصاديًّا لهم، بعد أن أصبحوا عاطلين عن العمل لا يجدوا قوت يومهم.

 

وختم حديثه قائلاً: "السلطة التنفيذية تقوم بتهجير الفقراء والغلابة إلى مدن بعيدة تشبه المنفى، حتى تكون القاهرة وما تتبعها من مدن جديدة ومجمعات سكنية خاصة بالأغنياء فقط.