- القابضة للكهرباء: الأحمال تتضاعف والإنتاج واحد!

- الوزارة تعترف بتهالك الشبكات وتنتظر التساهيل!

- الحل بمحطات نووية وبخارية مع الصيانة الدورية

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

"انهيار الشبكة القومية للكهرباء بمصر خلال السنوات الخمس القادمة"، تصريح متكرر على ألسنة خبراء الهندسة الكهربائية؛ للتحذير من إقبال مصر على كارثة محققة قد تُدمِّر الشبكة القومية للكهرباء في مصر بشكلٍ تامٍّ، إذا ما لم تنفذ الحكومة خطةً عاجلةً تتلافى العيوب الحالية الموجودة بالشبكات والمحطات، وتعمل على توليد المزيد من الطاقة الكهربائية؛ لتغطية الضغط المتزايد على الشبكات.

 

وهو التحذير الذي تدعمه معلومات وزارة الكهرباء والتسريبات التي ترجح احتمالية انهيار البنية التحتية للكهرباء في مصر، وعلى رأسها الشبكة الأم- الشبكة القومية للكهرباء- بسبب تهالكها الشديد، وعدم قدرتها على استيعاب الزيادة المضطردة في الأحمال، مطالبين بضرورة تجديد الشبكة بشكلٍ عاجل؛ لأنها السبيل الوحيد للإفلات من تلك الكارثة المحققة.

 

ووفقًا للتقارير الرسمية فإن قطاع الكهرباء يعمل على تأمينها لنحو ‏26‏ مليون مشترك على مستوى الجمهورية، وتصل نسبة العجز في الكهرباء إلى 1600 مليار ميجاوات، وتتزايد تلك النسبة يومًا عن يوم؛ نظرًا لزيادة عدد السكان، وبالتالي زيادة الأحمال على الشبكة.

 

ويؤكد الخبراء أن وقف نزيف أزمة الكهرباء في مصر لن يتوقف إلا من خلال إنهاء تصدير الغاز للكيان الصهيوني، والالتفات إلى إصلاح كل العيوب والأعطال الموجودة بالمحطات المختلفة في مصر، وعلى رأسها محطات توليد الكهرباء بالسد العالي، والتي لن تستطيع أن توفر أكثر من 100 أو 200 مليار ميجاوات، مطالبين بضرورة إنشاء شبكات ومحطات جديدة، والتي تستغرق ‏5‏ سنوات على أقل تقدير؛ لذا أكدوا ضرورة البدء في تنفيذها من الآن، قبل أن تغرق مصر ليس في ظلامٍ جزئي، بل ظلام دامس!

 

وأوضحوا أنه على الرغم من ارتفاع تكلفة إنشاء الشبكات والمحطات، إلا أنها لن تكون أقل من حجم تكلفة الكارثة التي ستنال مصر، إذا ما انهارت الشبكة، أو حتى لجأنا إلى الاستيراد من الخارج، لافتين إلى أن تكلفة المحطات تتراوح حسب قوتها، والنوع الذي تعتمد عليه في توليد الطاقة (رياح، طاقة شمسية، مياه، نووي، غاز)، فمحطة مثل محطة سيدي كرير، تُقدَّر تكلفتها بحوالي ٤ مليارات جنيه، بينما تكلفة محطة أخرى قد تصل إلى حوالي ١٠ مليارات جنيه.

 

من ناحيةٍ أخرى، يشدد الخبراء على ضرورة لجوء الحكومة إلى التخطيط السليم وترك الفوضى والعشوائية التي تتعامل بها، خلال الفترة القادمة، حتى تخرج من ذلك المأزق؛ بحيث يكون توليد الكهرباء أعلى من الاستهلاك الأقصى، بنسبة تتراوح بين 20% و30%، ما يولد فائضًا يستغل في الأزمات ويواجه معدلات الاستهلاك المتزايدة يومًا تلو الآخر.

 

وأوضحوا أن زيادة معدلات الاستهلاك للكهرباء في مصر يستدعي وقفة، يتم من خلالها تحسين كفاءة استخدام الطاقة؛ نظرًا لاستهلاك الإضاءات وحدها 40% من الطاقة المنتجة في مصر، وهو ما يصل إلى أكثر من ضعف المعدلات العالمية!!، فضلاً عن عدم خضوع إضاءات الشوارع والمنازل في مصر لأي معايير فنية أو هندسية.

 

(إخوان أون لاين) يفتح ملف مشاكل البنية التحتية للكهرباء بمصر، مستعرضًا حلول الخبراء والمتخصصين ورؤيتهم لعلاج تلك الأزمة.

 

 الصورة غير متاحة

شبكة كهرباء الضغط العالي متهالكة

بدايةً يوضح مصدر مسئول بالشركة القابضة للكهرباء- طلب عدم ذكر اسمه- أن مصر في حاجةٍ إلى إنشاء محطات كثيرة لتوليد الكهرباء على وجه السرعة، خوفًا من سوء الأوضاع في السنوات القادمة؛ نتيجة لزيادة الأحمال على شبكات الكهرباء بشكلٍ عالٍ جدًّا مع عدم كفاية الإنتاج.

 

ويقول: قدرة الشبكة القومية للكهرباء بنهاية العام الجاري ستكون حوالي ٢٧ ألفًا و٤٠٠ ميجاوات تقريبًا وفقًا لتصريح وزير الكهرباء، وهو ما لا يتماشى مع احتياجات المواطنين الحالية، وبالتالي فإن الأوضاع في المستقبل ستكون أسوأ مع زيادة عدد المواطنين.

 

ويضيف: أن أزمة مصر في البنية التحتية للكهرباء تتمثل في انعدام التخطيط؛ حيث إنه من المفترض أن يكون هناك خطط لحظية، وخطط خمسية، وأخرى عشرية؛ لتأمين احتياج مصر من الكهرباء ليس للوقت الحالي فقط، بل مستقبلاً، مؤكدًا أن وزارة الكهرباء على علم تام بحاجة مصر إلى إنشاء محطات توليد كهرباء جديدة، بالإضافة إلى أن تكلفتها ليست مرتفعة، بل هي في مقدور إمكانات الوزارة، إلا أن الحكومة لا تبدأ في التفكير إلا وقت حدوث كوارث.

 

ويوضح أن حالة الشبكات ذات الجهد العالي في مصر جيدة جدًّا، وهي الشبكات التي تتراوح بين (500 كيلو فولت)، و(220 كيلو فولت)، و(66 كيلو فولت)، ويضيف أن التجديد، والصيانة في تلك الشبكات يحدث بشكل دوري، إلا أن عددها القليل لن ينقذ مصر من براثن الأزمة.

 

ويشير إلى أن أزمة كهرباء مصر في محطات التوليد ذات الجهد المتوسط والمنخفض، والتي هي أقل من (66 كيلو فولت) مثل الـ(11 كيلو فولت)؛ لأنها قديمة جدًّا، وقام بإنشائها الروس، والألمان، ولا يحدث بها أي صيانة دورية، مما جعلها متآكلة وغير صالحة تمامًا، وهي التي تنذر بكارثة مستقبلية نظرًا لزيادة أعداد تلك المحطات، وسوء أحوالها.

 

ويتابع: أن سوء أحوال الطقس في الفترة الماضية، كشف العوار الشديد الموجود بالبنية التحتية بشبكات الكهرباء في مصر؛ خاصةً في المناطق التي شهدت سيولاً، وحصل على أثرها حرائق جسيمة؛ مرجعًا نشوب تلك الحرائق إلى ضرورة تغطية شبكات الكهرباء الهوائية بعازل من طبقة "البورسلين"، لأن المياه والأتربة عندما تأتي على الشبكات تتسبب في فصل العزل، ومن ثم حدوث الحرائق، ذلك فضلاً عن أسلاك الكهرباء المكشوفة في المناطق المختلفة، والتي من المفترض دفنها في أعماق الأرض!

 

ويؤكد أن استخدام شبكات الربط سيحل جزءًا كبيرًا من أزمة الكهرباء الحالية؛ لأن الربط مع الشبكات الأخرى يؤدِّي إلى رفع طاقتها، ويزيد من معامل الأمان بها، مضيفًا أن الشروع في إنشاء محطات نووية لتوليد الكهرباء، سيحل جزءًا كبيرًا من الأزمة.

 

محطات بخارية!

ويبين الدكتور طارق طنطاوي أستاذ الهندسة الكهربائية بكلية الهندسة جامعة بنها، أن نضوب البترول في مصر بشكل كبير، والتقدم الصناعي الذي يعتمد على البترول ومشتقاته؛ سبب أزمة كبيرة في قطاع الكهرباء، ودفع الحكومة الصيف الماضي إلى اللجوء لسياسة تخفيف الأحمال، مؤكدًا أن تلك السياسة لن تؤتي بثمارها الصيف القادم نظرًا لزيادة الأحمال على الشبكة بشكل يومي، وهو ما يضع مصر في مأزق، لا بد أن تجهز له الحكومة بدائل قبل قدوم الصيف القادم، كاللجوء إلى المحطات البخارية.

 

 الصورة غير متاحة

انقطاع الكهرباء أصبح ظاهرة في كل محافظات مصر

ويشدد على ضرورة أن تجهز الحكومة لخطط عاجلة، وأخرى متوسطة المدى، كإنشاء 5 محطات فورًا، قد يستغرق إنشاؤها 5 سنوات، إلا أنها ستعمل على سدِّ العجز الموجود فعليًّا في قطاع الكهرباء الآن، موضحًا ضرورة طرح خطط طويلة المدى في إنشاء محطات أخرى تعمل على تجنب حدوث كوارث مستقبلية.

 

وعلى الرغم من استبعاد د. طنطاوي لاحتمالية انهيار الشبكة القومية للكهرباء في مصر؛ نظرًا لارتباطها بشبكة واحدة مع بلاد عربية عديدة، كالأردن وبالشبكة الكهربائية لأوروبا، إلا أنه يحذر من وقوع مصر في كارثة كهربائية محققة خلال الفترة القادمة؛ حيث ستنضب فيها الكهرباء بشكلٍ بالغ، إذا ما لم تلتفت لذلك الحكومة من الآن، بإعداد خطط متقنة خلال الفترة القادمة، تهدف إلى توليد أكبر كم من الكهرباء بتكاليف قليلة.

 

ويشير إلى أن انهيار شبكة الكهرباء القومية قد يحدث في حالة واحدة إذا مرت مصر، وكل الدول المشتركة معها في الشبكة بأزمة كبيرة في وقت واحد، وقتها ستكون كارثة كبرى وتنهار الشبكة فعليًّا.

 

ويطالب بلجوء مصر إلى استغلال الطاقة المتجددة وطاقة الرياح؛ والتي تعتبر غير مكلفة بالمرة، وستأتي بثمارها بشكل عاجل، خاصةً أن مصر تُعتبر من أكبر دول العالم التي تسطع بها الشمس؛ حيث تسطع الشمس لمدة 11 ساعة في مصر، وفي بعض دول الغرب لا تسطع سوى ساعتين ومع ذلك يستغلون طاقة الشمس تلك في توليد الكهرباء.

 

ويستشهد بمشروع تخرج أحد الطلاب، والذي أشرف عليه في جامعته؛ حيث بين أن كل متر مربع في الصحراء من الممكن أن يوفر 90 جنيهًا قوى كهربائية في السنة.

 

مياه وكهرباء

ويوضح المهندس محمد عبد التواب، المسئول بقطاع الكهرباء في وزارة البترول، أن الشبكة القومية للكهرباء زادت الأحمال عليها بشكل كبير جدًّا، كما أنها ساءت وبليت بشكل كبير، ولا يتم بها أي تجديد أو إصلاح، وهو ما يشكل خطورة كبيرة على مستقبل بقائها.

 

ويلفت النظر إلى مشكلة أخرى تعاني منها البنية التحتية لشبكات الكهرباء، وهي عدم وجود أي تنسيق بين مسئولي المياه والكهرباء والغاز وغيرهم؛ والذي يتضح من خلال قيام العمال بالتكسير في إحدى المناطق لإصلاح ماسورة المياه كمثال، فيقومون بتدمير كابلات الكهرباء بالأسفل، ولا يلتفتون لذلك ويردمون على ذلك الوضع، إلى أن يأتي المسئولون عن مواسير الكهرباء ليصلحوا ما يتعلق بالكهرباء، ويدمروا المواسير الأخرى، وهكذا!!

 

ويضيف قائلاً: إن هناك نظامًا جيدًا جدًّا، وغير مكلف، يمكن اتباعه للتغلب على تلك الأزمة، إلا أنه لا يتم الأخذ به في مصر، وهو متمثل في إقامة ما يسمى بـ(مرفق معلومات الكهرباء)، وهو يتوافر فيه كل المعلومات عن البنية التحتية للكهرباء، من عمق الكابلات، وقطرها، وكل البيانات التي يجب توافرها، والتي ستجنب الأضرار التي تصيب شبكات الكهرباء أثناء عمليات الحفر.

 

أما على صعيد مشكلات محولات الكهرباء في الشوارع، فيرى أن مشكلتها تكمن في عدم وجود صيانة دورية لها، وتكاسل الجهات المسئولة عنها في متابعة وإدارة عملها، وهو ما جعل المحولات مكشوفة في الشوارع، وقد تودي بحياة المارة من جانبها، فضلاً عن عطلها الذي قد يدوم لأيام متتالية، دون أن تتحرك الجهات المسئولة.

 

ويطالب بالتحرك لإنشاء المحطات النووية التي ستعمل على توليد الكثير من الكهرباء، لما ستقوم به من حلِّ جزء كبير من الأزمة التي تمر بها مصر الآن.

 

نظام المطاحن

ويشير المهندس نور عزام (مهندس بإحدى المحطات الكهربائية في بورسعيد) إلى أن من يتعامل مع قطاع الكهرباء عن قرب سيكتشف حجم الأزمة والفساد المستشري في ذلك القطاع، والذي يتسبب في كل الأزمات التي يمر بها قطاع الكهرباء، سواء على مستوى الشبكات، أو المحطات، أو إدارة كليهما.

 

 الصورة غير متاحة

شبكات الكهرباء تحتاج للتجديد بشكل سريع

ويكشف عن عدم وجود أي تجديد بالشبكة القومية للكهرباء في مصر، على الرغم من قدمها البالغ؛ موضحًا أن ذلك سبب كفيل بانهيار الشبكة في وقت قريب، مبينًا أن تجاوز تلك الأزمة يتمثل في ضرورة تجديدها وإصلاحها جزءًا جزءًا في الشبكة الممتدة من أسوان إلى بورسعيد، على أن يتم تقسيمها إلى أجزاء، كل 28 كيلو فولت يتم إصلاحه في وقت محدود، ثم يتم الانتقال إلى الجزء الذي يليه.

 

ويلفت النظر إلى أن كل الشبكات الكهربائية التي تمتلكها مصر هوائية، وهي مكلفة جدًّا؛ حيث إن تكلفة تجديد 28 كيلو فولت منها، يبلغ 500 مليون جنيه، لذا لا بد من البحث عن المزيد من الحلول الأخرى العاجلة وغير المكلفة.

 

ويرى أن اللجوء إلى محطات الهواء (صديقة البيئة)، أمر ضروري وعاجل، لا بد من اللجوء إليه، كما أن هناك نظامًا يسمى "نظام المطاحن" غير مكلف، وسيعمل على توليد الكثير من الطاقة الكهربائية؛ حيث سيوفر 100 ميجا، أي سيغطي احتياجات 3 أو 4 محافظات؛ لأن المحافظة الواحدة لا تستهلك أكثر من 30 ميجا.

 

اعتراف الوزارة!.. ربنا يسهل!

من جانبه، لم ينف الدكتور أكثم أبو العلا، وكيل أول وزارة الكهرباء والطاقة والمتحدث الإعلامي لوزارة الكهرباء، وجود عيوب وتهالك في شبكات الكهرباء سواء الشبكة الأم أو الشبكة الفرعية، وقال لـ(إخوان أون لاين): إن الوزارة على علم بكلِّ ذلك، لذا لجأت إلى طرح مناقصة عاجلة لإنشاء المحطة النووية في 30 ديسمبر القادم.

 

وتهرب أكثر من مرة على الرد على سؤالنا حول رؤية الوزارة، وخطتها العاجلة لمواكبة زيادة الأحمال مع قلة إنتاج الكهرباء؛ حيث كانت إجابته في كل مرة "ربنا يسهل"!!!

 

أما عن تعليقه على التحذيرات التي أطلقت من احتمالية انهيار الشبكة القومية للكهرباء بمصر، فلم يجبنا بالنفي أو الإثبات، واكتفى بترديد أن مناقصة المحطة النووية في نهاية الشهر الجاري، ستحل كل أزمات الكهرباء في مصر في وقتٍ عاجل!!