﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾ (التوبة).
1- من الهجرة
المهاجر حقًّا إنما هم قريش، من عادوه صلى الله عليه وسلم، وخذلوا نصرته، وتآمروا على قتله، وكذبوا ما جاء به، وما جاء به صلى الله عليه وسلم هو الحياة، والقيمة، والهداية، والقيادة على منهج الحق والرشاد، فتركهم، وتحول عنهم إلى أرض خصيبة، وعقول متفتحة، ونفوس قابلة للزكاوة، وفطر نقية، فتلقفت وحي السماء واحتضنت أهله، وكرمت حامله صلى الله عليه وسلم فكُرِّمت بتكريمه، وأُخصِبَت بعد حدب، وأينعت بعد ذبول، وضاع أريجها في كلِّ مكان، فصارت مقصد الطالبين، وتفتحت بها ولها صفحات التاريخ، وسطَّرت أسفار المجد والخلود والعزة والحضارة.. فمن إذًا قد هاجر الذين تدهدهوا في قليب بدر، واندثروا في أباطح الموت والاندثار، أم صلى الله عليه وسلم والذين هاجروا معه؟!..
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو
2- ونحن أما لنا من هجرة؟!
نعم والله!! ما أحوجنا إلى ألف هجرة وهجرة..
وباختصار شديد..
أو لسنا في حاجة إلى النظرة في عقيدتنا، وقد علقت بها أوشاب الأرض، وتهاويم الأخيلة، والفلسفات الفاسدة، وانحطت عن الحق الصراح الذي جاءنا به الخاتم الميمون، صلى الله عليه وسلم، لقد جاءنا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الخالص.
فحرَّف الناس هذا الخلوص والإخلاص إلى التعلق بأنواع من الشرك الظاهر والخفي، فأعادوها وثنيةً جديدةً وبغيضةً، من سجود للأصنام البشرية والحجرية والوهمية، وأصنام الجاه، والزلفى للسلطان، والتوسل بِمَن مات"، ورُبَّ قبر يزار صاحبه في النار وفي سبيل الوصول إلى مآرب الفناء، ولذائذ الجسد، ومتع الحياة الدنيا، ينسى الله وشرعه ودينه وتقواه، فأصبح الناس مسلمين بلا إسلام، ومؤمنين بلا قرآن، ومتفرقين متنازعين على جيف، "تفرقتهم أيدي سبأ" ففقدوا الأمن والأمان، وخسروا الدنيا والآخرة، وأصبحوا لا في العير ولا في النفير، ولا يعتبر لهم فقد أو وجود.
ويقضي الأمر حين تغيب تيم.
ولا يستأذنون وهم شهود.
ورحم الله شاعر الإسلام الباكستاني" محمد إقبال"..
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لا يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينًا
وفي التوحيد للهم اتحاد
ولن تبنوا العلا متفرقينا
ألم يبعث لأمتكم نبي
يوحدكم على نهج الوئام؟!
ومصحفكم وقبلتكم جميعًا
منار للأخوة والسلام؟!
وفوق الكل رحمان رحيم
إله واحد.. رب الأنام؟!
إذًا.. فهيا نهاجر إلى صفاء العقيدة، ونقاء الإيمان، وطهر القلب، من الأنداد والنظراء، ونبذ الفرقة، والاستمساك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، لنستعيد مجدنا من جديد.
ونلوي نحونا عنق الأمان..
كما كنَّا خير أمة أخرجت للناس..
3- الأسباب والتوكل
وفي الهجرة الكريمة تجلَّى منهج الإسلام في الأخذ الجيد والحصيف بالأسباب، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، القائد والمعلم صلى الله عليه وسلم في الهجرة بكلِّ الأسباب، حتى إن مَن يره يقل لم يترك مجالاً للتفويض، وكان في ذات الوقت يفوِّض حتى إن مَن يره يقل لم يترك مجالاً للأسباب.. هذا منهج الإسلام في تسيير الأمور والأحداث.
إن الأخذ بالأسباب دون التفويض نزع للبركة، وحرمان من معية الله وتوفيقه واغترار بالأسباب وعبادة لها، والعكس صحيح، فالتفويض مع عدم الأخذ الجاد بالأسباب كأقصى وأحكم ما يكون الأخذ هو لهو "دروشة" فارغة وطلب نتائج بدون الأسباب، وهو سوء أدب مع الله، لقد سبقنا العالم بالأخذ الجاد بالأسباب، على حين أننا كنَّا عالةً فجنينا ثمار حضارة وخدمات لم يكن لنا فيها لا أسباب ولا توكل، فصرنا مجرد مستهلكين، لا منتجين، نقايض على خيرات بلادنا وكنوز أرضنا وسمائنا وقوانا البشرية، نصدرها ونبيع جهدها وشبابها؛ ليستفيد منها أهل الأسباب، فوَّضوا أو لم يفوِّضوا، فتخلفنا بذلك عن نهج إمامنا وقدوتنا وأسلافنا ممن سبقونا بإحسان في النهج أسبابه وتفويضاته "وإنا لله وإنا إليه راجعون".
وقد قلت بعد ما ذكرت أخذه صلى الله عليه وسلم في الهجرة بالأسباب محكمة في قصيدتي الكبرى "ترنيمة في واحة النبوة" التي بلغت ألفين ومائتين وخمسة وعشرين بيتًا على وزن واحد وقافية واحدة في السير المطهرة.. قلت:
أو قد بذلت الجهد يحكم نسجه
فلتلق عونًا طيبًا عقبًا
ولقد دعوت ليخرجنك ويدخلنك
بمخرج وبمدخل ترضاه.
أبشر حبيب الله بالنصر الذي
تهفو إليه تلألأت رؤياه.
وبدار هجرتك الندية أشرقت
في لابتيها ضوؤه وسناه
امكث ثلاثًا لا ترع من حذقهم
هذا الحبيب وربه يرعاه
وإذا العناية لاحظته عيونها
أمن المخاوف أن تراع حماه
4- ومن الهجرة
ما قاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (متفق عليه)، وزاد الترمذي والنسائي: "والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم"، وزاد البيهقي: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله".
هل أسلمنا.. فسلمت قلوبنا لله، وسلم الناس من الغيبة، والنميمة، والكذب، والزور، والبهتان والقدح في الأعراض، وقذف المحصنين والمحصنات الغافلين والغافلات، والمؤمنين والمؤمنات، وإيذاء الناس بغير ما اكتسبوا، هل أدركنا خطورة الكلمة الخاصة أو العامة ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)﴾ (النساء).
ثم هل نحن أهل للإيمان الذي يسلمنا إلى الأمان فنأمن بوائق الناس؛ لأن الناس قد أمنوا شرورنا وبوائقنا.
وبذلك.. هل غدت مجتمعاتنا واحات حبٍّ وأمان، وتعافٍ وتسامح، وتخلُّق حميد وكريم بأخلاق الإسلام، وآدابه، ونبله وشرفه ومروآته.
هل هجرنا السوء والفحشاء، والبغي والمنكر، وإذا عدا علينا العادون بشرورهم وآثامهم وفتن نسائهم وإعلامهم غضضنا البصر والسمع وطهرنا الفؤاد وزكينا النفوس بالإعراض عن اللغو والجلوس للحرام من أفلامهم ولغوهم وفسادهم، هل نذرنا للرحمن صومًا، فلا نكلم اللاغين والمفسدين.
5- الربانية:
صحبت آثارها هذا الموكب الكريم، فهل نحظى بهذه الربانية باستكمال أسبابها وتحقيق أركانها..؟
انظر إليه وهو يخرج على الجمع الغادر قد امتشق الحسام، وأعد السيوف، وأحكم خيوط المؤامرة، ليضربوا ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل، فيرتضى أهله ديته.
خرج صلى الله عليه وسلم بعد أن أحكم نسج خطته في حركة الهجرة، فنظروا إليه بعيون مفتوحة، فأغشاها الله وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾ (يس).
وحثا التراب على رءوسهم إمعانًا في الاستهانة بتدبيرهم، وثقة بنصر الله له..
رحم الله الشيخ محمد شاهين استأذنا.
أفي حفنة الحصباء سر محبب
إذا هي أغشيت عين من بات باغيًا.
فيمرق كالسهم المصيب محمد
ويخرج من بين الحراسة ماشيًا
وما كنت عن خوفه ولكن قدرة
من الله ترعى للعقيدة راعيًا.
ثم انظره صلى الله عليه وسلم في الغار لو طأطأ أحدهم لرآه.. بل وينظر بالفعل بعضهم ويقضي حاجته على مرأى من النبي صلى الله عليه وسلم، "أخذ الله بصره"، وقصة سراقة ليست بعيدة عن هذا المجال..
إذًا فإن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مفعَّمة بالدروس والعبر، وما ذكرناه غيض من فيض، وقطرة من بحر، ورشفة من الديم..
فبالغ وأكثر لن تحيط بوصفه فأين الثريا من يد المتناول