كان لدينا في مصر مصنع وحيد لتربية وإعداد الشباب وطنيًّا وسياسيًّا.

 

وكان هذا المصنع هو الجامعات المصرية.

 

كان الشباب يدخلونها "مادة خام"، ويتخرجون منها وقد تحوَّل معظمهم إلى كوادر وطنية مُسيَّسة واعية بكل ثوابتنا الوطنية ومدركة ومستوعبة لكل هموم البلد ومشاكل الناس.

 

ولقد اكتسبت الجامعة هذا الدور بسبب تميزها عن المؤسسات والتجمعات الأخرى بخمس خصائص محددة:

1) الخاصية الأولى: هي أنها تضم داخل أسوارها نموذجًا مصغرًا لمصر، فطلابها يمثلون كلَّ المشارب والاتجاهات والطبقات والمناطق، وهو ما يمكِّنهم جميعًا من المشاركة في أوسع دوائر للتفاعل والحوار والمعرفة والنشاط والتدريب بشكل لن يتكرر ثانية في حياتهم.

 

2) الخاصية الثانية: هي أن غالبية الطلبة بطبيعة الحال متحررون من معظم المسئوليات والالتزامات والضغوط التي يعيشها بقية الناس في المجتمع؛ ما يعطيهم حريةً أكبر بكثير في الحركة والتعبير والمعارضة والغضب والتمرد.

 

3) الخاصية الثالثة: هي أن الشاب في هذا المرحلة من عمره يكون بكرًا (لسه بخيره) لم تكسره الحياة بعد، لم يتعلم أمور المرونة والمهادنة والنفاق والخضوع والخنوع والتوفيق والتلفيق، وبقية قائمة اللعنات التي تصيبنا بها الحياة العملية.

 

4) الخاصية الرابعة: هي أن ضخامة أعداد الطلبة وتجمعهم في مكان واحد، تجعل منهم قوةً ذات شأن، وجماعة ضغط يُعمَل لها ألف حساب إن هي اتفقت على موقف أو على قضية ما.

 

5) الخاصية الخامسة: هي أن الحركات الطلابية تكون عصيَّةً على العزل والحجب والحصار، فالأولاد لهم أهل وبيوت وأحياء وقرى ونجوع على امتداد مصر كلِّها، يعودون إليها كل يوم أو كل أسبوع، يغذونها بما تعلموه، ويؤثرون فيها ويتأثرون بها.

 

كما أنها عصيَّةً على التشهير التي تقوم به الدولة ضدَّ كلِّ معارضيها، فهم لا يزالون صغارًا أبرياء يفكرون ويتحركون على الفطرة والسجية، وأي تجريح فيهم لن تكون له مصداقية.

*****

 

لكلِّ ما سبق لم يكن غريبًا أن يكون طلبة الجامعة هم طليعة المجتمع في مظاهرات 1968م ضد أحكام الطيران، وطليعته في 1971 و1972م في الضغط على النظام من أجل التعجيل بالحرب وتحرير الأرض.

 

ولم يكن غريبًا أن تكون معظم القيادات الحالية لجميع الأحزاب والقوى والجماعات السياسية المختلفة هي ابنة وخريجة هذا المصنع العريق.. تربت كلُّها في ساحاته، وبعد تخرجها واصلت أدوارها في مؤسسات البلد الرسمية أو الشعبية، المعارضة أو الحكومية.

*****

 

ولأن الجامعة كانت هكذا مصنعًا دائمًا للوطنية والوطنيين.

 

ولأن الوطنية بالضرورة، ضد الأمريكان والصهاينة وحلفائهم من الفاسدين وأغنياء الحرب والسلام.

 

ولأنها بالضرورة مع فلسطين والمقاومة والأمة العربية والإسلامية وكلِّ المظلومين والمقهورين في العالم.

 

ومع أغلبية الشعب من الناس البسطاء الطيبيين أصحاب البلد الحقيقيين.

 

لذا، كان لا بدَّ للنظام المصري الأمريكي الجديد، نظام "كامب ديفيد"، وهو يعيد صياغة مصر على مقاس أمن الكيان الصهيوني ومصالح الأمريكان، أن يقوم فورًا بإغلاق هذا المصنع بالضبة والمفتاح.

 

وبالفعل تمَّ تحريم العمل السياسي وتجريمه بالجامعة بموجب اللائحة الطلابية لعام 1979م، في نفس العام الذي وقعت فيه مصر والصهاينة معاهدة السلام.

 

ولتأمين الوضع الجديد بالقوة، تم تأسيس البوليس السياسي للطلبة، المسمى بحرس الجامعة، الذي تولى مهمة حصار ومطاردة ووأد أية تحركات طلابية داخل الحرم الجامعي.

*****

 

* ومن يومها لم يعد لدينا في مصر مصدر مركزي لإعداد الشباب وطنيًّا وسياسيًّا.

 

* بل أصبح العمل الوطني الجاد تهمةً يعاقب عليها القانون.

 

* وتم حرمان جيل كامل على امتداد أكثر من 30 عامًا من التربية الوطنية، ثم تمَّ تجريده بالتدريج من قيم الانتماء وحبِّ الوطن.

 

* وحتى أولئك الطلاب الذين تمكنوا من تحصيل تربية وإعداد وطني وسياسي من مصادر أخرى، أصبحوا يشعرون بالغربة والعزلة داخل الحرم الجامعي الحالي، الذي يعاملهم وكأنهم ظاهرة شاذة أو متطرفة أو مخيفة الظل أو ثقيلة.

 

* وهو ما انعكس بوضوح على حالة معظم القوى الوطنية المعارضة في المجتمع، التي انقطع عنها المدد الجماهيري الطبيعي التلقائي، حين كان الخريجون يواصلون نشاطهم الوطني والسياسي في مؤسساتها، ويضخون دماءً جديدةً كل عام في شرايينها؛ ما أسهم في إيقاف نموها وتطورها، فانحصرت وضعفت وتقلص تأثيرها وتضاءلت قواعدها، وكادت أن تندثر.

*****

 

وهو ما يتوافق تمامًا مع الأهداف الصهيونية في مصر، التي عبَّر عنها أحد قادتهم بوضوح حين قال: إن السلام مع مصر على المستوى الشعبي لم يتحقق بعد، وإنه على إسرائيل أن تنتظر رحيل الجيل الحالي، وميلاد جيل مصري جديد لا يعاديها.

-----------

* Seif_eldawla@hotmail.com