في الثامنة صباحًا فوق كوبري 6 أكتوبر الجميل تعطَّلت سيارتان شلَّتا حركة الكوبري تمامًا.

 

تصرفات الأفراد كلها تزيد الأعصاب احتراقًا مع احتراق الوقود؛ الأبواق كلها تنطلق في آن واحد كأنه فرح من الطرشان؛ الأصوات كلها تنادي وتصيح كأننا في غابة من التائهين..
وعندما تتفحص الوجوه في السيارات تجد معظم الأفراد مثقفين وأصحاب أعمال وموظفين، لكن تصرفاتهم تذهلك وتشعرك بالحسرة على حال أمتنا.

 

إلا الحاج أحمد أبو شادي- رحمه الله- فكان بجواري يقصُّ على مسامعي ملحمته مع أبطال الإخوان وهم يدافعون عن الوطن الغالي في فلسطين ضد اليهود، وفي القنال ضد الإنجليز.. قال لي: هيا نقول:

 

"لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وأكمل: بدون "يحي ويميت"؛ لأنها في حديث آخر، وضَحِكَ بطريقة تلفت نظرك من كمية الرضا والطمأنينة والسلام في صوته وفي ضحكته الخلوقة، قال لي: الحديث لسيدنا أبي هريرة؛ وفضلها: "مَنْ قالها مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكُتب له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا أحد عمل أكثر من ذلك" (رواه البخاري).

 

أغمضت عيني، سحبت كرسي القيادة للخلف قليلاً، وسَرَحَت نفسي المادية بإفراط تبحث عن فضل الذكر الذي قاله الشيخ..

 

ياااااااااااااه كأنك أعتقت عشر رقاب من الرق والعبودية؛ بكم تساوي الفدية الآن؟ لو أنها دية مسلم أمريكي تساوي على الأقل عشرة ملايين دولار.

 

ولو أنها دية مسلم خليجي تساوي ملايين الريالات؛ وحتى لو أنها دية مسلم مصري تركته حكومته مهانًا ذليلاً بدون قيمة، بعدما سلبت منه حقوقه وآدميته وعزته وكرامته وحتى رجولته وتركته عاريًا في العراء إلا مَن رَحِمَ ربك، ستساوي آلاف من الجنيهات المصرية الرخيصة..

 

إنه فضل عظيم.. انطَلَقَت نفسي وتخطيت السارتين وعاشت مع كل تسبيحة..

 

عانقتُ السحاب وحملتُ مع كل تسبيحة زخات من الأشواق والحنين إلى ربي الكريم..

 

وَرَسَمت مع كل تسبيحة خطوطًا من الحب واللوعة إلى ربي الحنون..

 

بقدر إحساسي بلطفه بنا، ورحمته بنا، ونعمه علينا التي لا تُعد ولا تُحصى كانت أمواج الذكر تتكسر على نفسي الكئيب فتغسلها وتكسوها فرحًا وسلامًا..

 

نعم زخات وأمواج تنطلق مع كل تسبيحة يتمتم بها الحاج أحمد بصوته العذب الندي، كانت تعزف على أوتار قلبي ترنيمات هائلة من السكينة والهدوء والسعادة والسلام..

 

لا محالة تخطينا المائة تسبيحة.. بل تخطينا الألف.. ما زالت الدموع تنساب من عيني، أحس الشيخ بها، استغل الموقف وأخذ يتنقل من ذكر إلى آخر كمن يحيى في الجنة متنقلاً من بستان إلى آخر..

 

لا محالة تخطينا كوبري 6 أكتوبر، وقطعًا تذكرة الطريق الصحراوي..

 

لم نطلق بوقًا واحدًا، مَن أراد أن يتخطانا أفسحنا له الطريق، كان يشير بالتحية والامتنان، لم نستعجل المسير فقد كانت قلوبنا هناك حيث لا حركة، حين تأنس بالسكون والثبات في محراب عبوديته.. وكانت أرواحنا تنطلق نحو آفاق علوية من الوجد والشوق إلى ربنا الحبيب..

 

حتى رجل الردار الذي رأي دموعي يهمس في أذن الحاج أحمد "أدعو لنا"..

 

من أجل ذلك جلس النبي مع أصحابه الكرام قائلاً: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من إنفاق الذهب والفضة، وخير من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله".

 

هل تعلم أخي الحبيب لولا ذكر الله ما خلق الله السموات والأرض..

 

فالآية ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ قالوا الروح هي الذكر..

 

واللحظة والتو التي تخلو الأرض من ذكر الله هي اللحظة والتو التي ستموت الأرض، قال الحبيب محمد "لن تقوم الساعة حتى لا يقال الله الله" وفي رواية: "حتى لا يقال لا إله إلا الله"
هي لحظة النهاية.. فما فائدتها ألا بذكر الله..

 

كذلك القلوب.. هي قلوب ميتة بغير ذكر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24)

 

هل لا تجد قلبك؟ هل هناك بون شاسع بينك وبينه؟

 

هل أمنياتك تنخفض بعشقها الغفلة والوهن؟

 

هل تضيق نفسك بالحياة مع شوقها القائل لها؟

 

لأنك بعيد بعيد عن ذكر الله بمعناه الحقيقي؟

 

وإن ذكرت فأداء واجب وأمر روتيني..

 

أنت مَن تحبس نفسك بين جدران الغفلة؟

 

هل تعلم أن الوحي ( لأنه يحمل الذكر) لما تأخر عن الحبيب محمد كاد يتردى من رءوس الجبال..

 

لقد ملَّ الحياة بدونه وسئم العيش بدونه..

 

نعم الكون كله يُسَبِّح ويتناغم مع حبِّ المنعم يقول الحق ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: من الآية 44).

 

أخبرنا شيخنا- رحمه الله- الشيخ عطية محمد سالم في المسجد النبوي الشريف أن الرسول عرض الإسلام على رجل اسمه ركامة، وكان ركامة مصارعًا لم يصرعه أحد، فقال له: لا أُسْلِم حتى نتصارع، فقال له الحبيب: "وإن صرعتك؟" قال: للفائز شاة، فصرعه الرسول في المرة الأولى، فطلب ركامة الثانية فصرعه الحبيب محمد، فطلب الثالثة فصرعه محمد صلى الله عليه وسلم فقال ركامة: يا ويلي ماذا أقول لأهلي؟ إن قلتُ ضاعت واحدة وأكل الذئب الثانية فماذا أقول عن الثالثة، فضحك الحبيب محمد وقال له: "لا أجمع عليك حزنين" (حزن الهزيمة وحزن الشياه) وردَّهم عليه.

 

فتعجب ركامة من النبي وكرَمِهِ وعفوه وسَمَاحِتِه فقال لركامة: "أو أعجب من ذلك" فأشار إلى النخلة من بعيد "تعالي" فجاءت تخط وتقول لا إله إلا الله، فأسلم ركامة.

 

وهذا هو الجزع الذي كان يخطب عليه الحبيب محمد عندما تركه أن أتاه (لأن الذكر سينقطع عنه) ويسمع الصحابة جميعًا الأنين فنزل النبي قال له: "لو شئت لغرستك بباب المسجد أخضر إلى يوم القيامة ولو شئت لكنت في الجنة".

 

فاختار الجنة.. "أختار العيش في حضرة الله العلي الكبير"..

 

لما ذهب ابن القيم لابن تيمية في المسجد بعد صلاة الصبح وجده على هيئته لم يتحرك يذكر الله حتى وقت طويل، فالتفت الإمام وقال له: يا بني لا تؤاخذني هذه غدوتي التي أقتات عليها، فإن لم آخذها ضعفت قوتي.

 

من أراد كل شيء في الحياة فعليه به.. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ (نوح).

 

إنه الذكر أخي الحبيب.. فاشغل أوقات الفراغ وأوقات الهموم، وأوقات أن يكون قلبك معك وارحل به إلى فيوضات الجنان؛ حيث المعية والقرب.. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152)﴾ (البقرة).