كتب الدكتور عبد المنعم سعيد في (الأهرام) عدد يوم الإثنين 6 من ديسمبر 2010م، مقالاً تحت عنوان "صيد سمكة القرش"، استلهم فيه حوادث أسماك القرش الأخيرة التي تمت في شرم الشيخ، والشبيهة بالفيلم الأمريكي الشهير "الفك المفترس"، الذي يدور حول سمكة القرش الشريرة التي تهدد مدينة آمنة، وتتسبب في قتل، وجرح عدد من السياح.
وكيف قام فريق من المنقذين الطيبين الشجعان المهرة باصطيادها، وقتلها لتخليص الناس من شرورها، وإعادة الأمان المفقود إلى المجتمع.
استلهم د. سعيد ذلك، وقام بإسقاطه على الانتخابات البرلمانية الأخيرة:
* فالإخوان هم سمكة القرش.
* وأمانة تنظيم الحزب الوطني هم أولئك الأبطال الشجعان الطيبين المهرة.
* أما العمل البطولي الذي قاموا به فهو إسقاط الإخوان الآفة الكبرى في الحياة السياسية المصرية بحسب تعبير البعض.
* وسر نجاحهم كما هو وارد في "المقال" لم يكن هو التزوير بالطبع.
* وإنما هو حسن الإدارة والتنظيم.
كانت هذه هي خلاصة المقال الذي دفعني دفعًا إلى أن أخصص هذا المقال بالحديث عن الإخوان المسلمين.
كما أن الذي دفعني للكتابة أيضًا قصة طريفة معبرة ذكرها الدكتور جابر قميحة في أحد مقالاته يقول فيها: إن الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة كتب في مجلته (ص1 بعد الغلاف) عنوان مقال كان نصه: "لا تخافوا الإخوان فإنهم يخافون الله"، ولم يكتب كلمة واحدة تحت هذا العنوان وترك الصفحة كلها بيضاء، وكذلك الصفحتين الثانية والثالثة.
وفي ذيل الصفحة الثالثة من الناحية اليسرى كتب اسمه "أحمد حسن الزيات". كان ذلك بعد قيام ثورة 1952 بعام, وتوتر العلاقة بين ضباط الثورة والإخوان.
وأقول إن المتابع لمسار العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والمجتمع، سيجد أن الجماعة منذ تأسيسها في مصر عام 1928، وهي تنتشر في مختلف قطاعات المجتمع، وتحاول ضمَّ كل شرائح، وفئات المجتمع لها.
من هنا كان الانتشار الرأسي في المجتمع، من أهم مصادر قوة الجماعة، فهي لا تعبِّر عن فئةٍ أو شريحةٍ، ولا تعبِّر عن منطقةٍ جغرافيةٍ أو فئةٍ وظيفيةٍ، ولكنها تعبِّر عن مختلف الفئات والشرائح.
ومما لا شك فيه أن فساد الأنظمة العربية بجانب طغيان الاستعمار الأجنبي كان وراء ظهور جماعة الإخوان المسلمين كأول حركة سياسية ذات مرجعية دينية ولدت في بلد عربي تحت الاستعمار الأوروبي، وقد حاولت هذه الحركة وقف عناصر الفساد التي تعاون القوى الأجنبية في مصر، بل وذهبت إلى أبعد من هذا حين حاولت أن تغير الطريقة التقليدية للحياة، وتضفي عليها عاملَ الدين بكل ما له من تأثير وفاعلية.
وقد قدَّمت الجماعة نفسها للمجتمع بوصفها جماعة تحمل مشروعًا إصلاحيًّا، ولم تُغْرِق نفسها في خلافات المذاهب، بل حاولت صياغة رؤيتها لتعبِّر عن المتفق عليه في الفكر الإسلامي، وتمثل السائد والمجمع عليه في معظم روافد الفكرة الإسلامية، وبهذا لم تحاول أن تكون مذهبًا من المذاهب، بل ركزت على الثوابت الأساسية التي تُمثِّل المشروع الإسلامي، كي تصبح معبرةً عن جوهر الفكرة، أكثر من الفروع التي تتنوع فيها الآراء، ولذا لم تحاول الجماعة تحديد موقفها في الفروع، إلا في القضايا المهمة، والتي تؤثر على منهجها في العمل، ويلزم أن تحدد فيها موقفًا.
وهي لم تقدم نفسها بوصفها المعبرة عن كلِّ المجتمع، ولكنها ألزمت نفسها بجوهر الرؤية الإسلامية، حتى تكون بالفعل معبرةً عن الفكرة التي غالبًا ما تتوافق عليها الأمة؛ مما يجعلها مؤهلةً للانتشار بين الناس.
ويلاحظ كذلك أن جماعة الإخوان المسلمين لم تحاول استرضاء الجماهير، على حساب مبادئها ومعتقداتها. ومن هنا تحددت العلاقة بين الجماعة والمجتمع، في أن الجماعة تدعو الناس لما تراه صحيحًا، وتطور رؤيتها بما يجعلها تتفاعل معهم، نائية عن تقديم أي تنازلات فيما يخص منطلقاتها، أو ثوابتها.
لذا لم يكن توسع الجماهير المؤيدة للجماعة هدفًا في حدِّ ذاته، بل كان توسع القاعدة الجماهيرية المؤمنة بالمشروع الإصلاحي الحضاري الشامل والقائم على المرجعية الإسلامية هو الغاية التي تحاول الجماعة الوصول إليها، وبما أنها تُدرك أن مشروعها- في ظل حكم الاستبداد- يحتاج للتضحيات، وأنه المشروع الذي تحتاجه الأمة وجب عليها تدقيق الاختيار في العناصر المؤهلة لتقديم هذه التضحيات الجسام.
وفي ذات الوقت، قدمت الجماعة نفسها بوصفها طليعةً للمجتمع، تعمل من أجله وتدفع الأذى عنه، مقدمةً المزيد من التضحيات والعطاء، حتى أصبحت تمثلُ بالفعل النموذج المضحي من أجل الوطن عبر الأجيال، وبهذا حازت التأثير على جماهير الأمة، حتى وإن كانت أغلب تلك الجماهير غير مستعدة بعد لتقديم التضحيات، ولكن وجود النموذج، يظل أمرًا ملهمًا للجماهير.
ومع اضطراب الأحداث طوال القرن العشرين، وتزعزع ثقة معظم المصريين في قدرة الأنظمة، والتيارات السياسية التي تولت حكم مصر في الحصول على الاستقلال التام، وبخاصة استقلال الإرادة والقرار السياسي من طغيان النفوذ والهيمنة الأجنبية، أيقن الشعب المصري أن المستقبل لا يبشر بالخير في ظل هذه الأنظمة الموالية للغرب، كما أيقن أنه ليس هناك أمل في حياة كريمة تحل فيها المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تثقل كاهل أغلب فئات الشعب البسيطة مما حدا بهذه الفئات إلى اليأس من سدنة الحكم العلماني، والميل للتيار الإسلامي، الذي استطاع أن يتغلغل بين هذه الفئات، ويقدم من الخدمات الاجتماعية والإنسانية ما لم تقدمه القوى السياسية الأخرى.
والثابت أن انتشار الجماعة في كلِّ فئات المجتمع، ثم انتشارها في كلِّ أوطان العالم العربي والإسلامي أمر يمثل منهجًا مهمًّا لجماعة الإخوان؛ فالجماعةُ توجد في بعض البلدان، دون أن يكون لها حضورٌ واسعٌ، ومع ذلك تحرص على التواجد في مختلف بلدان الأمة العربية والإسلامية، بل مختلف بلدان العالم، بما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من كلِّ مجتمع عربي أو إسلامي، وأيضًا جزءًا لا يتجزأ من كلِّ جالية إسلامية في البلاد الغربية، أو غيرها من البلاد، وأهمية هذا التواجد هو أن الجماعة أصبحت أحد المكونات الأساسية لكلِّ تجمعات الأمة الإسلامية، وأصبحت توجد حيثما وجدت شريحة أو فئة من الأمة، وتوجد حيثما وجد وطن من أوطان الأمة.
ومما لا شك فيه أن ظهور جريدة "الإخوان المسلمين" في مطلع الثلاثينيات، وغير ذلك من وسائل دعاية وإعلام تطورت منذ ذلك التاريخ، وحتى الآن كان له عظيم الأثر في نشر فكر الإخوان، وكان خير إعلان عن أهداف ومبادئ واتجاهات هذه الجماعة. كما أن احتساب الإخوان كل ما حدث لهم عند الله, وعدم تورطهم في مستنقع الانتقام ممن عذبوهم, وقتلوا إخوانهم, زاد من عدد المنضمين إليهم، وجعلهم يتفرغون لمنهجهم التربوي الوسطي, مما أنتج أجيالاً كاملةً تدين بالولاء للجماعة.
أما المنهج الحركي الذي اعتمدته الجماعة فهو يقوم على تأصيل وجودها الاجتماعي بين الناس، وذلك لمواجهة كلِّ عمليات التشويه التي تتعرض لها من قبل وسائل إعلام المناوئين لها من أنظمة وحكومات.
هذا المنهج، ارتبط بالعمل أكثر من الدعاية والإعلان، وهو منهج يعتمد على الاحتكاك المباشر بين أفراد الجماعة، والمجتمعات التي يعيشون فيها، فكانت سياسة الفعل قبل القول، أي سياسة التفاعل المباشر مع الجماهير هي الأساس في الحضور الاجتماعي، والسياسي الذي فاق نفوذ، وإمكانيات الأحزاب المتسلطة في كل الحكومات.
مما سبق يمكن أن نقرر أن تمدد الجذور الاجتماعية للجماعة داخل المجتمعات التي تعمل وتنشط فيها، كان أحد أبرز العوامل التي حمت الجماعة، ووفرت لها سبل البقاء، والاستمرار، وإذ أصبحت الجماعة بنية قوية داخل نسيج المجتمع، فلا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال عن هذا المجتمع، أو عزلها عنه، كما لا يمكن إقصاؤها، أو تهميش دورها.
نعم لقد صدق الزيات حينما كتبها عنوانًا لمقال لم نره "لا تخافوا الإخوان فإنهم يخافون الله"، كان ذلك سنة 1953. ونحن نقولها حاليًا, وكل يوم لحكام الكنانة, بل لكل فرد من شعبنا المطحون.
وعود على بدء نستطيع القول إن المطروح من قبل د. سعيد أمر خالٍ من أي اجتهاد أو إضافة، فهو يكاد يكون نسخةً طبق الأصل من تصريح المهندس أحمد عز أمين التنظيم بعد الانتخابات مباشرةً، حين طلب أن يكون المانشيت الرئيسي لانتخابات 2010 هو "نجاح الحزب الوطني في إسقاط الإخوان المسلمين".
كما أن د. سعيد يعلم جيدًا أن كل الهزائم والتراجعات التي شهدتها كل التيارات السياسية المعارضة في البلدان العربية: الإسلامية منها، وغير الإسلامية، تمت بفعل قهر الأنظمة الحاكمة البوليسية المستبدة، وليس بسبب الاختيار الحر للناس.
ثم أنه نسي أن يذكر- ويا هول ما نسي- أن الصيادين المهرة في أمانة السياسات لم يكتفوا بصيد سمكة القرش فقط، بل إنهم صادوا كل الأسماك والأحياء البحرية الأخرى، فلم يعد في البحر أحد سواهم.