التأريخ بالهجرة:
روى البخاري في الأدب والحاكم من طريق ميمون بن مهران قال: رُفِعَ لعمر صكٌّ محله شعبان، فقال: أي شعبان، الماضي أو الذي نحن فيه، أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم، فيقال: إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك، ومنهم من قال: أرِّخوا بتاريخ الروم من زمان الإسكندر، فكرهوا ذلك، وقال قائلون: أرِّخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون من مبعثه عليه السلام، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث؛ فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرَّخوا من أول تلك السنة من محرَّمها.
وما أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه، ومن طريق الحاكم من طريق الشعبي (أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعث، وبعضهم أرِّخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرَّقت بين الحق والباطل، فأرَّخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدءوا برمضان، فقال عمر: بل بالمحرَّم فإنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه).
من هنا يتبين لنا أن الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين لم يرتضوا أن تكون أمة الإسلام أمة مقلدة لغيرها, ولكنها أمة متفردة، متميزة ذات شخصية مستقلة، فلا بدَّ أن يكون لها التقويم الخاص بها.
وهكذا يجب أن يكون المسلم متميزًا في أخلاقه وسلوكه وعبادته وملبسه، وشارعه وبيته، وفي حديثه وصمته، وكذلك أبناؤه، فإذا دَخَلَتَ بيته علمت أنه مسلم، وإذا عاملته بيعًا وشراءً علمت أنه مسلم، وإذا تكلم أو صمت علمت أنه مسلم.
وكذلك الشارع الإسلامي متميز في التنظيم والنظافة، في ملبس النساء اللواتي يسرن فيه، لا تسمع فيه ألفاظًا تؤذي مسامعك.
وكذلك الأمة المسلمة متميزة في إيجابيتها، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (التوبة), أمة متميزة في تقدمها وتملكها لأدوات الحضارة، الأخلاقية والعلمية والسلوكية والاجتماعية، لها أخلاقها المتميزة في سلمها وحربها، أمة متميزة في وسطيتها قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية 143)، لها تميزها في وحدتها وسعيها بذمة أدناها، فهي أمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل.
إضافة إلى ذلك يجب على كل مسلم أن يقتني التقويم الهجري في بيته، يجب على كل مُعَلِّم، وأستاذ في الجامعة في قاعات الدرس أن يكتبوا التاريخ الهجري على "السبورة" لتلاميذهم وطلابهم.
لقد وضعت أمام عمر رضي الله عنه عدة خيارات، هل يبدأ التقويم بمولد النبي؟ أم ببعثته؟ أم بوفاته؟ أم بالهجرة؟.
لم يقع اختيار الصحابة على الخيارات التي تتمحور حول شخص حتى لو كان شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن وقع اختيارهم على الهجرة، فلماذا؟
لأن الصحابة أدركوا أن الهجرة تمثِّل أخطر مرحلة في تاريخ الإسلام، وهي مرحلة بناء الدولة الإسلامية، بعدها أصبح للإسلام دولة، (قاعدة آمنة تنطلق منها الدعوة ويؤسَّس فيها المجتمع، وتنشأ فيها الدولة الإسلامية، ويتحقق للمسلمين كيان مستقل، أصبح هناك دار للإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: من الآية 9)، قامت فيها هذه الدولة الوليدة ووجد أناسًا يحمون هذا الدين ويفدونه بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، وفعلاً استطاع أن يقيم هذه الدولة، وأن يؤسس هذا المجتمع وينشئ هذه الأمة الجديدة خير أمة أخرجت للناس).
التأريخ بالهجرة لأنها كانت فاصلة بين مرحلتين، مرحلة بناء الدولة بالمدينة ومرحلة التأسيس لبناء هذه الدولة التي امتدت لثلاثة عشر عامًا بمكة.
يقول الدكتور القرضاوي عنها: "هي مرحلة دار الأرقم بن أبي الأرقم التي يلقن فيها الرسول عليه الصلاة والسلام مبادئه وقيمه، وتعاليمه لخلاصة أصحابه؛ لتكوين الجيل الأول للإسلام الذي سيحمل الرسالة من بعد، ويبلغ الدعوة إلى العالم، هذا هو الجيل المؤسس الذي نشأ في دار الأرقم، في العهد المكي نزل من القرآن نحو ثمانين سورة يلقنها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، ويأخذونها عنه ويعيشون فيها وبها ولها، عاشوا قرآنيين محمديين، هذا العهد هو الذي قال الله فيه لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ (المزمل)، يهيئه الله، ويعده لهذا العبء الثقيل الذي ينتظره، فعليه أن يهيئ نفسه في مدرسة الليل ومدرسة القرآن، فتهيأ لهذا القول الثقيل وهذا العبء الكبير بالقرآن وبقيام الليل، كان العهد المكي هو عهد بناء هذا الجيل الذي بنى عليه الدولة بالمدينة).
لماذا صممت قريش على منع هجرة الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم؟
كان من المفترض أن تفرح قريش بترك المسلمين أرضهم، وأموالهم وتترك مكة لهم، وتكون بذلك تخلصت من النبي صلى الله عليه وسلم ومَن معه، ولكن هذا لم يحدث بل كرَّست قريش كل إمكانياتها وقدراتها في منع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من الهجرة.
إن الواقع الذي كانت تعيشه قريش قبل البعثة فئة تتحكم في مصائر الناس وأقدارهم، تستعبدهم، حينما تتكلم هذه الفئة المسيطرة يسمع لها، لا يستطيع كائن من كان أن يرد لهم قولاً، ولا فعلاً، هم القانون، هم المشرِّعون، هم القضاة الذين يحاكمون الناس، هم المنفِّذون لهذا القانون، هم السادة وما عداهم عبيد يسمعون ويطيعون لهذه الفئة.
أدركت هذه الفئة الطاغية الظالمة من أول وهلة صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالدعوة من فوق جبل الصفا بـ"لا إله إلا الله"، أدركوا بفهمهم اللغة العربية وأسرارها ومقاصدها أن معنى "لا إله إلا الله"، أن يجرِّدوا من سلطانهم، أن يصبح الناس كما ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، أن المشرِّع هو الله، وأن العبودية لله وحده لا شريك له، وأن الطاعة لله ورسوله.
لذلك أعلنوها حربًا لا هوادة فيها ضد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أول لحظة، بدأت هذه الحرب بقولة أبي لهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم (تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟)، وخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنها أيضًا واضحةً لا لبس فيها من أول لحظة أن هدفه إقامة دولة إسلامية عالمية: "قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم".
بدءوها بحرب نفسية معنوية لتشويه الصورة الذهنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند المجتمع القرشي، فتارة يتهمونه بالجنون، وتارة يتهمونه بأنه ساحر، مجنون، يفرق بين الأب وأولاده، وتارة هو شاعر.
استمرت هذه الحرب الإعلامية التشويهية، وامتدت لتصل إلى كل من يصل مكة من القبائل الأخرى، يشوهون صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندهم، وما حدث مع الطفيل بن عمرو الدوسي نموذج لهذه الحرب، فما زالوا يخوفونه من رسول الله وخطره، حتى وضع قطنتين في كلا أذنيه؛ خشية أن يستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطئًا، ولكنه وهو الرجل اللبيب ذو العقل الرشيد والسيد المطاع في قومه ما لبث أن تحرر من هذه الحملة التشويهية، وقال في نفسه، هل يليق بمثلي أن أنساق وراء قول قريش ورأيها في هذا الرجل، وأين عقلي وحكمتي ورؤيتي أنا، فنزع القطنتين واستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدرك أنه الحق وأعلن إسلامه من ساعته "وما أشبه اليوم بالبارحة، ما أحوج كل مواطن حر ذي عقل أن ينزع القطنتين من أذنيه اللتين ألجأته إلى وضعهما وسائل الإعلام المُسَّخَرة لتشويه صورة الإسلاميين عند عامة الناس، ما أحوج كل ذي عقل رشيد أن يتعرف بنفسه، يقرأ ويخالط ويبذل الجهد للتعرف ثم يكون له حكمه، فلا يكون تابعًا يسلم قياده لغيره، ويلغي عقله الذي وهبه الله إياه".
لما فشلت هذه الحرب بدءوا حربًا جسدية ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعوا القمامة فوق رأسه الشريف، ووضعوا ما تحويه بطن الذبيحة فوق رأسه الشريف وهو ساجد بين يدي ربه، وتصاعد الإيذاء إلى سياسة التجويع والمقاطعة.
ولكن الإيذاء بلغ مداه بالتخطيط لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم على الهجرة إلى المدينة، فكان ما كان من تخطيط لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزمهم على اختيار أربعين شابًّا فتيًّا واحدًا من كل قبيلة، فيضربون رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة فيتفرق دمه بين القبائل، وحضر الشيطان هذا الاجتماع متخفيًّا في صورة شيخ نجدي، وكان يفند كل فكرة دون القتل ويرفضها، حتى أثنى على فكرة القتل.
وهكذا المتآمرون على دعوة الإسلام، الكارهون ما أنزل الله في كل زمان ومكان، يعقدون الاجتماعات والندوات لوضع الخطط والإجراءات؛ لمحاربة الإسلام والداعين إلى منهجه والالتزام به، ودائمًا يكون للشيطان حضوره الدائم في هذه الاجتماعات يفند أي فكرة دون الأذى والاستئصال تصدر عن رجل رشيد ذي عقل تواجد في غفلة منهم، وتكون الكلمة العليا والفاصلة لهذا الشيطان من الإنس, كما كانت الكلمة الفاصلة للشيطان المتخفي في صورة الشيخ النجدي في اجتماع قريش.
أقول إن الإيذاء بلغ مداه؛ لمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهجرة، ووصول القيادة آمنة إلى المدينة؛ لأنهم يعلمون أن المدينة أصبحت ملاذًا آمنًا، قاعدةً آمنةً للمسلمين.
فلو وصلت القيادة المدينة فالظروف أصبحت مهيئةً لقيام دولة الإسلام، قيام دولة الإسلام العادلة، دولة الإسلام التي يسعد الناس فيها بحرية حقيقية فلا عبودية إلا لله، فيصبحوا أحرارًا كما ولدتهم أمهاتهم.
دولة الإسلام التي يستظل فيها الحاكم والمحكوم بشرع الله.
دولة الإسلام التي لا فضل فيها لغني على فقير، ولا لوزير على خفير، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
دولة الإسلام التي يعلن الحاكم فيها من أول لحظة أنه أجير عند الأمة وليس سيدًا عليها (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني)، دولة الإسلام التي يعلن فيها الحاكم أمام شعبه أن الظالم فيهم ضعيف عنده حتى يأخذ الحق منه، وأن المظلوم فيهم قوي عنده حتى يأخذ الحق له.
دولة الإسلام التي يأمن الحاكم فيها على نفسه وأهله بإقامة العدل بين الناس وإنصافهم حتى لو كان من نفسه (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر)، وليس كحكام اليوم الذين أشاعوا الظلم بدلاً من العدل، فيلجئون إلى جيوش من قوات الأمن لتأمين أنفسهم وذويهم وأعوانهم.
دولة الإسلام تكرم الإنسان وتحفظ كرامته وتمنحه حقوقه، هي دولة تقدس القضاء وتنفذ أحكامه.
علمت قريش أن بقيام هذه الدولة فضح لاستعبادهم للناس وظلمهم لخلق الله، وفضح لفشلهم في إدارة أحوال العباد، وقد بذلوا كل جهدهم طيلة ثلاثة عشر عامًا للحيلولة دون إقامة هذه الدولة في مكة، فلا بدَّ من منع إقامتها في المدينة؛ بمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من الهجرة، بأية وسيلة وبأي ثمن، حتى لو كان القتل.
وهذا هو حال الأنظمة المستبدة في كل زمان ومكان، تحارب كل فئة مؤمنة تريد أن تتخذ من الإسلام شرعةً ومنهاجًا، وتريد أن يحكم الإسلام حياة الناس، تحارب كل تجربة إسلامية في مجال الاقتصاد، في مجال التعليم، في مجال العمل النقابي، وفي المجال السياسي.
وما الحرب الضروس على البنوك الإسلامية والشركات الاقتصادية التي يمتلكها أصحاب التوجه الإسلامي، وما تأميم النقابات وفرض الحراسة عليها, وما تزوير الانتخابات والاستماتة في استبعاد الإسلاميين واستئصالهم إلا داخل في هذا الإطار.
إنهم يحاربون كل خطوة صغيرة كانت أو كبيرة نحو إقامة دولة للإسلام، لعلمهم أن إقامة هذه الدولة فضح لفشلهم، وظلمهم وعمالتهم لأعداء الأمة، واستعبادهم الناس، وإهدارهم كرامة الإنسان، وإهانتهم القضاء وإهدارهم الآلاف من أحكامه.
إنهم يسلكون نفس الطريق الذي سلكه أسلافهم في حربهم الملتزمين بالمنهج الإسلامي الداعين إلى اتخاذه شرعة ومنهاجًا، فيوظفون الإعلام المرئي والمسموع، يوظفون الفن والأدب, في تشويه الصورة الذهنية للإسلاميين عند عامة الشعب، وتخويف الناس من الإسلام، وتوظيف الجهل لتحقيق مآربهم، وتهم الإرهاب والتطرف جاهزة، مرورًا بالاعتقالات، ومصادرة الأموال وغلق الشركات، والضرب والسحل، والتنسيق الأمني مع أعداء الأمة لتجفيف المنابع وتنفيذ سياسة الاستئصال.
ولكن ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال: من الآية 30).