مبارك عليك يا حمدي بعد أن تربعت على عرش مجلة (المصور).. مبارك عليك بعد أن جعلت من نفسك مؤرخًا، وفقيهًا إسلاميًّا، وفقيهًا دستوريًّا، ومدينةً من مدن العلم السفلي والعياذ بالله، والمعروف عنك أنك صاحب "سوابق" لا ينكرها أحد، ولنبدأ الخيط من أوله:
(أقول هذا وأنا على يقين إن كثيرين من الإخوان وعقلاء هذه الأمة سيوجهون إليّ لومًا شديدًا لأني نزلت بقلمي إلى مستوى الصحفي الأمني المعروف حمدي رزق، فمعذرةً أيها القراء الأحبة، ومعذرةً أن أعود بالزمن عدة أشهر أو سنوات قليلة؛ ليعرف القارئ مَن هو، وما هو حمدي رزق قبل أن يرأس تحرير مجلة (المصور).
**********
حمدي رزق هذا يملك من آليات الإفراز- أي التعبير- آليتين للإفراز هما: القلم، واللسان، فهو يتمتع بطاقة هائلة تمكنه من توظيف آليتيه- بصفة دائمة- في الهجوم على "المحظورة"- يعني جماعة الإخوان المسلمين، فلا يمر يوم إلا ونضبطه متلبسًا بإفراز لساني، أو قلمي؛ محاولاً به تشويه الجماعة أو "المحظورة" كما يحب أن يصفها.
ولا أنسى لحمدي هذا يوم جلوسه في الصف الأول من الجمهور.. في برنامج "حالة حوار" وهو يستعمل "آلية اللسان"، ويقرأ في زهو وخيلاء ما سماه "وثيقةً سريةً" تمكن بطريقته من اكتشافها- كما يزعم- وهي بعنوان " فتح مصر" أو "إعادة فتح مصر"، وزعم بأنها ممهورة بتوقيع "خيرت الشاطر" النائب الثاني لمرشد الجماعة.
وبعد هذا الإفراز اللساني الرزقي خرج بعض حاضري برنامج حالة حوار، يتساءلون: إذا كانت هذه وثيقة سرية خطيرة، فكيف تمكن حمدي رزق من الحصول عليها؟ وأجمع من حضر على أنها "سُربت" إليه من جهات معروفة.. والرجل مسالم يصدع بما يؤمر، ويعرض عن كل ذي عقل ودين.
حمدي هذا لا يعترف بأن هناك سلاحًا محرمًا.. فهو يستسيغ في إفرازاته القلمية واللسانية الكذب، والمغالطة، والتزوير، والتهويش، والتهويل، وتدليك عواطف الكبار.
ونحن في السطور التالية نقدم قليلاً من إفرازاته، وهي ناطقة بسقوطه ولا تحتاج للرد عليها:
- فهو يتهم الإخوان بالخيانة الوطنية، زاعمًا أن لهم اتصالات سرية مع أمريكا، فمما جاء في أحد إفرازاته القلمية: "... لم تعد تنطلي علينا الأقلام الأمريكية التي تفرِّق بين إخوان الملك الصالح (حيث مكتب الإرشاد)، وإخوان جسر السويس (حيث مكتب الكتلة البرلمانية).. الحقيقة أنهم جميعًا إخوان، وهم لا ينكرون، والأمريكان يعرفون، فلنواجه الحقيقة.. الأمريكان يتصلون بالإخوان سرًّا وعلانيةً، تلك هي المشكلة، هل نعالجها بالإنكار أو بالاستنكار أو بالرفض، والاحتجاج، وتصدير حديث الأمن القومي المصري مقابل الأمن القومي الأمريكي..؟!
- دوني "السفير الأمريكي، يعرف والمرشد يعرف، والنظام يعرف أن الاتصالات لم ولن تنقطع، بين الإخوان والأمريكان، وما يظهر على السطح ما هو إلا قمة جبل الاتصالات، فقط ما يظهر من المياه الأمريكية العميقة التي تبحر فيها مركب الإخوان منذ أيام حسن البنا..
- مرشد الإخوان (محمد عاكف) بنفسه يعترف بالاتصالات، وبوجه مكشوف، ويصرح بأن بابه مفتوح للصحفيين والباحثين والدارسين الأمريكان، ويتجمل أمام الحكومة المصرية بأنهم- أي الإخوان- لن يلتقوا المسئولين الأمريكان إلا عن طريق الخارجية المصرية، بلاها خارجية اتصل يا مولانا وتوكل على الله" (المصري اليوم)29/5/2007م).
*********
ويصب جام حقده اللزج على "المحظورة" متهكمًا ساخرًا فمن إفرازاته:
- "لو كنت مكان مرشد "المحظورة" مهدي عاكف لجمعت ما تبقى من مكتب الإرشاد وبقايا مجلس الشورى، ولحررت بيانًا بالشكر ممهورًا بخاتم الجماعة، كما يحدث عادة في وفيات الأهرام (عاكف وإخوانه، يرفعون أسمى آيات الشكر والعرفان إلى صفوت الشريف، الأمين العام للحزب الوطني على بلاغه إلى رئيس اللجنة العليا للانتخابات، مطالبًا بشطب 17 مرشحًا من مرشحي "المحظورة"، وردت أسماؤهم على موقع (إخوان أون لاين).
وحمدي ينظر إلى الرجل "الشريف" صفوت الشريف نظرة تقدير وتقديس، ونفس النظرة لحزب "الأغلبية (!!!) المسمى "الوطني الديمقراطي" فهو صاحب الشرعية الأصيل، ويواصل حمدي إفرازاته فيقول:
- "... فالحزب بدأ يستيقظ لأساليب اختطاف الشرعية التي غفل عنها طويلاً، ويضطلع بدوره كحزب حاكم في الساحة السياسية ويصارع سياسيًّا، لا يتخفى أمام جماعة جدير بها التخفي؛ لأنها محظورة بفعل القانون.."
(المصري اليوم) 31/12/2009م).
*********
- وحمدي رزق يحمل على شعار "الإسلام هو الحل" ويحمل على الجماعة لذلك, فيقول في قناة (العربية) الفضائية "الإخوان عندما قالوا سوف نترشح لمجلس الشورى تحت شعار "الإسلام هو الحل"، في تقديري الشخصي ارتكبوا خطأً سياسيًّا فادحًا، فلو كان لهذه الجماعة عقل ما فكرت بمثل هذا التفكير العقيم الذي لا يؤدي إلا إلى إشعال نار الفتنة في المجتمع المصري" (المصري اليوم) 30/12/2007م).
*********
وفي هذا المقام أُشير إلى حقيقة معروفة وهي أن مجلة (المصور) تعتبر من أعرق المجلات في تاريخ مصر؛ ابتداءً من العشرينيات من القرن الماضي، وكان يكتب فيها كتاب أفذاذ، أمثال فكري أباظة، والدكتور أحمد زكي وغيرهما.
فلما صدرت التعيينات الجديدة لرئاسة تحرير الصحف والمجلات التي وافق عليها مجلس الشورى في 18/ 3/2009م، كان من الطبيعي أن يختار النظام الحاكم من يسيرون في ركابه، ويسبحون بحمده، على حساب القيم والأخلاقيات، فاختير حمدي رزق رئيسًا لتحرير (المصور) بدلاً من عبد القادر شهيب.
وفي هذه المجلة التي كانت عريقةً رأينا آخر إفرازات حمدي يوم الأربعاء الموافق 1/12/2010م في مجلة (المصور) التي يرأس تحريرها، فقد ظهر جلالته فيما كتب مؤرخًا وفقيهًّا وممثلاً للادعاء، ضاربًا عرض الحائط بكل القيم الشريفة, والأفكار النظيفة.
ورصد حمدي رزق أغلب صفحات (المصور)؛ للهجوم على جماعة الإخوان: مرشدًا وأعضاءً وفكرًا وعقيدةً.
فعلى صورة الغلاف صورتان مختلفتان لفضيلة المرشد محمد بديع، وفوقهما بالخط الكبير جدًّا كلمة “WANTED” وفي الربع الأخير من الصفحة مطلوب للعدالة.
وجعل حيثيات هذا الطلب:
1- إحياء وقيادة تنظيم غير شرعي.
2- جمع وغسيل أموال مجهولة المصدر.
3- التحريض على قلب نظام الحكم.
4- الدعوة إلى العنف والعصيان المدني.
5- وداخل مقالته أو إفرازه "النتن" العناوين الآتية:
- "لا شرعية للمتسللين الذين يقفزون إلى بيوتنا ويدخلونها دون أن يستأنسوا ويسلموا على أهلنا، دون أن يحصلوا على إذن للدخول، هكذا يقول الإسلام".
- لا نقول جماعة محظورة؛ لأن القضاء لم يحظرها، ولكن نقول إنها جماعة غير شرعية؛ لأنها تخالف أحكام التشريع، ومنحلة لأنه صدر قرار بحلها، وعندما جاءت فترة السبعينيات وأراد الإخوان الدخول في دائرة الشرعية لم يفهموا، ولم يستوعبوا، واتبعوا طريقة "ودنك فين ياجحا " (وفي هذه الكلمات الأخيرة يظهر الجهل المدقع باللغة، فحل الجماعة يعني أنها محلولة، لا منحلة؛ لأن منحلة تعني انعدام النظافة الخلقية، فنقول فلان منحل أي أنه لا يملك من الأخلاق ما يحفظ عليه عفته).
- "القانون العام المجرد نص في المواد 86 و86 مكرر أولاً وثانيًا من قانون العقوبات المصري، نص على أنه لا يجوز لجماعة أن تمارس عملاً سياسيًّا أو دينيًّا من غير الحصول على موافقة بذلك من الجهات المختصة، ولا يجوز لأي شخص أن يدير تنظيمًا غير مشروع، ويعاقب القانون على ذلك بعقوبات تصل إلى السجن المشدد مدة قد تصل إلى خمس سنوات أو تزيد" (وبالرجوع إلى المادة المذكورة بكل مكرراتها لم نجد فيها شيئًا مما ذكره حمدي رزق).
8- جماعة الإخوان ومرشدها بديع متهم أمام ضمير الوطن، والتهمة ثابتة والقضاء حكم عليه من قبل والأحكام أصبحت باتة ونهائية وهي عنوان الحقيقة، بديع وجماعته على رأس المطلوبين للعدالة، فهم وهو متهمون بلائحة طويلة، (وهنا وضع حمدي رزق نفسه في مأزق بشع إذ جعل من نفسه ممثل ادعاء، بل قاضيًا يحكم بأن الأحكام باتة ونهائية، أي لا تحتاج إلى مراجعة أو استئناف أو نقض).
*********
فإذا ما تركنا إفراز حمدي رزق في مقاله ومضينا في الصفحات الأخرى من مجلة (المصور) قرأنا:
1- خسارة الإخوان تغير تركيبة واهتمامات المعارضة في البرلمان، والحزب الوطني لن يضطر لضم نواب مستقلين لاستكمال أغلبيته.
2- كتيبة الهجوم الوطني أعاد المقاعد المخطوفة (يقصد الكاتب الـ88 مقعدًا التي حصدها الإخوان في انتخابات 2005م).
3- وكتب عدد من صحفيي مجلة (المصور) غثاءً في أربع صفحات تحت عنوان: "لماذا أخفق الإخوان؟" وقائع زلزال الأحد في الجماعة المحظورة، وقد جاء في مطلعه:
".. الإخوان استخدموا العنف في عدد كبير من الدوائر، وكان من الملاحظ انتشار شباب الإخوان المدربين على الفنون القتالية حول المرشحين أمام اللجان الانتخابية.. واستعانوا بالسيدات اللاتي كن يذهبن إلى المنازل لحث النساء والفتيات؛ للإدلاء بأصواتهن لصالح مرشحي الإخوان..
أسباب سقوط الإخوان كانت أقوى من كل الوسائل التي اتبعوها؛ بما فيها العنف والشائعات، وعلى رأس هذه الأسباب ابتعاد أعضاء الإخوان في البرلمان السابق عن دوائرهم، وعدم تحقيق أية إنجازات تذكر لهم على أرض الواقع.
دخلت المعركة أشد مراحلها عندما حاول الدكتور محمد سعد الكتاتني نائب الدائرة اقتحام قرية كفر المنصورة، والتي يمثلها في الانتخابات اللواء شادي أبو العلا مرشح الوطني على مقعد "الفئات" فثار عليه الأهالي، ونشبت معركة بـ"الشوم، والسنج، والمطاوي".
المرشح الإخواني محمد البلتاجي استعان بعدد كبير من شباب الجماعة المدربين على فنون الألعاب القتالية، الذي كان هدفهم حماية مرشحهم، بل والإيحاء بأنه مستهدف لذلك، وجبت حراسته وقد حرص العديد منهم على عدم التقاط صور لهم أمام عدسات الكاميرات.
اعتمدت خطة الإخوان على استخدام أسلوب المسيرات والاحتجاج العلني والرغبة في التصادم مع قوات الأمن؛ لارتباطهما بفكرة "الشهادة" في معتقدات الجماعة، والتي يتعامل معها الناخب العادي بمنطق انتخابي وليس عقائديًّا.
شباب الجماعة كثفوا وجودهم بالقرى وذلك لسهولة إقناع الناخبين ومن يتصدى لهم يتشاجرون معه، والدليل على ذلك ما حدث بلجنة مدرسة العباسية الابتدائية، والتي تبعد 25 كيلو مترًا عن مدينة فاقوس من قيام أنصار مرشح الإخوان فريد إسماعيل بالاحتكاك مع المواطنين، والتعدي على ثلاثة منهم بالضرب وإصابتهم.
4- وفي مقال طويل لسامح فهمي استغرق أربع صفحات تحت عنوان "الوزراء طحنوا الإخوان"
جاء فيه العناوين الجانبية الآتية:
- "سامح فهمي ذبح مرشحة الإخوان بأصوات إخوان البترول"، و"المحجوب لقن صبحي صالح درسًا سياسيًّا"، و"المصيلحي أسكت صوت سمري في أبو كبير"، و"حلوان عانت كثيرًا من الإهمال، نقص الخدمات، وهي المناطق التي كانت تابعة لدائرة بكري قبل إعادة تقسيمها، ولم تحظ طوال السنوات الخمس الماضية بأي اهتمام أو خدمات، وهو ما جعل أهلها يصرون على انتخاب مشعل..".
- وفي صفحة 22 كتب الصحفي عماد حبيب ما أسماه تحقيقًا كان عنوانه: الأقباط طردوا الإخوان من الكنائس.
5- وفي صفحة 24 كتبت الصحفية ماجدة محمود ما أسمته تحقيقًا تحت عنوان: "نساء الوطني كسرن ضلع الأخوات".. جاء فيه: على لسان عائشة عبد الهادي أو ما نسب لعائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة وأمينة المرأة في الحزب الوطني: "الكوتة كانت شرسة خاصةً في دوائر الإخوان، لكن المرأة في الحزب الوطني استطاعت أن تنتزع المقاعد، وهذا شيء جيد يدل على أن الحزب اختياراته صائبة بنجاح 95% من مرشحاته، في حين لم تنجح واحدة من الأخوات، وهذا يدل على وعي الناخب والناخبة المصرية، ورؤيتها أن الإخوان لا يعبرون عن الشارع المصري ولا الناخب أو الناخبة المصرية..
ونكتفي بهذا القدر؛ لنعود إلى إفراز حمدي رزق الذي استهله بقوله:
"بيننا وبينهم الجنائز" هذه عبارة شهيرة قالها الإمام أحمد بن حنبل، ومنها استوحى عبارة تصف حال جماعة الإخوان، فأقول: بيننا وبينهم القانون فالقانون يفصل بيننا وبينهم فيما كنا فيه نختلف، كبرت كلمة تخرج من أفواههم حين يقولون إن لهم شرعية في الشارع، شارعهم لا يعطي شرعيةً، إنما يعطي الشرعية الشارع الذي يشرع القوانين، ولا يحق لأحدهم أن يزعم أن الحق يجري بين يديه، ويسوقه من خلفه، ويقوده من أمامه، وأنه طالما الأمر هكذا فله الحق أن يخالف القانون أو يعلو عليه".
وأنا أقول: إن الجهل واضح فاضح فيما أفرزه حمدي في هذه العبارة؛ الإخوان هم أصحاب أكبر مساحة في الشارع المصري في الممات وفي الحياة:
أ- فقد كان عدد مَن صلى على مرشد الإخوان مصطفى مشهور، وحضر جنازته لا يقل عن 600 ألف.
ب- وهل تذكر المظاهرة المليونية التي كانت في إستاد القاهرة يوم 27 من فبراير سنة 2003م؛ لمناصرة شعب العراق وحضرها ما يزيد على مأتي ألف، أغلبهم من الإخوان، وأنا أقول مليونية؛ لأن رجال الأمن منعوا من الدخول أمثال هذا العدد، وقد رأيناهم بعد أن انتهت المظاهرة، وأذكر أنه خطب فيها نقيب الأطباء الدكتور حمدي السيد والدكتور عصام العريان، وألقيت في هذا المؤتمر قصيدةً بعنوان "رسالة إلى بوش".
وبعدها بأيام عقد الحزب الوطني مؤتمرًا أمام الإستاد، وليس بداخله حتى لا يفضح نفسه بالعدد القليل الذي أرغموه على الحضور في باصات ضخمة، وكان أغلبهم من الموظفين والعمال المرغمين بتسجيل أسمائهم وبطاقاتهم، ووقف على المنصة الممثل عادل إمام يهتف "لا للحرب ونعم للسلام"، وكانت فضيحة.
*********
ويلبس حمدي رزق مسوح الفقهاء فيقول في إفرازه "عجبت للإخوان حين يطالبون بالشرعية، وهم لا شرعية لهم، لا شرعية للمتسللين الذين يقفزون إلى بيوتنا، ويدخلونها دون أن يستأنسوا أو يسلموا على أهلنا، دون أن يحصلوا على إذن للدخول، وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ﴾ (النور: من الآية27).
- وأقول لحمدي: إنه حذف من أول الآية عبارة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا، كما أن بعدها مباشرة آيات تنظم العلائق الاجتماعية على مستوى الأسرة، وما يجب أن يتحلى به المسلم والمسلمة من تعفف وحفظ الشرف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور).
ونعود لحمدي الذي أكمل كلماته بعد هذه الآية فقال: كانت هذه الآية هي أول تشريع على وجه الأرض يضع قاعدةً لحتمية الحصول على موافقة قبل ممارسة الفعل (مع ملاحظة أنه أغفل بقية الآيات التي أشرنا إليها، وما فيها من آداب وأخلاقيات) ومن هذه الآية استمد الفقهاء كما يرى حمدي أنه لا يجوز أن يقوم أحد بأي عمل إسلامي داخل الدولة دون الحصول على موافقة، وإلا خرج على شرعية الحاكم وتبت يدا من يخالف القانون وينتهك أحكامه.
- وأقول: إني أسأل حمدي أي قانون يعني؟ هل ما يمسى بالقانون الذي نعيش تحت وطأته فيه عدل وحكمة، وبه المادة "76" و"77"، وينص كذلك على سلطات لرئيس الجمهورية لم يتمتع بها ملك ولا رئيس في تاريخ البشرية.
حتى أصبح هو الدستور والقانون وهو المرجع، وعلى مدى ثلاثين عامًا ما زال شعبنا يعيش تحت وطأة حاكم يحكمه بما يسمى قانون الطوارئ، ومتع نفسه بسلطات مذهلة نعرضها فيما يأتي:
- من بين 55 مادةًَ في الدستور المصري تتضمن صلاحيات أو سلطات اختص رئيس الجمهورية بحوالي 35 صلاحيةً بما نسبته 63% من إجمالي السلطات والصلاحيات, بينما ترك للسلطة التشريعية بمجلسيها 14 صلاحية فقط بنسبة 25%, وإذا وضع هذا الأمر جنبًا إلى جنب مع سيطرة رئيس الجمهورية واقعيًّا من خلال موقعيه الرئاسي والحزبي على السلطة التشريعية, فإن معنى ذلك هو سيطرة رئيس الجمهورية عمليًّا على 88% من إجمالي السلطات التي ينظمها الدستور، وفيما يلي بعض صلاحيات رئيس الجمهورية التي نص عليها الدستور:
1- المادة (74):
لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة؛ لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانًا إلى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يومًا من اتخاذها.
2- المادة (87):
يحدد القانون الدوائر الانتخابية التي تقسم إليها الدولة، وعدد أعضاء مجلس الشعب المنتخبين، على ألا يقل عن ثلاثمائة وخمسين عضوًا، نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، ويكون انتخابهم عن طريق الانتخاب المباشر السري العام، ويبين القانون تعريف العامل والفلاح.
ويجوز لرئيس الجمهورية أن يعين في مجلس الشعب عددًا من الأعضاء لا يزيد على عشرة.
- المادة (108):
لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية، وبناءً على تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي أعضائه أن يصدر قرارات لها قوة القانون، ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة، وأن تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها، ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض، فإذا لم تعرض أو عرضت، ولم يوافق المجلس عليها زال ما كان له من قوة القانون.
- المادة (109):
لرئيس الجمهورية ولكل عضو من أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح القوانين.
- المادة (112):
لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها.
- المادة (113):
إذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقره مجلس الشعب رده إليه خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إبلاغ المجلس إياه، فإذا لم يرد مشروع القانون في هذا الميعاد اعتبر قانونًا وأصدر، وإذا رد في الميعاد المتقدم إلى المجلس وأقره ثانيةً بأغلبية ثلثي أعضائه اعتبر قانونًا وأصدر.
- المادة (127):
لمجلس الشعب أن يقرر بناء على طلب عشر أعضائه مسئولية رئيس مجلس الوزراء، ويصدر القرار بأغلبية أعضاء المجلس.
ولا يجوز أن يصدر هذا القرار إلا بعد استجواب موجه إلى الحكومة، وبعد ثلاثة أيام على الأقل من تقديم الطلب.
وفي حالة تقرير المسئولية يعد المجلس تقريرًا يرفعه إلى رئيس الجمهورية متضمنًا عناصر الموضوع وما انتهى إليه من رأي في هذا الشأن وأسبابه.
ولرئيس الجمهورية أن يرد التقرير إلى المجلس خلال عشرة أيام، فإذا عاد المجلس إلى إقراره من جديد جاز لرئيس الجمهورية أن يعرض موضوع النزاع بين المجلس والحكومة على الاستفتاء الشعبي. ويجب أن يجرى الاستفتاء خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإقرار الأخير للمجلس، وتقف جلسات المجلس في هذه الحالة.
فإذا جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للحكومة اعتبر المجلس منحلاً. وإلا قبل رئيس الجمهورية استقالة الوزارة.
المادة (137)
يتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية، ويمارسها على الوجه المبين في الدستور.
المادة (138)
يضع رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة، ويشرفان على تنفيذها على الوجه المبين في الدستور.
المادة (139)
لرئيس الجمهورية أن يعين نائبًا له أو أكثر، ويحدد اختصاصاتهم، ويعفيهم من مناصبهم.
وتسري القواعد المنظمة لمساءلة رئيس الجمهورية على نواب رئيس الجمهورية.
المادة (141)
يعين رئيس الجمهورية رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم، ويعفيهم من مناصبهم.
المادة (142)
لرئيس الجمهورية حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وحضور جلساته، وتكون له رئاسة الجلسات التي يحضرها، كما يكون له حق طلب تقارير من الوزراء.
المادة (143)
يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين، ويعزلهم على الوجه المبين في القانون.
كما يعتمد ممثلي الدولة الأجنبية السياسيين.
المادة (144)
يصدر رئيس الجمهورية اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين، بما ليس فيه تعديل، أو تعطيل لها، أو إعفاء من تنفيذها، وله أن يفوض غيره في إصدارها. ويجوز أن يعين القانون من يصدر القرارات اللازمة لتنفيذه.
المادة (145)
يصدر رئيس الجمهورية لوائح الضبط.
المادة (146)
يصدر رئيس الجمهورية القرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة.
المادة (147)
إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون.
ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائمًا، وتعرض في أول اجتماع له في حالة الحل أو وقف جلساته، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان له من قوة القانون دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، وإذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب على آثارها بوجه آخر.
المادة (148)
يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ على الوجه المبين في القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال الخمسة عشرة يومًا التالية ليقرر ما يراه بشأنه.
وإذا كان مجلس الشعب منحلاً يعرض الأمر على المجلس الجديد في أول اجتماع له.
وفي جميع الأحوال يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة محددة، ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس الشعب.
المادة (149)
لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون.
المادة (150)
رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الشعب.
المادة (151)
رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان. وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقًا للأوضاع المقررة.
على أن معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بحقوق السيادة، أو التي تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الموازنة، تجب موافقة مجلس الشعب عليها.
المادة (159)
لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها.
ويكون قرار مجلس الشعب باتهام الوزير بناء على اقتراح يقدم من خمس أعضائه على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس.
المادة (164)
تنشأ مجالس متخصصة على المستوى القومي تعاون في رسم السياسة العامة للدولة في جميع مجالات النشاط القومي، وتكون هذه المجالس تابعة لرئيس الجمهورية. ويحدد تشكيل كل منها واختصاصاته قرار من رئيس الجمهورية.
المادة (173)
يقوم على شئون الهيئات القضائية مجلس أعلى يرأسه رئيس الجمهورية. ويبين القانون طريقة تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه. ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين التي تنظم شئون الهيئات القضائية.
المادة (182)
ينشأ مجلس يسمى "مجلس الدفاع الوطني" ويتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ويبين القانون اختصاصاته الأخرى.
المادة (189)
لكل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والأسباب الداعية إلى هذا التعديل. فإذا كان الطلب صادرًا من مجلس الشعب وجب أن يكون موقعًا من ثلث أعضاء المجلس على الأقل.
وفي جميع الأحوال يناقش المجلس مبدأ التعديل ويصدر قراره في شأنه بأغلبية أعضائه، فإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضي سنة على هذا الرفض. وإذا وافق مجلس الشعب على مبدأ التعديل، يناقش بعد شهرين من تاريخ هذه الموافقة، المواد المطلوب تعديلها، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه. فإذا ووفق على التعديل اعتبر نافذًا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.
المادة (196)
يشكل مجلس الشورى من عدد من الأعضاء يحدده القانون على ألا يقل عن (132) عضوًا. وينتخب ثلثا أعضاء المجلس بالاقتراع المباشر السري العام على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين. ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي.
المادة (204)
لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشورى إلا عند الضرورة، ويجب أن يشتمل قرار حل المجلس على دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشورى في ميعاد لا يجاوز ستين يومًا من تاريخ صدور قرار الحل. ويجتمع المجلس خلال الأيام العشرة التالية لإجراء الانتخابات.
ولا تسلني أين أعضاء مجلس الشعب أو مجلس الشورى؟ لقد صدق الشهيد هاشم الرفاعي عندما قال عن أمثال هؤلاء مخاطبًا الحاكم الأكبر:
ها هم كما تهوى فحركهم دُمـى = لا يفتحون بغير ما ترضى فما
إنا لنعلم أنهم قدِّ جُمعوا = ليصفـقوا إن شئت أن تتكلما
بالأمس كان الظلم فوضى مهملاً = واليوم صار على يديك منظما
*****
وأذكر حمدي بقول أن الإسلام يسمح بأن يقوم أي مسلم داخل الدولة بأي عمل إسلامي دون أن يستشير الحاكم يستوي ذلك عامة الناس والقادة التابعون لهذا الحاكم.
فهل هذا هو الحاكم المثالي الذي يرى حمدي أن مخالفته حرام ويجرّم في إفرازه كل عمل إسلامي يقوم به مسلم دون أخذ إذن من الحاكم. والتاريخ يكذب هذا الحمدي، وأضرب مثلاً بالمثنى بن حارثة الشيباني- رضي الله عنه- وهو من بكر بن وائل، وقد كان عظيمًا مهيبًا في قومه، وقد أسلم سنة 9 للهجرة مع وفد قومه. وكان المشهور عن (المثنى بن حارثة الشيباني البكري) أنه من أشراف قبيلته بكر وشيخ حربها ورجاحة عقله وإدارته المتميزة في المعارك.
- عندما أسلم المثنى بن حارثة كان يغِير هو ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الصديق أبا بكر رضي الله عنه، فسأل عن المثنى، فقيل له: "هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد". ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: "يا خليفة رسول الله استعملني على من أسلم من قومي أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس"، فكتب له الصديق عهدًا، وكان قد قام خطيبًا في الناس فقال: "أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، ونلنا منهم، واجترأنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعده". كل ذلك تم دون أن يستأذن الخليفة.
- ولمّا ولي عمر بن الخطاب الخلافة سيّر أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش إلى المثنى، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس بـ(قس الناطف) واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد، وجُرِحَ المثنى فمات من جراحته قبل القادسية، رضي الله عنهما...
- وكان ذلك يا حمدي قبل معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص. وما ذكرته آنفًا تم من الحارث الشيباني دون أن يأخذ رأي الحاكم فهل يكون بذلك قد خان الدولة وخرج على الشرعية تبعا لرؤيتك يا أيها الحمدي؟
- أتريد يا صاحب الإفراز إذا ما رأى مواطن مظاهر التزوير الخسيس في الانتخابات أتريد أن يذهب إلى الحاكم ليأخذ إذنه في التصدي لهذا التزوير؟ وإلا يكون خارجًا على الشرعية؟.
- وأنت يا أيها الحمدي- بمذهبك هذا- تلغي من الإسلام قاعدة مهمة جدًّا جدًّا وهي قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد صدق الإمام أبو حامد الغزالي إذ قال "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة (الضعف)، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد". (إحياء علوم الدين 7/ 1186).
- وقد قال الشهيد عبد القادر عودة- وهو أعلم الناس بالتشريع الجنائي الإسلامي- "ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حقًّا للأفراد يأتونه إن شاءوا، ويتركونه إن شاءوا، وليس مندوبًا إليه يحسن بالأفراد إتيانه وعدم تركه، وإنما هو واجب على الأفراد، وليس لهم أن يتخلوا عن أدائه، وفرض لا محيص لهم من القيام بأعبائه، وقد أوجبت الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقوم الجماعة على الخير، وينشأ الأفراد على الفضائل، وتقل المعاصي والجرائم، فالحكومة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والأفراد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبذلك يستقر أمر الخير والمعروف بين الجماعة، ويقضي على المنكر والفساد بتعاون الصغير والكبير والحاكم والمحكوم".
وقد تضافرت النصوص في القرآن والسنة تدعو المسلمين إلى أخذ أنفسهم بهذا المبدأ ومنها قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).
وفي الآية السابقة بيان الإيجاب؛ فإن قوله تعالى "ولتكن" أمر، وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حُصر وقال ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).
والله سبحانه وتعالى يلعن كفار بني إسرائيل لأنهم لم يأخذوا أنفسهم بهذه القاعدة، فيقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة).
**********
وقال النبي صلى الله عليه وسلم "لََتـَأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتـَنْهوُنَّ عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شرِارَكم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم". وهذا معناه: تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم.
وقال أبو عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه- "قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عز وجل؟ قال: رجل قام إلى والٍ جائر فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر فقتله...".
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صورتان عمليتان، وصورة شعورية: فالصورتان العمليتان على الترتيب هما التغيير باليد، ثم التغيير باللسان عند العجز عن التغيير باليد. والصورة الثالثة هي التغيير بالقلب، وهو يعني الشعور بعدم الرضى، وبالغضب والنقمة للمنكر الذي يراه أمامه، ولا يستطيع إزالته أو إبداء الرأي فيه. ونرى ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
والصورة الأولى تتمثل في موقف المسلم إذا رأى شخصًا ما يحاول أن يجبر فتاة على مصاحبته في سيارته، فعلى المسلم أن يتخذ موقفًا من المواقف الثلاثة الآتية:
1- أن يخلص الفتاة من يده بالقوة حتى لو ناله بعض الضرر، وهذا الموقف- ولا شك- يمثل أعلى درجات التغيير.
2- أن يحاول منع الجريمة بإرشاد الشاب إلى بشاعة ما هو مقدم عليه، أو يستنجد بالناس والشرطة لتخليص الفتاة. وهذا هو التغيير باللسان.
3- أن يعجز المسلم عن الموقفين السابقين بسبب ذاتي كمرض يمنعه من السعي أو النطق- مع رؤيته المنكر- أو محاولة الخاطف قتله أو قتل أحد أبنائه، أو ما شابه ذلك، فعلى المسلم في هذه الحال استشعار الغضب والنقمة على هذا المنكر وكراهيته والتقزز منه.
لكن: هل استشعار الكراهية للمنكر والغضب منه والنقمة عليه يعد تغييرًا؟
ونجيب: نعم، فهذا الشعور في ذاته- كما تقول الدكتورة نيفين عبد الخالق:- يشكل طاقة كامنة للتغيير يمكن أن تبزغ فجأة إذا وجدت الاستطاعة. وتبلور مثل هذا الشعور- إذا اتسعت دائرة الذين يلتقون عليه- يصنع ما يسمى "بالرأي العام"، وهو- من الناحية الواقعية- المنطلق إلى التغيير الفعلي الحقيقي.
ويدور في فلك هذا الحديث أحاديث كثيرة تلزم المسلم- كلٌّ في مجاله وبقدر استطاعته- بتغيير المنكر الصادر من الآخرين بإحدى الوسائل الثلاث: اليد، واللسان، والقلب... فعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم.
ووجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تغيير المنكر بشتى الوسائل- كما ذكرنا- وزيادة على ذلك عدم الركون إلى أهل المنكر أو مصافاتهم فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. ثم قال ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)﴾ (المائدة)".
وعن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة عن قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (المائدة).
قال أبو ثعلبة: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا؛ سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بل أتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر".
وفي هذا السياق أنقل لصاحب الإفراز الأسود الحمدي رزق ما جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسمة بين بعض المسلمين فبلغه أن بعضهم لم تعجبه هذه القسمة فخطب فيهم وقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء ليلاً ونهارًا"، فوقف رجل وقال: يا محمد اتق الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟". ولم يحجر على الرجل ولم يأمر بقتله.
وكذلك يواجه عمر من الرعية بقول "يا عمر اتق الله"، فيكون جوابه "ألا فقولوها، فلا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نستمع إليها".
فهل في كل ما ذكرته خروج على الشرعية لأنهم لم يأخذوا رأي الحاكم يا صاحب الإفراز الأسود.
**********
أما ما ذكرته يا حمدي في إفرازك من أن الإخوان حاولوا اغتيال عبد الناصر، فأبشر فقد حققنا هذه التمثيلية في بحث كامل وأثبتنا أنها كانت مسرحية من أولها إلى آخرها، وفيها شخصيات رئيسية، وشخصيات ثانوية مثل، شخصية العامل خديوي الصعيدي الذي يقال إنه عثر على المسدس الذي أطلق منه الرصاص فأخذه، وسار على قدميه من الإسكندرية إلى القاهرة وباع قفطانه في الطريق ليأكل بثمنه، وانتهى به الأمر إلى لقاء عبد الناصر وسلمه المسدس.
ولا يتسع المقام لنشر البحث كله. ولكنها مسرحية عيالي... عيالي جدًّا يا صاحب الإفراز.
وقد أضحكتنا حينما قلت إن من جرائم الجماعة المحظورة كراهية نظام الحكم بل والتحريض على الانقلاب عليه؛ "لأن الحكم بطبيعته غير قابل لأن يقلب، لأنه بطبيعته مقلوب مقلوب مقلوب يا ولدي".
**********
* ويبقى بعد ذلك سؤال يفرض نفسه خلاصته: ما الذي يدفع حمدي رزق إلى الانزلاق، بل السقوط إلى هذه الهاوية الكذوب؟
إنها أسباب متعددة ولكنها متلاحمة متمازجة، وتتلخص فيما يأتي:
1- الشعور الحاد بالتعملق وإثبات الوجود، وصحيفة أحواله طيلة حياته الصحفية تكشف عن محاولات شد النظر إليه كاتبًا ومحدثًا.
2- السطحية الثقافية دفعته إلى خوض غمار موضوعات يكاد لا يفقه فيها، أو فيما ورائها شيئًا.
3- النفعية فكل إفرازاته- كاتبًا ومحدثًا- تهدف إلى الانتفاع "والوصول" إلى تحقيق أكبر قدر من الانتفاع الذي توجه بتعيينه رئيسًا لتحرير مجلة (المصور). ولا يهمه من أجل ذلك أن يضحي بالقيم الإنسانية والفكرية مستحلاً النفاق والرياء والكذب وتجريح الآخرين.
--------------------