إن هذه الخواطر والمشاهد السريعة لن تفي هؤلاء الرجال- القدوة- حقهم، ولكن لعلَّها تفي لنا ببعض الزاد التربوي الذي يزيدنا ولاءً وثباتًا وحبًّا لهذه الدعوة المباركة، أو توضح لنا بعض معالم طريق الدعوة والجهاد في سبيل إقامة هذا الدين، أو تزيدنا يقينًا بحتمية التمكين لدين الله في الأرض، أو لعلَّ هذه الخواطر تكون دافعًا للإخوة؛ لأن يكتبوا عن من عايشوهم من إخوانهم، فتكون زادًا لنا، ولمن بعدنا على طريق الدعوة إن شاء الله.
الأستاذ صبري عرفة الكومي- أطال الله عمره.. داعية يربي رجالاً
التلميذ والأخ المقرب للشهيد سيد قطب عليه رحمة الله، كان من مسئولي تنظيم الإخوان في الستينيات من القرن الماضي بتوجيه من الشهيد سيد قطب وتكليف من الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين عليهما رحمة الله، اعتُقل عام 1965م؛ ليدخل محنة من أشد المحن التي مرَّت على الدعوة الإسلامية, ويحكم عليه القضاء الاستثنائي بالإعدام مع الشهداء سيد قطب، ومحمد هواش، وعبد الفتاح إسماعيل؛ ولكن لحكمة يعلمها الله عزَّ وجلَّ ولدور ما زال في علم الغيب يُخَفَّف الحكم إلى المؤبد، ويدخل السجن فيؤدي دوره الذي أُعِدَّ له كمعلم ومربٍ؛ فيحتضن إخوانه برفق ويَعْبُر بهم محن السجن بسلام والتي كانت أشدها "محنة التكفير" التي تصدَّى لها حتى عاد كثير من الشباب إلى الفكر الإسلامي الوسطي للإخوان، كما تعلَّموه من مدرسة النبوة الكريمة، ويخرج أستاذنا في بداية السبعينيات ليربي جيلاً بل أجيالاً كاملة على الإسلام والدعوة إليه والتضحية في سبيله، رزقنا الله- سبحانه- وإياه الثبات اللهم آمين.
تربية ربانية في مدرسة القرآن والسنة ومقاصد الشريعة:
أستاذنا الفاضل المربي الجليل، صبري عرفة الكومي مدرسة ربانية ربَّت أجيالاً على مائدة القرآن الكريم والسنة المطهرة ومقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، فأنارت عقولاً وزكت أنفسًا، وأسست حركةً دعويةً دقيقةً واعيةً.
تعلَّم تلامذته من خلال تفسيره لآيات القرآن الكريم العقيدة السليمة، والعبادة الصحيحة، والحلال والحرام، وانتماءهم إلى ركب الأنبياء والصالحين من عباده عليهم السلام، وكيف تحرَّك هذا الركب بالدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ؛ مؤصلاً فقه الدعوة الإسلامية في عصرنا هذا، كما نادى به الإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله تعالى.
تعلم تلامذته تزكية النفس، وكيف يتخلى المسلم عن الأخلاق غير الحميدة؟ وكيف يتحلى بالأخلاق الطيبة؟ وذلك من خلال مواعظه القيمة من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي عليه رحمة الله.
![]() |
|
م. أحمد شوشة |
تربية متوازنة:
لقد كان وإخوانه وتلامذته نجومًا تتلألأ في سماء التربية، بهرت بضوئها الساطع جلاديه، حتى إن أحدهم- صفوت الروبي أو شمس بدران- يوجه إليهم أقزع الكلمات لتفوقهم الدراسي، وتقاريرهم الوظيفية والمهنية الممتازة، ودرجاتهم العلمية المميزة، وثناء رؤسائهم وإشادتهم بتفانيهم في العمل، حتى إنهم يعملون في أوقات الإجازات المستحقة، فضلاً عن رفضهم الحصول على إجازات استثنائية، متعجبًا من هذا التوازن بين تمسكهم بالدين والتضحية من أجله، والتفوق الوظيفي والاجتماعي، وغاب عن هذا المسكين أن هذا هو الإسلام.
تربية شاملة متدرجة عملية:
تلك التربية الشاملة المتدرجة العملية المؤثرة في جميع مجالات الواقع الإنساني عمادها المعايشة الكاملة، فتراه إما زائرًا أو مُزارًا، يجالس الإخوان ويؤاكلهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم على غير تكلف، كأنه واحد منهم وهو الأستاذ المربي.
فلم تكن تربيته معلومات تُسكب في العقول ولكن أداء عمليًّا متلازمًا مع المعرفة لا يسبق أحدهما الآخر، فلا المعرفة تسبق الواقع ولا الواقع يتخلف عن المعرفة.
تربية أساسها المعايشة:
ولذلك كانت تربيته أساسها معايشته لإخوانه وتلامذته كواحد منهم في تواضع الأساتذة العظام، يتعرَّف على تلامذته عن قرب، ويناقشهم في واقعهم العملي الحياتي والدعوي، يرشدهم ويصوبهم إلى الذي تُرْشِد إليه الشريعة، فهي تربية عمادها معايشة المربي لتلامذته؛ تأسيًا بمدرسة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين من بعدهم عليهم رضوان الله.
لم يتأخر يومًا عن تلبية دعوات إخوانه وتلامذته بل أحيانًا يفاجئهم بزيارته لهم؛ ليتعرف عليهم عن قرب، وليقضي معهم أوقات لطيفةً، يؤلف القلوب، وينثر بذور الحب والود، فتنبت إخوة دونها الدنيا وما فيها، وتفتح في الوقت نفسه القلوب والعقول للتوجيه والإرشاد.
أما إخوانه الذين توفاهم الله سبحانه أو استشهدوا فكان راعيًا لأسرهم، يتعرف على مشكلاتهم، ويستطلع أحوالهم مقدمًا لهم النصح والعون.
هكذا وجوده مع الإخوان جميعًا في معايشة لا تمل ولا تتراخى مهما كانت الظروف.
تربية أساسها الثقة المتبادلة:
وهي كذلك تربية أساسها الثقة المتبادلة؛ فإنك إن جلست إليه أشعرك أنك صاحب الدعوة ومسئولها، فيرتفع بك إلى آفاق رحبة تنطلق فيها داعيًا إلى الله على بصيرة في همة وعزيمة.
فإذا ذهبت إليه تعرض عليه أمرًا من الأمور؛ لتعرف رأيه ابتدرك بسؤالك عن أحوالك العلمية والاجتماعية والمهنية وغير ذلك، ثم يستمع إلى ما جئت من أجله، فإذا عرضت عليه الأمر كان أول ما يبدأ به التعرف على وجهة نظرك ثم يدير حوارًا معك، حتى يصل بك إلى الرأي المناسب.
وبهذه الطريقة يرتفع بك من درجة الأخ الأصغر إلى درجة الأخوة التي يتناصح من خلالها أخوان ليصلا معًا إلى الرأي المناسب.
وبذلك يربي إخوانه على متابعة أحوالهم بعضهم بعضًا، وكذلك تربيتهم على طريقة التفكير العلمية لحلِّ المشكلات، وكيف يكون التفاهم وإدارة الحوار، وأيضًا غرس الثقة في أنفسهم، وبناء شعور قوي لديهم بأنهم رجال الدعوة المشغولون بها، والذين يفكرون لها، وأنهم هم أصحاب القرار.
فإذا وصل معك إلى الرأي وكوَّن هذا الشعور لديك كنت في قمة الثقة بالنفس، وقمة العاطفة التي تطلق طاقات التنفيذ بكلِّ قوتها الكامنة داخل النفس البشرية.
تربية دائمة:
ثم إنها تربية دائمة، فترى بيته مفتوحًا لإخوانه كبيرهم وصغيرهم في كلِّ وقت من ليل أو نهار، قبلة للصالحين فلا تغلق دونهم الأبواب، ولا تمتنع عنهم وسائل الاتصال، مُرَحِّبًا بهم في بشاشة ورحابة صدر، ومحبة صاحب الدعوة الذي يُدْرِك حاجة الناس، لمن يترفق بهم ويربط على قلوبهم، فجزاه الله عنَّا خير الجزاء.
أيها الأحباب:
لقد عشنا معه زمنًا من الدهر- زاد عن الخمسة والثلاثين سنة- فما رأيناه إلا متابعًا سائلاً عن أحوالنا، موجهًا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وما زال بيته مفتوحًا، نذهب إليه لنتلمس عطاءه الذي لا ينقطع، أطال الله عمره.
ولقد انسكبت الدموع من عينيه عندما علم بالأحكام القاسية في قضيتنا هذه تثبيتًا لنا على طريق طويل شاق، نسأل الله لنا وله الثبات بفضله وجوده وكرمه، وأمد الله في عمره، وجمعنا وإياه في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله.
قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسًا وعقولا؟
سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى
وفجرت ينبوع البيان محمدًا فسقى الحديث وناول التزيلا
الشاعر: أحمد شوقي عليه رحمة الله.
الأستاذ سعد سرور كامل.. عليه رحمة الله
الشاعر الصابر وبشائر القبول:
انضمَّ إلى الإخوان المسلمين عام 1942م فكان من دعاتها المتميزين حتى اعتقل عام 1954م، وحكمت عليه المحكمة بخمسة عشر عامًا، ولكنه قضى في سجون الظالمين ثمانية عشر عامًا صابرًا محتسبًا؛ ليفرج عنه عام 1972م ثابتًا حاملاً لواء الدعوة داعيًا إلى الله على بصيرة إلى أن لقى ربه عام 1993م شهيدًا، وقد صدمته سيارة أثناء عبوره الطريق.
الشاعر الصابر المحتسب:
لقد كان- بلا منازع- شاعر الدعوة والمحنة في سجون الطغاة، فكان يلقيها أزجالاً أو إنشادًا بصوت الأخ: أحمد حسين عليه رحمة الله، فتلهم الإخوان الثبات على الحقِّ ومن هذه الأزجال:
من قصيدة: محلاها والله الزنزانة:
محلاها والله الزنزانة مزنوقة ولكن سايعانا
والقعدة فيها عجبانا وقلوبنا سعيدة وفرحانة
النومة على الأبراش حلوة وبقينا مع الله في خلوة
وكتاب الله أجمل سلوى وآياته تنور دنيانا
من قصيدة: على المحاريق:
ع المحاريق ع المحاريق ربك بكرة يفك الضيق
والله رجعنا للزنازين أوعى تكون مهموم وحزين
شد العزم وقول يا معين
لف النمرة ويالا قوام واتقل واصبر على الأيام
وابقى في وقت الحق جريء
ومن أزجاله عليه رحمة الله:
بين الجنة وبين النار ليه الناس دايمًا تحتار
فكر حبة تروح الجنة ما تفكرش تروح النار
خلي لسانك دايمًا طاهر وأوعى الغيبة ولحم أخوك
تحفظ غيبته تروح الجنة تنهش لحمه تروح النار
فكر حبة وشغل عقلك شوف الأحسن إيه واختار
ولقد سجل عليه رحمة الله هذه الأزجال في كُتَيب أسماه "خواطر مسجون"، وقبل وفاته عليه- رحمة الله- سجلها بصوته في خمسة أشرطة بعضها إلقاءً وبعضها إنشادًا ولكن للأسف نفدت الكتيبات والأشرطة من الأسواق.
"والأزجال السابق ذكرها منقولة من موقع "ikhwan wiki" من مقالة للأستاذ عبده مصطفى دسوقي جزاه الله خيرًا.
الداعية المحب الموفق:
كان- عليه رحمة الله- حريصًا على الشباب ذكورًا وإناثًا يلتقي بهم ليبين لهم عظمة هذا الدين، فإذا زرته استقبلك بابتسامته المشرقة ونظراته الدافئة، فكأنك تعرفه منذ سنوات متحدثًا معك حديثه الهادئ وكلماته الحانية ومشاعره الراقية؛ لتصبح أحد أفراد أسرته يتحدث معك عن مشاغلك ومشاغله بقلب الداعية وعقل الأستاذ وخبرة المجاهد ورقة الشاعر.
بشائر القبول:
عندما توفي شهيدًا عام 1993م إثر حادث سيارة ودخل جثمانه القبر كانت من كرماته أن غمر القبر ضوءًا خافتًا كضوء النهار قرب الغروب فكانت- إن شاء الله تعالى- له بشرى الفوز بجنات الرحمن بفضله وجوده وكرمه.
إخواني إخواني دول أهلي وخلاني
أفديهم بعنية وحياتي ووجداني
القلب بيهواهم مش ممكن يسلاهم
حبوني وحبتهم يا حلاوة عشرتهم
انصرهم واحميهم واحفظهم في غيبتهم
والعهد إللي في قلبي متوصل بقلوبهم
**************
ولا ننسى أن الأستاذين الكريمين نتاج تربية المدرسة الربانية التي أحياها الأستاذ البنا عليه رحمة الله على منهج القرآن وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
-----------
* هذه المقالات كُتبت خلف الأسوار منذ ما يقارب العام وقدر الله عزَّ وجلَّ أن ترى النور بعد أن فرَّج الله عن صاحبها، ونسأل الله العظيم أن يفرِّج عن الأخوين م. خيرت الشاطر و أ. حسن مالك؛ لتنتهي هذه المأساة الوطنية المسماة بالقضية العسكرية رقم 2 لسنة 2007م.
