يمثِّل المشروع الإسلامي في أساسه محاولةً للتصدي للوضع الراهن، لإصلاحه وتغييره، فهو مواجهة لواقع تميَّز بسيادة النمط القومي العلماني للدولة، وتزايد النفوذ والهيمنة الغربية، وتحالف النخب الحاكمة مع القوى الغربية؛ مما ساعد على تفشي الاستبداد السياسي، ومعه انتشر الفساد، وتدهورت أحوال أوطان الأمة الإسلامية؛ فهو مشروع للإصلاح الحضاري الشامل، المستمد من المرجعية الإسلامية، وهو أيضا مشروع يواجه رفضًا غربيًّا واضحًا، فالدول الغربية، خاصةً الحلف الأمريكي "الإسرائيلي"، ترفض قيام النموذج الإسلامي؛ لأنها تعتبره نموذجًا مستقلاًّ عنها، وربما يهدد مصالحها، ويهدد بالطبع هيمنتها الحضارية والسياسية والاقتصادية.

 

لذا يعد المشروع الإسلامي بديلاً حضاريًّا، يختلف عن النموذج الغربي الحضاري.. وهو لهذا يمثل محاولة لبناء ذات الأمة من خلال مرجعيتها، ودون الاعتماد على مرجعية الغرب، بل هو مشروع للاستقلال الحضاري عن الغرب، لبناء نهضة حضارية مستقلة للأمة الإسلامية، تقدم فيها الأمة الإسلامية تميزها الحضاري الخاص بها، لتصبح نموذجًا له دوره العالمي في التاريخ البشري.

 

ولكن التحديات التي تواجه المشروع الإسلامي، تجعله يبحث عن البدائل الممكنة حتى يستطيع تحقيق الانتشار، ومن ثم السيادة.. وتتواجه البدائل والمواقف من داخل المشروع الإسلامي نفسه، لتصنع حالة من المواجهة الداخلية، يغلب عليها التنافس أحيانًا، ويغلب عليها الصراع أحيانًا أخرى.

 

ولكن تلك البدائل تظهر بقدر ما يواجه المشروع الإسلامي من تحديات، فهي في أغلبها محاولات لتمرير المشروع الإسلامي، أو محاولات لحماية هذا المشروع، أو محاولات لنشره بين الناس وتوضيح فكرته.. فالخلاف داخل المشروع الإسلامي، يبدأ في أحيان كثيرة، كخلاف على كيفية التعامل مع الواقع، ثم يتمدد الخلاف حتى يصبح خلافًا فكريًّا وسياسيًّا.

 

لا نعني بهذا أن الخلافات تبدأ حركية فقط، فبداخل كل منظومة العديد من الأفكار، والتي تمثل تنوعها الداخلي.. والفكرة الإسلامية لها تياراتها المتعددة، عبر كل التاريخ.. وهناك مدارس إسلامية مختلفة، وهي جزء من التنوع والثراء الداخلي للفكرة الإسلامية.. ولكن هناك خلافًا آخر له آثار مختلفة، وهو الخلاف على كيفية التعامل مع الواقع، ومواجهة التحديات التي تعترض طريق الحركة الإسلامية، وتمنعها من تحقيق مشروعها على أرض الواقع.. وتلك الخلافات، والتي تبدأ في منهج الحركة، تنتهي أحيانًا بخلافات فكرية، ويمكن أن تتحول إلى صراعات داخل الساحة الإسلامية نفسها.

 

لذا يمثل الخلاف حول المواقف والسياسات والإستراتيجيات بعدًا مهمًّا، يشرح المواقف والاستجابات المختلفة للحركة الإسلامية ورموزها، في مواجهة ما تواجهه من تحديات.. ولكن تلك الاستجابات لا تعبِّر فقط عن حالة تنوع، بل تعبِّر أحيانًا عن خلافات بين الحركات الإسلامية تعوق تعاونها، وتمنع التنسيق بينها.. وتتحول تلك البدائل إلى مشاريع مطروحة، قد يصبح كل منها رصيدًا مضافًا للآخر، وقد يصبح خصمًا من رصيده.

 

ولكن الأمر لا يتوقف فقط على خلاف المناهج والأفكار؛ لأن الاختلافات حول الفكرة الإسلامية، تصل في مرحلة من مراحلها إلى اختلاف حول أسس المشروع الإسلامي، وهنا يحدث التباس حول أسس المرجعية الحضارية الإسلامية، والمقومات الأساسية لها، والعناصر اللازمة لوجودها.. وعندما يحدث اختلاف على أسس المشروع نفسه، يحدث اختلاف حول الصورة المستقبلية المنشودة للمشروع الإسلامي.. فتدخل الفصائل والتيارات المختلفة داخل المشروع الإسلامي في مرحلة التنافس، رغم أن مجمل الأوضاع السياسية تحت الحكم المستبد لا تعرف التنافس السياسي الحر.

 

وهنا تبدو الفرق الإسلامية وكأنها في حالة تنافس على تمثيل المشروع الإسلامي، ثم يرى فريق أن الفرق الأخرى تضر مشروعه وتسيء للمشروع الإسلامي، أو تعطل ما يستطيع القيام به من اختراقات للوضع الراهن.. وتصبح تهم التطرف والتشدد الصادرة من أطراف إسلامية، تنافس الاتهامات الصادرة من النخب العلمانية للتيارات الإسلامية.

 

وإذا كانت بعض الجهات الغربية أو التيارات السياسية في الغرب، ومعها النخب العلمانية في البلاد العربية والإسلامية، وكذلك النخب الحاكمة، تصدر اتهامات التطرف والتشدد على كل من ينتمي للمشروع الإسلامي، إلا أن تلك الاتهامات الصادرة من داخل الساحة الإسلامية، تثير الانتباه.. فعندما يحاول فريق إسلامي اتهام الفرق الأخرى بأنها متطرفة، فهو بهذا يحاول وضعها في خانة الاتهام، حيث يوافق الطرف العلماني على اتهاماته لها بالتطرف، ويسهل إدانتها من النخب الحاكمة أو المؤسسات الغربية.. وتلك الاتهامات التي تصدر بالتطرف من قبل طرف إسلامي، تهدف إلى تشويه صورة فريق، والتقليل من شأنه بين الناس، ومنافسة هذا الفريق الذي تتهمه بالتطرف لكسب تأييد الناس لها.

 

والاتهام بالتطرف يقابله الاتهام بالخروج على المشروع الإسلامي.. فتجد فريقًا يتهم فريقًا آخر، بأن أفكاره لا تعبر عن المشروع الإسلامي، وفي ذلك محاولةٍ لمنع تأثر الناس بأفكار هذا الفريق المتهم بالتساهل، حتى لا يؤثر على جماهير التيار الإسلامي.. وهي محاولة لإزاحة فريق عن المجال الإسلامي، لصالح فريق آخر.. وكل فريق يريد أن يكون ممثلاً للتيار الإسلامي العريض، ويريد أن تكون فكرته معبرة عن أسس المشروع الإسلامي؛ بحيث يصبح هو التعبير الأدق عن الرؤية الإسلامية.

 

ليس من الصعب تصور تعقد تلك الحالة؛ لأنها في الواقع قد تضعف من كل الأطراف، لصالح الخصم السياسي، وهو في هذه الحالة المشروع العلماني.. ولكن في المقابل لا يمكن تصور حدوث توافق بين كل الأطراف، والمشروع الإسلامي يواجه تحديات جسيمة؛ لأن تلك التحديات في حد ذاتها، هي التي تفجر الاختلافات ومن ثم الخلافات؛ لأن الطرق المسدودة أمام المشروع الإسلامي، هي التي تدفع للبحث عن سبل لفتح تلك الطرق، أو سبل لتقوية المشروع الإسلامي وجماهيره، حتى يستطيع تخطي الحواجز التي يواجهها.

 

وتمثل تلك الاختلافات داخل المشروع الإسلامي، واحدة من العوامل المؤثرة على مستقبله ومآله، لذا فهي اختلافات تستحق الرصد والتحليل.. والمقصود هنا ليست الاختلافات في الجانب الديني، بل الاختلافات في الجانب الحركي، السياسي والاجتماعي، أي في جوانب تنفيذ المشروع الإسلامي على أرض الواقع.. وأهمية رصد تلك المواقف، أنها تكشف مسار تبلور مرتكزات المشروع الإسلامي سياسيًّا والملامح التي سوف تستقر، ويمكن أن تكون سائدة وغالبة في النهاية، كما تكشف عن الملامح المتنحية وغير السائدة، والتي قد ترتبط بمرحلة معينة.

 

كما يمكن من رصد الخلافات بين الفصائل الإسلامية، معرفة مآل المناهج المختلفة في التعامل مع الواقع المعقد، والذي يمثل تحديًا للمشروع الإسلامي؛ لأن قوة المعوقات التي تقف أمام المشروع الإسلامي، هي التي أفرزت جزءًا كبيرًا من التباين بداخله؛ لذا يصبح رصد تلك التباينات مهمًّا، لكشف العلاقة التفاعلية بين المشروع الإسلامي والتحديات التي تواجهه، وهل تنتصر تلك التحديات في نهاية الأمر أم ينتصر المشروع الإسلامي؟ وهل تخترق تلك التحديات المشروع الإسلامي، أو يتجاوزها المشروع الإسلامي؟!.

 

ورصد تلك العلاقة التفاعلية بين المشروع وتحدياته، تفتح الباب أمام معرفة صور تحقق المشروع الإسلامي على أرض الواقع في المستقبل، ونتائج المواجهة بين المشروع الإسلامي وخصومه، وتأثيرات ذلك على المجتمع.. فالحاصل أن المشروع الإسلامي بات الفاعل الرئيسي في الساحة العربية والإسلامية، وبات المحرك الأساسي للأحداث؛ حيث تأكد أنه بديل رئيسي في معركة المستقبل؛ لذلك يصبح التفاعل بين المشروع والمشاريع الأخرى المواجهة له، يفتح الطريق أمام فهم دور المشروع الإسلامي في المستقبل، ويصبح فهم تأثيرات تلك التحديات على الداخل الإسلامي، بمثابة مفتاح لفهم الاختيارات الإسلامية، التي قد تتحول في المستقبل إلى تيار سائد، وربما حاكم.

وإلى المقال القادم..