المعنى اللغوي "للشعار" هو ما التصق بالبدن مباشرةً من الثياب، وتُطلق كلمة الشعار اصطلاحًا على المفردات الآتية:
1- العلامة التي ينصبها الجنود، أو يحملونها في الحرب؛ كراية ذات لون معين، أو عبارة معينة، ليعرف بها الجندي فريقه، وقد يكون ذلك في السفر أيضًا.
2- الهتاف الذي تعلو به أصوات الجنود- في الحرب غالبًا- تعبيرًا عن قوة العقيدة، ورسوخ الإيمان، ولتحميس الجنود، ورفع معنوياتهم، وبثِّ الخوف في نفوس الأعداء، وهو كذلك الهتاف الذي يردده جمهور أو تجمع معين تعبيرًا عن توجه حزبي، أو وطني.
3- العلامة الرسمية المطبوعة التي تدل على الدولة، وغالبًا ما تكون في علمها، كعبارة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في علم السعودية، والنجمة السداسية في علم دولة العدوان الصهيوني، وقد يكون الشعار لجماعة من الجماعات؛ كالسيفين يعانقان المصحف، شعار الإخوان المسلمين، وفي الوقت الحاضر نرى كل محافظة من محافظات مصر تتخذ لنفسها شعارًا يمثِّل- غالبًا- أهم منتج لها في مجال الصناعة أو الزراعة.
4- العنوان الذي يدل على موضوع محوري، يناقش في مؤتمر عام، كأن ينعقد المؤتمر تحت شعار "الحضارات حوار لا صراع"، أو شعار "سلام بلا تنازل"، أو شعار "حرية التعبير.. لا حرية التدمير".
والشعار بصفة عامة يجب أن يتسم بالسمات الآتية:
1- الإيجاز والتركيز.
2- قوة التعبير، وصدق الدلالة في الشريحة الزمانية التي يُطرح فيها على الأقل.
3- الوضوح بحيث يكون مفتوحًا مفهومًا للجماهير.
****
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم شعاراته في غزواته، مثل "أحد أحد"، و"يا منصورُ أمِت"، و"الله أكبر خربت خيبر".
وفي أيامنا هذه التي نعيشها تحت وطأة الحزب الوطني نجد حملةً ضاريةً على شعار "الإسلام هو الحل"، بتهمة أنه شعار ديني، يدعو إلى الفتنة الطائفية.
ونسي هؤلاء أن هذا الشعار يتفق مع نص المادة الثانية من الدستور، وفي الأيام الأخيرة رأينا مرشحي الحزب الوطني يسبقون وينتقون لأنفسهم شعار "الهلال"، مع أن الهلال في أصله شعار ديني من أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد استطاع الأستاذ محمد رحماني أن يؤصِّل هذا المفهوم بتحقيق ناضج على مدار التاريخ، ونقتطف من تحقيقه هذا الحقائق الآتية:
1- ارتبط شكل الهلال بالمجتمع الإسلامي ارتباطًا وثيقًا، حتى صار دلالةً على دين الإسلام وشعارًا له، يرفع فوق المنائر والقباب، وزينة تزين بها الأغطية والأقمشة والثياب، فكان من الجماليات الرئيسية في تزيين كسوة الكعبة أيام الخلافة العثمانية، حيث كان غطاء الكعبة يزين بالديباج الأحمر المطرز باثني عشر هلالاً من الذهب، داخل كل هلال أترجة ذهب مشبك؛ وذلك لما يحمله الهلال من معانٍ لدى المسلمين من ارتباطه بشهر رمضان، والإعلام بدخول الأشهر الحرم وغيرها من الشهور، فكان الهلال بذلك رمزًا للحضارة الإسلامية، ويكاد يجمع علماء التاريخ على اختلافٍ في تاريخ ظهور هذا الشعار وارتباطه بالعالم الإسلامي وكيفية منشئه، ومدى تحديد مدلولاته.
2- وتاريخ ظهور الهلال شعارًا كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كزينة في الرايات التي كان يعقدها لأصحابه.
جاء في الإصابة: "سعد بن مالك بن الأقيصر أبو الكنود، قال ابن يونس: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وعقد له راية على قومه سوداء فيها هلال أبيض، وشهد فتح مصر وله بها عقب".
3- وجاء في تاريخ ابن عساكر "عن وحشي بن حرب أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثنين وسبعين رجلاً من الحبشة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قوَّده عليهم، وعقد له راية صفراء ذراعين في ذراعين، وفيها هلال أبيض وعذبتان سوداوتان".
4- قيل ظهر الهلال مع الفتوحات الإسلامية، وذلك أن المسلمين لما فتحوا بلدان الغرب والإفرنج وجدوا على كنائسهم الصليب، فأرادوا أن يجعلوا على منائر مساجدهم شيئًا، فجعلوا الهلال.
5- وقيل ظهر مع إسلام التتار، قال الرمزي في كتابه (تلفيق الأخبار وتلقيح الآثار في وقائع قزان وبلغار وملوك التتار): "وقال ابن فضل الله العمري: وحدثني الفاضل شجاع الدين عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان أن مدينة سراي بناها بركة خان على شط نهر إتل، وهي أرض سبخة بغير سور، ودار الملك بها قصر عظيم على عليائه هلال ذهب زنته قنطاران"، قال المحقق إبراهيم شمس الدين "فهذا صريح في أن اتخاذ الشكل الهلالي في علياء البيوت ورءوس المنائير عادة باقية من قدماء التتار، لا أنها مأخوذة من القياصرة كما زُعِم، وقد قدمنا أنها باقية من "أغوز خان"، وهو كذلك.
ولا يكاد يختلف اثنان في أن لكلِّ رمز دلالة ومعنى، وقد اعتبر الهلال رمزًا وشعارًا للحضارة والعمارة الإسلامية، وإن اختلف في نوعية الدلالة، أما شعار النصرانية فهو الصليب بلا خلاف، فالهلال والصليب إذن شعاران دينيان متقابلان: إسلامي ونصراني. وأذكر الأدعياء بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116)﴾ (النحل).
وأخيرًا نقول لهؤلاء من أدعياء الديمقراطية والشفافية والنزاهة الذين يستحلون لأنفسهم ما يحرمونه على الآخرين: شيئًا من الصدق والحياء... يا هؤلاء.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
-----------------
*komeha@gmail. comg