الصورة غير متاحة

 م. محمد كمال

أحترم أناسًا صالحين، لهم رغبة في إصلاح المجتمع، ولكنهم آثروا العمل الإسلامي (الآمن)، وأخذوا قرارهم- منذ البداية- بالابتعاد عن معارضة النظام أو إغضابه.

 

وأحترم آخرين، قارعوا الظلم، ودفعوا أثمانًا من حريتهم ووظائفهم وأموالهم، ولما أنهكتهم الآلام آثروا أن يحتموا بحضن الدعوة.. ولكن بعيدًا عن مواطن المواجهة.

 

وأحترم آخرين، شعروا بعدم القدرة على استكمال الطريق.. فاختاروا الرحيل برجولة.. غير مثبِّطين العزائم، ولا متنكرين لإخوانهم.. أو مبادئهم.

 

غير أن من أصحابنا من ذاقوا مرارة الاستبداد وعصاه الغليظة، فقاوموه حتى إذا وجدوا الطريق مسدودة أمامهم فتشوا في أنفسهم ومبادئهم وجماعتهم، لا يريدون الاعتراف بـ(لحظة ضعف)، ولا يريدون (استراحة محارب).. ولكن أرادوا تغيير قواعد اللعبة كلها.

 

فهم ينتقدون التاريخ والأشخاص، ويشككون في القيادة، وفي الممارسات، وفي طرق التفكير، وفي المقابل لا تجد بأيديهم منهجًا حقيقيًّا (لإصلاح) الداخل بعد أن شعروا باليأس من (إصلاح) الخارج.

 

وإذا قلت لهم هذا تراجع.. قالوا بل وجهة نظر.

وإذا قلت لهم هذا تثبيط للهمم.. قالوا بل هو توعية للصف.

وستلمح خليطًا من المنهجية الليبرالية متداخلاً من النهج الإسلامي، والاستدلالات جاهزة.. وليس أكثر من الكلام حين يتوقف العمل.

 

وبعض أصحابنا، رجال ذوو خبرة وتجربة ناجحة في العمل الإسلامي، استطاعوا أن يفوزوا في أغلب مواطن النزال مع الخصوم السياسيين، لكنهم مع كل نجاح في العمل والالتحام بالجماهير ينسون فعل الزمن.. مر الزمن وسرقهم واكتشفوا فجأةً أنهم لم يسلحوا أنفسهم بالعلم الذي يمكنهم من منازلة خصومهم (فكريًّا) ذلك أن خصومهم الفاشلين في (العمل) السياسي أصبحوا رموزًا في (الفكر) السياسي، بل استعانوا بصنعة الكلام وغزارة الثقافة في خدمة فكرهم الذي هو أصلاً متهافت وضعيف، أما أصحابنا ذوو الفكر الإسلامي المتين فلم يستطيعوا أن يخدموه حين شابت رءوسهم، وتطلب الأمر منهم عرض الدعوة على المثقفين والنخبة.. ونسي إخواننا أن ريادتهم في "العمل" لا تؤهلهم بالضرورة إلى ريادة في "الفكر والثقافة".. فشعروا بهزيمتهم.. وتصوروا أن الدعوة انهزمت في أشخاصهم.. فلم يكونوا يعلمون مدى التطور الذي حدث في رجالات الدعوة؛ ولو أنهم تواضعوا ووثقوا في أنفسهم ودعوتهم لرءوا بأعينهم من هو مؤهل للنزال العلمي، ولإحراز انتصارات في ميدانه من أبناء الدعوة.

 

ومن هؤلاء إخوة، فعلت يد البطش فعلتها بهم، وبدلاً من اللجوء إلى الله ليثبت القلوب، ويجبر الكسور، ويدفع اليأس.. إذ بهم يستمعون إلى مطالب المستبد، ويفكرون في شروطه.
المستبد يعلن أن مشكلته مع الجماعة أمران: العمل السياسي.. والتنظيم.

 

وقاوم أصحابنا مع الجماعة.. ثم توقفوا.. ثم رددوا نفس الأسئلة:

 

لماذا العمل السياسي؟ ولماذا التنظيم؟

العمل السياسي أضاع التربية.. والتنظيم أعادنا إلى أجواء النظام الخاص؛ هكذا يقولون.. وهكذا سمعناها من إعلام الحكومة ومفكريها.. ومن أمن الدولة.

 

وأما الرد على السؤالين فأتركه لأشبال الدعوة.. وأما تركيزنا- هنا- فعلى القضية المحورية التي تسببت في ارتباكهم قضية العلاقة مع النظام؛ ولنكن صرحاء.. القضية ليست اختيارًا لنهج أفضل، أو تسابقًا على التقييد بالفهم الصحيح للإمام البنا!!.. ولكنها محاولة للخروج من دائرة الابتلاء والتضييق التي يفرضها علينا النظام.. لا غبار على الطرح.. ولماذا لا نناقشه.

 

وإذا كان الأمر كذلك فدعونا نسأل:

هل النظام مستبد وظالم؟

هل مطالبته بحل التنظيم والكف عن العمل السياسي يقصد بها مصالح الوطن؟

 

وإذ أسمع بعلو الصوت أن إجابة الجميع على السؤالين واحدة ومعروفة.. إذًا فدعوة النظام للجماعة إلى أن تكتفي بالعمل الاجتماعي أو التربوي أو الوعظي- رغم أهمية كل ذلك عندنا- هو مطلب المستبد الذي يعلم أنه لن يصب إلا في مصلحة المستبد.

 

كما أن تفكيك منظومة العمل التي نجحت- بدرجة معقولة- في توظيف الطاقات ووضعها على الطريق السليم.. هو مطلب المستبد الذي لن يصب إلا في مصلحة المستبد.

 

لذلك فليس مقبولاً، ولا معقولاً، أن تطالب جماعة نجحت فيما فشل فيه أغلب أبناء الوطن- مع الأسف- وهو العمل بمنظومة الفريق، واستطاعت أن تكرس قيم الإسلام في تنظيمها، وأن تنقِّي صفَّها من الأنانية والحقد والتقاتل على المناصب، ليس مقبولاً أن تقول لها: اهدمي هذا البنيان الذي أسسته (دعوة الإسلام) لصالح (دعوة الإسلام).

 

كما أنه ليس معقولاً أن نطالب الجماعة التي تميَّزت عن كل الجمعيات والجماعات الإسلامية- ولها تقديرنا- بشمولية الإسلام، وحازت ثقة شعبية ممتازة بسبب مبادئها.. ليس معقولاً أن تقول لها: كفانا احتكاكًا بالنظام، أو نطالبها بالانسحاب من الميدان، في الوقت الذي تعلَّقت فيه الآمال بالجماعة، واعتبرها الجميع- نخبةً وشعبًا- سندًا أساسيًّا للإصلاح.

 

ثم، هل كنَّا ننتظر من نظام مستبد فاسد، ونحن نعرِّي فساده، أن (يطبطب) على ظهورنا، أو يعطينا فرصتنا الكاملة في الالتحام بالشعب، وفي إبراز رموزنا ليقودوا المجتمع؟!.

 

أم أن أصحابنا تخيلوا أن الاستجابة لمطالب النظام الفرعوني ستغريه؛ بأن يطعمنا السكر والعسل بدلاً من أن يلقمنا المر والحنظل؟!

 

إن عرض أصحابنا لهذه القضايا على أنها (رأي) آخر أو(منطق) مغاير، يبخس "الرأي" و"المنطق" قيمتهما.. والقضية تلوح أمام ناظريها بوضوح.. أنها نصيحة بالتسليم لقوم يأبون التسليم؛ ولذا وجب زركشة الكلام عليهم، أو هي- في أحسن أحوالها- قضية غفلة عن الواقع وارتباك في فهم الثوابت.

 

إن "تزوييق الكلام" على الطريقة العلمانية لن يفيد أحدًا، وتسويق الانسلاخ عن الثوابت بصورة- تبرر للبسطاء- عقلانية لهو أبرز دليل على انعدام وجود (رؤية) حقيقية أو (منهج) واضح، وإلا فما تفسيرك لعبارة (فصل الدعوي عن السياسي أو الحزبي)، في وقت أُعدمت فيه السياسة، ويرفض النظام فتح الباب لأحزاب حرة، وأول الممنوعين هم (الإخوان)، ويعدِّل الدستور والقانون من أجل حصارهم، هل تغيب هذه الحقائق عن أحد؟ طبعًا لا.. إذًا النتيجة هو أن تتنازل عن المشاركة في "حصار" القرار السياسي، ثم عدم الاستطاعة على نهي السلطة عن المنكرات والفواحش التي ترتكبها في حق الوطن، ثم تركها بعيدًا عن الرقابة تفعل ما تشاء في مقدرات الدولة، وتعبث ما تشاء في أقدار الناس.. ثم نتقدم نحن بعد ذلك لإصلاح كل هذا حين تتعدَّل الأوضاع السياسية؟!.. أي حاكم مستبد مجنون هذا الذي يقبل بمشاركة أحد في سلطانه ما لم يحاصره ويراقبه ويفضحه؟، ومتى تأتي الإشارة القدرية بوجوب العمل السياسي بعد مقاطعته؟

 

لقد عملت الجماعة في المجتمع بكل همة ودأب منذ عام 75م وحتى عام 93م، ولم تخض إلا معركة انتخابات (84، 87م) وكانت المشاركات السياسية للجماعة ضئيلة للغاية.. ومع ذلك صادر النظام جميع الجمعيات التي أسسها أبناء الجماعة، بل وعمدوا إلى المساجد، وطردوا الإخوان وخطباءهم منها، وأصدروا القانون 100 لسنة 93م الذي أغلق النقابات، ثم حولوا الجماعة إلى المحاكمات العسكرية.. هذه تجربتنا مع النظام والتي عاشها الجميع.. فكيف يحلم حالم أن الشيطان إذا أرضيته سيبادلك الرضا.

 

إن الإصرار على العمل بكل أشكاله هو الطريق الوحيد لإجبار النظام على فتح طاقة الحرية.. يومها يكون للجماعة حزب للعمل السياسي، وجمعيات وروابط لسائر الأعمال الأخرى.. أما ترديد كلام النظام، فهو تسهيل لنشر الشبهات داخل صف نقي، كان حريًّا بمن يريد (الإصلاح) ألا يفعله.

 

وقد تقترب من أصحابنا فيُسرُّون إليك بأنهم يقصدون "الترفق" بالدعوة ورجالها من العنف السلطوي، ولكن الحقيقة أن تراجع الدعوة عن (العمل الشامل) و(التنظيم الدقيق) هو ترفُّق بالنظام المستبد الذي نجح رجال الدعوة- مع شرفاء الوطن- في فضحه وإسقاط هيبته، وأصبح لا يحتمي- في مواجهة شعبه- إلا بقوته البوليسية، فهل هذا توقيت سليم للتفكير في (التراجع).. أم هي مرحلة (نجاح)، دفعنا فيها تضحيات كنا نعلم أننا سندفعها، وأعطانا الله بها نتائج أفضل مما كنا نتوقعها.. لقد غيَّرنا مفاهيم وأوضاع كثيرة لدى الشعب، بقي أن نستنهضه ليتحرك..

 

التراجع يا سادة لن يغري النظام المتربص بهدنة مع شعبه.. بل سيدفعه إلى مزيد من الحصار والإيذاء حتى يستأصل البذرة!.

 

إن القادة العقلاء يعدون رجالهم لكي يحققوا بهم أهدافًا كبرى، وإذا كانت الجماعة قد حددت هدف (تحكيم شرع الله في الأرض) فإنها قد اختارت– أيضًا- إعداد صفها عبر منهج تربية محكم، وإعداد شعبها عبر عملية استنهاض طويلة.. وتقديم النموذج في الإصرار على الحق؛ لغرس قيم الشجاعة، ومغالبة الخوف المسيطر على القلوب.

 

أما مجرد التوعية أو التربية- على أهميتهما- بغير وضع الرجال في قلب مشروع يستوعب الطاقات، ويحتضن الأماني المتوثبة، فلن يتقدم بالمجتمع خطوةً.. لأنه ليس طريقًا مختارًا، بل هو طريق أُجبر عليه الضعفاء خشية كرباج الحاكم.

 

وأما التعلل بأن أخلاق الناس قد فسدت وينبغي التصدي لتربيتهم، فرغم أن هذا مطلب عظيم ومن صلب الدعوة– إلا أن الأخلاق قد فسدت، والتعليم فسد، والإعلام فسد، والاقتصاد والسياسة والاجتماع...إلخ كل شيء فسد، وقد حسمت الجماعة أمرها، على أن تقوم بدورها الإصلاحي في كل الميادين، باعتبار منظومة الإسلام الشاملة، كما أنه لا معنى للانزواء أمام أعداد غفيرة من الشباب والعلماء والمتخصصين والمفكرين، هم قوام الدعوة، وقادرون على إثبات حضورهم المؤثر في المجتمع.

 

كنت أناقش أحد قيادات "الجماعة الإسلامية" الذي اعتبر أن "المراجعات الفكرية" لهم قد قرَّبت منهجهم من الإخوان، فوافقته، بل وأكدت له أنها في كثير منها تكاد تتطابق مع فهم الإخوان.
فسألني: إذًا أنت راضٍ عما وصلنا إليه؟ فقلت: لا، فسأل: ولماذا؟

 

فقلت: إن المشكلة الجوهرية أنكم في البداية اختزلتم الإسلام في (إجراء) عنوانه (الصدام مع النظام الظالم لإسقاطه)، فلما تمكَّن منكم وطالت سنوات السجن والتعذيب قمتم بالمراجعات "التي بُنيت على (عدم الصدام بالحاكم ولو كان ظالمًا)، وهو أيضًا اختزال الدعوة في (إجراء)، وفي الحالين لم يكن ثمة منهج إصلاح ولا خطوات دعوة، ولا تصور عن العمل مع المجتمع، فهي إذًا ليست مراجعات.. ولكنها هزيمة فكرة أمام كرباج السلطة.

 

ويوشك أصحابنا أن يخطئوا نفس الخطأ؛ يريدون اختزال المنهج الشامل للدعوة في (إجراء)، سواء كان دعويًّا أو تربويًّا أو عدم الاحتكاك بالنظام أو.. إلخ.

 

 قد يكون منطقيًّا أن ندعو إخواننا إلى التأكيد على ربانية الصف، وبناء عقيدته، وتأسيس عبادته وترسيخ أخلاقه، ومنطقيًّا- أيضًا- أن نراجع مواقفنا السياسية، ونقيمها، ونحسب المكاسب والخسائر.. ثم نتقدم أو نقف أو نعدل المسار.. كلها حسابات بشرية.

 

ومنطقيًّا أن نراجع مواطن الضعف والنقص في جماعتنا، ونجيِّش الهمم للإصلاح، ولو بموضع الجراح.. فهي جماعة بشرية.

 

ومنطقيًّا أن نراجع لوئحنا ونطورها حذفًا وإضافةً، ونراجع برامجنا التربوية والسياسية و..إلخ .. فهي اجتهادات بشرية.

 

كل هذا منطقي.. أما التنكر للثوابت تحت أي وصف أو رسم، فهو هزيمة للفكرة أمام استبداد مفضوح ومجروح.

 

إن التمسك بالمنهج الشامل له تبعات وأثمان قد لا يدفعها الذين لا يتمسكون به.. لكن النتائج لن يحققها إلا الفهم الشامل والتضحيات العزيزة.

 

وعلى الجميع أن يعلم: أن حسن النية لن يعفي أحدًا من سوء التدبير.