في حوار هادئ وروحاني منذ عدة أيام، كنت أتناقش مع بعض الأصدقاء حول موضوعات تتعلق بالقلوب وانتعاشها في مواسم الطاعات بمناسبة قدوم أيام العشر الأوائل من ذي الحجة واقتراب الحج الأعظم، وهي أيام أقسم الله بها لعظمها في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ (الفجر)، وهي أفضل أيام الدنيا كما وصفها النبي العظيم محمد– صلى الله عليه وسلم–، وكما هي العادة تطرَّق الحديث إلى كلام عن الوضع الحالي للأمة الإسلامية بشكل عام والوضع المصري بشكل خاص؛ في ظل اقتراب استحقاق برلماني شديد الضراوة؛ بسبب تعنُّت السلطة المصرية في عدم قبولها للآخر المشارك في الانتخابات من مرشحي الإخوان، خاصةً ومرشحي المعارضة بشكل عام، إلى أن مُرِّر إلى أحد الأصدقاء ورقة تفيد أهمية عدم الكلام في السياسة؛ حيث السياسة تصيب القلوب بالقسوة!.
وفي الحقيقة لا أنكر أنني لم أعلِّق على الأمر في حينه إلا أنه استوقفني بشدة، وخاصةً أنني أنتمي إلى فكر الإخوان المسلمين، الذي أقر مرارًا وتكرارًا أن الإسلام نظام شامل يتناول جميع مظاهر الحياة، وأن السياسة عندنا دين، وخاصةً أن إيماننا لا يتجزأ بكون الشريعة الإسلامية هي الشريعة الخاتمة، وليس هناك شريعة أخرى قد تكمِّل نقصًا في هذه الشريعة؛ ما يؤكد كمالها واحتواءها لكل مناحي الحياة، فهي كاملة غير منقوصة.
ومن هذا الباب يتبين لي أن القلوب تتحرك إيجابًا مع كل نواحي الحياة باعتبارها جزءًا من الدين الإسلامي الحنيف، وبالتالي يجب ألا تصيب السياسة القلوب بالقسوة، مثلها في ذلك مثل بقية النواحي، كالعبادات والعقائد والروحانيات والرقائق، وهنا يتوقف الأمر على نية الممارس، سواء للعبادة أو للاقتصاد أو للسياسة؛ حيث إن كانت نيته أن العمل لله والحوار لله، والنقاش لله دون جدال مرفوض أو خلاف منبوذ، فإن هذا الحوار السياسي من شأنه في الأصل أن يرتقي بالقلوب؛ لأن الهدف منه مناقشة أمور الأمة، والارتقاء بأوضاعنا، ورفع راية الإسلام إلى عنان السماء، وليس أفضل من ذلك للارتقاء بالقلوب إيمانيًّا.
كما أن النبي- صلى الله عليه وسلم- عدَّ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وهي من أمور السياسة تمامًا بتقديم النصح إلى الحاكم أو إعلان المواقف التي قد لا تروق لبعض الحكام؛ إلا أنها من صميم العدالة والحرية التي طالب بها الإسلام، ما قد يودِّي بحياة الشخص المعارض، ولا أظن أن المجاهد عندما يقوم بذلك يكون قلبه قاسيًا مثلاً؛ لأنه يتكلم في أمر من أمور السياسة ثم يعدُّ النبي الكريم ذلك أفضل جهاد.
كما أن الإمام الراحل المجدد ابن تيمية عد أفضل عبادة هي العبادة التي تؤدَّى لوقتها، فإن كان الوقت هو وقت كفاح ونضال سلمي عبر انتخابات تفضح الظالم وتكشفه أمام العالم أجمع، وتسعى للنهوض بالأمة وإحياء المشاركة الإيجابية بين أفراد الشعب؛ تمهيدًا للتغيير والإصلاح المنشودين، فتصبح عبادة الوقت هي دعم هذا الموضوع بالحوار والنقاش والمشاركة الإيجابية والعمل على منع التزوير، ونشر الفكر الصحيح بين الناس، وهكذا من أمور السياسة التي من شأنها أن تنهض إيجابًا بالقلوب بلا شك؛ لأنها جميعًا أعمال لله عزَّ وجلَّ.
ورحم الله الأستاذ المرشد العام الراحل مصطفى مشهور الذي أكد أنه علينا أن نتبع سياسة الأخلاق، وليست أخلاق السياسة بمفهومها المتلاعب؛ حيث إننا من خلال العمل السياسي ننشر دعوة الخير، ونسعى للتمكين لدين الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله عزَّ وجلَّ؛ ما يؤكد أن ممارستنا السياسة هي إحياء للقلوب، وليست لقسوت القلوب، ويتوقف الأمر هنا على نية الممارس للعمل السياسي أو المشارك في حوار أو نقاش سياسي، مثله مثل بقية أعمال الخير، فإن كانت نية الإنسان الظهور والرياء مثلاً من عمل خير أو عبادة معينة فهي هنا تتحول إلى شرك بالله، ولا يمكن في هذه الحالة أن تكون إحياءً للقلوب مع أن العمل عمل خير.
أخيرًا أتوجه بالنصح لنفسي ولكل إخواني إلى تجديد نيتنا أثناء ممارسة أي عمل، سواء كان عبادة أو سياسة أو إماطة أذى عن طريق الناس، فكل ذلك من أمور الدين، وإن فعلناه باقتناع أنه دين وتقرب إلى الله عزَّ وجلَّ وبالضوابط الإسلامية المنظمة؛ لذلك فسوف يرتقي هذا العمل بقلوبنا إيمانيًا، ولن يصيبها بالقسوة أبدًا، ولننطلق بديننا الشامل إلى الدنيا جميعًا، متوكلين على الله عزَّ وجلَّ، وداعين أن يتقبل منَّا، وأن يرزقنا الإخلاص، وأن ينصر دعوتنا ويرزقنا الرشد، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.