الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر

الله أكبر ما فاضت مدامعنا                  مع الحجيج بشوق بات يضنينا

الله أكبر هذا الركب بشرنا                     بوحدة لصفوف الحق تعلينا

تهز قلب الدنا للدين يجمعنا                 على الأخوة حصنًا بات يحمينا

الله أكبر يا لبيك سيدنا                          على الشعائر قد بتنا ملبينا

 

الحمد لله الذي جمع القلوب على طاعته، ولا يجمع المسلمين على كلمة سواء إلا هذا الدين بشعائره وشرائعه ومشاعره.

 

ونشهد أن لا إله إلا الله؛ في توحيده جمع للصف، ورأب للصدع، ورتق للفتق، وإصلاح للخلل..

وفي التوحيد للهمم اتحاد                ولن تبنوا العلا متفرقين

ونشهد أن محمد عبده ورسوله، جمع الله به من شتات، ووحد به من فرَّقه، وأعز به من ذل، ورفع من ضعه، وأخرج به من التشرذم والضعف والاحتراب البيني ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية110).

 

اللهم صل وسلم وبارك على خير نبي أُرسل رحمةً للعالمين, ونصرةً للمستضعفين، وتجميعًا للناس على الحق المبين والعز المكين.

 

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم         إلا على صنم قد هام في صنم

وعلى آله وصحبه مصابيح الظلام، وهداة الأنام لخير دين، وأقوم نهج، ومن سار مسارهم، وسلك سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد..

 

فيا أيها المسلمون الكرام.. هذا عيدكم الذي فيه تفرحون، وإلى الخيرات تسابقون، وعلى كلمة الحق فيه تجتمعون.. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).
هذا عيدكم الذي تصلون فيه مكبِّرين، ثم إلى ذبائحكم تسارعون، وإلى البر والعطاء وصلات الأرحام تتسابقون، فهنيئًا لكم بما تأكلون وتتصدقون وتتهادون وتدَّخرون.

 

قال صلى الله عليه وسلم "إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، وإلا فهو طعام قدمه لأهله".

 

هذا يوم العيد، ولكن لمن صفَّى قلبه، ونقَّى سريرته، وفاض بشرًا وبرًّا على كل المسلمين، واهتم بأمر المسلمين جميعًا ليكون منهم.

 

هو عيد.. أهل الفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، ومن كان له قلب، أو كان ذا حجر وعقل.

 

أجل هذا عيد من أُوتي التقوى فقد أبصر، وفقه دين الله وله نصر، واستنار بهدي الله فصبر وغفر، وعلى طريق الحق استمر واستقر.

 

ركضًا إلى الله بغير زاد                      إلا التقوى وعمل المعاد

والصبر لله على الجهاد                        وكل زاد عرضة للنفاد

إلا التقوى وعمل المعاد

هذا عيد من ترسَّم خطى الحجيج في حلهم وترحالهم، ووعى- هنا أو هناك- شعائرهم ومشاعرهم، فعظَّم الشعائر والحرمات، ولبَّى ومارس تلبيةً لأوامر الله فيما فهم حكمته أو لم يفهم، فما أنا إلا عبد آمن بالله، فنفذ أوامره، وتحرَّى صواب الأداء، فهذا عين الطاعة، وكمال العبودية لله عزَّ وجلَّ في كل ديني وطاعتي.

 

فقط أوثق الأمر (هل هذا ما أمر به الله؟ هل هذا ما أراده؟ فإن كان استجبت ونفذت وسلمت تسليمًا) وإذا تعودت ذلك في شعائر الله نفذت وناصرت شريعة الله، وهتفت مع ديني وقرآني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّه﴾ِ (الصف: من الآية 14).

 

فأنا أطوف لأن الله أمر ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا... ﴾. وأنا أسعى لأن الله قال ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ اللَّهِ..... ﴾ وأنا أرمي الجمرات وأضرب خيامي بمنى، وأقف على عرفات؛ لأن الرسول فعل، وقال "خذوا عني مناسككم" هذي دروس في طلاقة الطاعة، وصدق العبودية، وتمام الاستجابة، وفي ذلك الحياة.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (الأنفال: من الآية 24).

 

وليس هذا عيد الذين يتماحكون في الدين، ويتردَّدون فيه، ويردون أمره بعقول مخلوقة، واستكبار مقيت.. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65﴾) (النساء).

 

الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾َ (النور: من الآية31) "توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة" أو كما قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

الخطبة الثانية

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..

الله أكبر ما هبَّت نسائمهم                    من مكة الطير أو من عبقة الحرم

الله أكبر ما ابتلت جوانحهم                  من زمزم البر كي تبري من السقم

الله أكبر ما ألقوا رحالهم                           في ساحة بمنى بالجود والكرم

عرفات مرحى إذا لبَّى الحجيج صدى             بصحبة الحق قد جاءوك بالهمم

الحمد لله الذي أعانهم فلبُّوا، وللمناسك أدّوا، وطافوا وسعوا، ونودوا، وبالخير بشروا "هؤلاء هم عبادي، أتوني شعثًا غبرًا ضاحين، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم"، ونشهد أن لا إله إلا الله، وعد الحجيج بالغفران، وصدق وعده، وردهم خير مرد، مأجورين مجبورين غير خزايا ولا نادمين.

 

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله و رسوله الصفي النقي التقي، العابد خير العابدين، القانت إمام المتقين، الناسك سيد المخبتين.

 

تجمعت فيه كل خصال الخير فعلا الخلق، وامتطى صهوة الطهارة، وارتقى أعلى مقامات المتقين السالكين.

 

نبالغ وأكثر لن نحيط بوصفه             فأين الثريا من يد المتناول؟

أو كما قال البوصيري:

فمبلغ العلم فيه أنه بشر                     وأنه خير خلق الله كلهم

أما بعد:

فلله درك يا إبراهيم، خليل الرحمن، ابتليت بالكلمات فأتممتهنَّ، فجعلت للناس إمامًا، وسرت وأم ولدك خطوات أصبحت مناسك، وصبا قلبك لمولاك، فصرت وولدك مثلاً يُحتذى، ومنسكًا يُؤدَّى..

 

فيا لك من بر ودود زرعتها                لدى البيت نورًا فاض خيرًا وإشراقا

لمن يا خليل الله تتركنا هنا؟                      إلى الله؟ جلَّ الله أسقي وأغدقا

فبورك من سقيا وبورك مطعمًا                  تبارك رب العرش برًّا ورازقا

ترى ماذا نتأمل من جوانب العظمة والقدوة فيك يا أبانا؟

أحين تركت من ذريتك بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم؟ أمن حين أخذت ولدك الذي رزقته على الكبر، وبلغ معك السعي، طيِّعًا حبيبًا وأي حبيب!

 

لكنك أعليت حب الله على كل حب، وكنت الحنون حتى وأنت تهم بذبح ولدك.. ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصفات: من الآية 102).. هكذا بحيادة وتلطف عالٍ وقلب ودود ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصفات: من الآية 102).

 

كأنك تريد أن تطمئن على مصيره، فإن وافقك على الذبح فقال لك ما قال في أدب جم وتلطف شفوق وطاعة بصيرة ومبكرة لك ولربك ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (الصفات: من الآية 102) ولم يقل ما أريت لأنه يعلم أنك نبي ورسول ورؤياك وحي لا ينكر.

 

ثم قال ﴿سَتَجِدُنِي﴾ ولم يقل بشجاعتي وقدرتي، لكن بربانية عالية يستعين بالمشيئة العليا ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصفات: من الآية 102)، فإن فعل- وقد فعل- اطمأننت أنه يكون معك في الجنة فذبحت، وإن كانت الأخرى- وحاشا لله- ذبحت غير نادم ولا آسف، فكانت الأولى وصدقت الرؤيا، ففداه ربه بذبح عظيم.

 

ونقل النبوة إليه، وجعلها في ذريته، فكان الذبيحان اللذان نجِّيا إكرامًا للخاتم العظيم سيدنا محمد الذي يستمتع الحجيج بزيارته في مدينته المنورة.

إذا زرت بعد البيت قبر محمد          وقبلت مثوى الأعظم العطرات

وفاضت من العين الدموع مهابة        لأحمد بين الستر والحجرات

فقل لرسول الله يا خير مرسل            أبثك ما تدري من الحسرات

شعوبك في طول البلاد وعرضه        كأصحاب كهف في عميق سباتِ

بأيديهم نوران ذكر وسنة                  فما بالهم في حالك الظلمات

اللهم انصر الإسلام، واجعلنا من أهله، واجمع المسلمين على كلمة سواء، واجعل بأسهم على عدوهم، ولا تجعل بأسهم بينهم، وأصلحنا وأصلح بنا، وأصلح ذات بيننا، وأصلح فساد قلوبنا، وحرر أقصانا، وانتقم ممن ظلمنا، وولِّ أمورنا خيارنا، ولا تولِّ أمورنا شرارنا، واختم لنا بالخير، وتوفَّنا على الإسلام، تقبل الله منَّا ومنكم.