أخي الشرطي الحارس الأمين على مجتمعك الذي تعيش فيه أنت ووالداك وزوجتك وأبناؤك وكل أحبابك: لست في حاجةٍ لأن أُذكرك بمهامك فلعلك أعلم بها مني، فلا شكَّ أن لرجلِ الشرطة دورًا كبيرًا ومقدسًا في توفير الأمن للوطن والمواطنين، وهذا من أهم الأعمال التي تقوم بها الشرطة؛ لكونه يعتبر ضرورةً من ضروريات الحياة، وفريضة من فرائض الإسلام، وأساسًا للتقدم البشري؛ وذلك لأن قيام رجل الشرطة بمهامه على الوجه الصحيح ضمانة من أهم ضمانات الاستقرار في المجتمع.
فأعتقد- ولعلك تتفق معي- أن من أهم مهامك الحرص على رفع راية القانون، وتحقيق العدل للجميع، وأنه لا بد من الأخذ في الاعتبار الأبعاد الإنسانية والاحترام المتبادل بينك، وبين المواطن، على أساسٍ من العلاقات الإنسانية.
لكن أين هذه المهام المقدسة من الواقع المهني والعملي الذي يؤديه الغالبية من رجال الشرطة والأمن اليوم؟ لا شك أن البون أصبح شاسعًا، والخرق قد اتسع، وأصبح عمل الشرطي في كثيرٍ من الأمور عبئًا على المجتمع والمواطن، بل ضد مصلحة الوطن في كثير من الأمور والقضايا.
لقد أصبح المواطن ينظر لرجل الشرطة لا على أنه هو مصدر أمنه واطمئنانه، ولكن على أنه مصدر تعبٍ له، لا يحمل له سوى المنغصات والمتاعب، بل أصبح مجرد رؤية رجل الشرطة في الشارع أمرًا يسبب التذمر وعدم الراحة، ولا شك أن للمواطن الحق في ذلك!!!
ذلك لأن رسالة الشرطة عمليًّا أصبحت مزيفةً عن حقيقتها المهنية، فالكثير من رجال الشرطة أصبحوا يتعاملون مع غيرهم باستعلاءٍ فاحش، وبطشٍ وظلمٍ على طول الخط، بلا تمييز بين متهمٍ ومدان.
بل وصل الأمر بالبعض أن يحصلوا على أشياء كثيرة ليست حقًّا لهم، باستخدام التهديد، والترويع، وانتهاك الحقوق، والأعراض، والحرمات، وقد حرَّم الإسلام هذه الأمور جميعها: الظلم، والترويع، والتخويف، والتهديد والتجسس، وانتهاك الحرمات... إلخ.
وهذه كلها انتهاكات، بل جرائم ترتكبها الشرطة عمدًا وعن سبق إصرار وترصد، في حق المجتمع كله، بل هناك من الجرائم ما هو أخطر وأشنع، إنه الخطر المدمر!!
وهو تزوير إرادة الأمة ومصادرة حريتها فيما يتحكم في مستقبلها، وبخاصة في العمليات الانتخابية، ووزر هذا ليس على من أمر بذلك وحده بل أنت- رجل الشرطة- مشارك في هذه الجريمة، بل وغيرها من الجرائم التي يرتكبها من سهلت أمامهم الطريق، ليكونوا لصوصًا، فنهبوا ثروات الوطن، وهربوا بها إلى الخارج، وبموافقتهم بيعت شركات القطاع العام، فعم الفقر والجوع والبطالة والتسول، ودمرت صحة المواطن بسبب الأدوية الفاسدة، والصفقات الفاسدة، والمبيدات المسرطنة، وغير ذلك من الجروح في جسم الوطن والمواطن، الكثير والكثير.
وكل هذا بيدك أنت، نعم بيدك أنت ضابط الشرطة، بيدك أنت رجل الأمن، هل تعلم لماذا أنت على رأس المتهمين في هذه النكبات والنكسات؟، لأنك تناصر- على حساب سلامة وطنك- المفسدين المستغلين لسلطاتهم وزورت بيدك صناديق الانتخابات لصالحهم، فأتحت لهم الفرصة حين فتحت لهم الباب واسعًا، فارتكبوا جريمتهم، فجاع مَن جاع، وشُرِّد مَن شُرِّد، ومرض مَن مرض، وتألَّم مَن تألَّم، وبكى مَن بكى، ومات مَن مات تحت أنين السرطانات، والفشل الكلوي، والوباء الكبدي وغيرها من الأمراض التي اشتراها هؤلاء المفسدون بأموالنا، أموال الشعب، التي هي أمانة في أعناق هؤلاء، لكنهم ما صانوها!!
ولعلك عانيت من أحد هذه الآلام في نفسك مع أحدٍ من أحبابك أو أقاربك.. كل هذه المآسي تسببت فيها أخي رجل الشرطة في سبيل ماذا؟ في سبيل حفنةٍ من المال أو ترقية أو غيره، ونسيت أن كل لحمٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به، ونسيت أنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، ونسيت أن الطاعة والولاء للمبادئ والقانون، وليس للأشخاص مهما كانوا إلا في حدود الدستور والقانون.
ولعلك تقول: هناك مَن أفتاني بأن ذلك حلال ولا وزر عليَّ فيه! وأنا أفتيك فأقول لك: استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، فهل تحب أن يراك أحد ممن يحترمك وأن تزور أو تعذب أو تنتهك حقوق الناس... إلخ؟ أجب نفسك بنفسك فأنت فقيه نفسك.
فهل فكَّرت في كل ذلك؟ هل تخيلت ماذا صنعت يداك وأنت تدري، أو كنت غافلاً لا تدري، سيسألك الله عن كل هؤلاء الضحايا ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات)، وسيأتون إليك يوم القيامة، ويتعلقون برقبتك، ويطلبون من الملك العدل أن يأخذ لهم حقهم منك؛ لأنه لولا ما فعلت، ما كانت مآسيهم.
أخي رجل الشرطة والأمن: الكلام عن مهام رجال الشرطة بين الواقع والمفترض طويل وكثير، فطاعة من تفضل طاعة الله، ثم طاعة المبادئ والدستور والقانون، والقيام بواجبك كما يمليه عليك ضميرك الحر، أم أنك تخليت عن ذلك كله وبعت نفسك للشيطان، وآثرت غضب الله على رضاه، وسخطه وعذابه على رحمته وجناته.
تذكر أخي ضابط الشرطة أنك تقوم بأداء فريضة من فرائض الله قبل أن تكون وظيفة تتقاضى منها دخلاً شهريًّا، وأنها أمانة استرعاك الله عليها وسائلك عما استرعاك أحفظت أم ضيعت؟ كما قال حبيبك محمد- صلى الله عليه وسلم- فخف الله في إخوانك المواطنين، وخف الله في الحفاظ على مجتمعك، وكن أمينًا على الثغر الذي استأمنك الله عليه، فلا يؤتى وطنك من قبلك، ولا تكن يدًا للظالمين يبطشون بها ويفسدون بها، ويدمرون بها وطننا الحبيب الغالي، وأنت وكل عائلتك جزء من هذا الوطن.
لعلك الآن بدأت تفكر في الأمر بعمق، ولعلك الآن قد ندمت، ونفسك تحدثك وضميرك يخاطبك: كل ده أنا عملته، كم من مريض يئن تحت وطأة السرطانات والأوبئة بسبب فساد المفسدين، كم إنسان راح ضحية الفساد والمفسدون؟، كم شاب ضاعت أحلامه وطموحاته وانتحر بسبب الفساد والمفسدون، كم من بطن أنت من ألم الجوع والحاجة بسبب الفساد والمفسدون، كم حرمة لله انتهكت بسبب الفساد والمفسدون، كم وكم وكم... بسبب الفساد والمفسدين.
لعل عينك تذرف دمعًا بعد أن انتبهت، وذهبت الغشاوة عن عينيك، وأبصرت الطريق الذي تسير فيه، والمهمة التي تقوم بها، فوجدت أنه ليس طريقك، بل طريق اللصوص والخائنين ممن ماتت ضمائرهم ولم يشغلهم سوى مصالحهم حتى لو كانت على حساب أرواح الأبرياء.
والآن صحح مسارك بحزم، ونفذ مهمتك كما يحب ربك بعزم، وأبشر برحمة ربك فإن كنت فعلت عن جهل وعدم إدراك فربك يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (النساء: من الآية 17).
وإن كنت فعلت ما فعلت وأنت تعلم فربك يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾ (الفرقان). ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزمر).
والآن ابتسم وهيا أنا وأنت مع كل الوطنيين المخلصين لنمسح عن وطننا دموعه، ونداوي جراحه، لتعود إليه بهجته ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر: من الآية 44).
ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.