طالب محمد فودة في عموده اليومي (من الواقع) بجريدة (المساء) القاهرية الأحد 7/11/2010م بأن يُعاد الاعتبار إلى المهندس يحيى حسين، وأن يُعوَّض عن الضغوط التي مورست عليه؛ لأن في ذلك رجوعًا إلى الحق.. والرجوع إلى الحق فضيلة كما يقولون، وحتى نُشجِّع المسئولين المنضبطين الذين لا يخشون في الحق لومة لائم على أن يتمسكوا بمواقفهم الشجاعة.

 

هذه الكلمات ختم بها فودة- رئيس تحرير (المساء) السابق- مقاله الذي خصصه للحديث عن صفقة عمر أفندي المعيبة، واللجنة التي شكَّلها المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات برئاسة الأستاذة نعيمة عباس الوكيل الأول بالجهاز؛ لإعداد تقرير عاجل يتضمن بيانًا وافيًا عن ملابسات وإجراءات الطرح والترسية لبيع عمر أفندي للمستثمر السعودي القنبيط عام 2006م والمخالفات التي شابت نصوص عقد البيع، وكذلك الإجراءات والتصرفات التي قام بها المستثمر بالمخالفة لنصوص عقد البيع، ومدى شرعية اعتزامه بيع حصته في الشركة.

 

الصحفي محمد فودة أعتبره أفضل كاتب عمود في صحفنا القومية، ويملك شجاعةً تجعله يخوض في جميع مشكلات الوطن بسلاسةٍ وقوةٍ دون تعدي الخطوط الحمراء والزرقاء والصفراء المحيطة بالصحف القومية.

 

ولكن.. فودة ليس معارضًا، وليس من رجال "كفاية" أو "المحظورة".

 

إنه رئيس تحرير صحيفة قومية يومية سابق.. وما أدراك بمعنى هذا المنصب؟!

 

فلك أن تسأل لماذا يطالب النظام الذي عزل يحيى حسين بإعادة اعتباره وتعويضه عما لحقه من الظلم والغبن والتشهير؟

 

إنه ببساطة صوت العقل الذي لم يعد له وجود- بكل أسف- في نظامٍ شاخ وباخ واستمرأ الفساد وطأطأ راضيًا للمفسدين من رجال ونساء الأعمال.

 

إن ما يطالب به فودة أمرٌ يسير على كل نظام ذي عقلٍ ولو يسير، يرفع به جماهيريته، ويضحك به على المساكين من الشعب الذي لا يجد الطماطم بعد أن نسي طعم اللحوم الحمراء والبيضاء وجميع الألوان، خاصةً في موسم الانتخابات والتشدق بالإنجازات والطفرات التي حققها.

 

الأمر لا يمت إلى الرجوع إلى الحق الذي يُذكِّر فودة به الحكومةَ، أنه- أي الرجوع إلى الحق- فضيلة، فيبدو أن حكومتنا السنية نسيت كل فضيلةٍ حتى أبلة فضيلة توفيق، التي علمتنا صغارًا أن الشاطر حسن سينتصر على الأشرار في النهاية، وأن الشرير لا ينجح في حياته، وأن مولانا السلطان يقتل كل مَن يخدعه أو يخدع رعيته، إلى غير هذه القصص التي تسير حكومتنا الرشيدة عكسها تمامًا.

 

فالمفسد صار عضوًا في مجلس الشعب، ويزداد ارتقاءً وصعودًا إذا كان ممن يجيدون السب والشتم بأقذع الألفاظ والكلمات التي لا يجيدها إلا كل منحرف، خاصةً بعد أن أعلنها أحد الوزراء والمرشحين لمجلس الشعب بملء فيه أنه "شوارعي"!!!

 

لقد أثبتت الأيام والأحداث والوقائع والمصائب صدق المهندس يحيى حسين في موقفه الشجاع الوطني عندما تصدَّى لصفقة الفساد والتفريط في مال الشعب.

 

وأخيرًا سقطت ورقة التوت عن مروجي الفساد في أنحاء الوطن، فلا أقل من ترضية الناس بعد أن فشلت كل أساليب الخداع والتزوير والتجميل لهذه الصفقة الفضيحة.

 

فأي عاقلٍ لا يملك إلا الاعتراف بالخطأ.

 

ولكن.. وآهٍ ثم أهٍ من لكن.. هل يوجد بعد في حكومتنا مَن يتمتع بهذا الشيء المُسمَّى بالعقل؟!!

 

أليس هم الذين أعادوا بيع أرض مدينتي بالأمر المباشر إلى نفس رجل الأعمال الذي باعوا له الأرض سابقًا، وحكمت المحكمة ببطلان البيع لما يشوبه من فسادٍ وإهدارٍ وتفريطٍ في المال العام؟

 

هل يُعقل أن تعترف الحكومة بأن يحيى حسين قد ظُلِم، وهي التي هرَّبت ممدوح إسماعيل من صالة كبار الزوار بعد أن تسبب في غرق ألف وخمسمائة مصري مسكين؟

 

هل يظن الأستاذ فودة أو غيره أن النظام الذي يعاند شعبه بترقية الفاشلين والمفسدين والمستفزين لوجدان الشعب مثل وزير الثقافة يزداد رسوخًا وثباتًا كلما أغضب الناس؟!

 

إن نظامًا استباح مصادرة أموال الشرفاء والمخلصين من أبناء الوطن، ولم يجد إلا المحاكمات العسكرية ليحاكم أمامها المدنيين، لا يعرف إلا البطش والديكتاتورية والتزوير الفاضح، ولا يعنيه إن سقطت ورقة التوت أو لم يكن ثمة ورقة من البداية.

 

ولكن مهما يكن من أمر فإننا نتبع الفضيلة، ونُؤمِّن بصدق نهايات قصص أبلة فضيلة في انتصار الحق في نهاية المطاف، هكذا يقول التاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء والحساب، ولن يستطيع التزوير الصمود في وجه الحق وإرادة الجماهير إلى النهاية لأن نفسه قصير حيث يتبع منهج "بع الأصول واجرِ".