في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله.. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به.. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

 

رحم الله عمر الملهم، لقد كان خبيرًا بما تقوم به الحضارات الحقة، وتنهض به الرسالات الكبيرة، وتحيا به الأمم الهامدة.

 

إن الأمة الآن في أشد الحاجة إلى الرجال لتنهض بهم وتواجه بهم الصعاب والتحديات، بحاجة إلى رجال يحملون هموم أوطانهم ويسعون جادّين لخدمة دينهم وأوطانهم.

 

إن ما يحدث للمسلمين الآن من ضعف وهوان يعود لقلة الرجولة، ترى الظلم يطبق من حولنا ليل نهار، وقد فقدت من يتصدى لهذا الظلم.

 

إن الله يصطفي طائفة من المؤمنين لينالوا هذا الشرف العظيم يَصدُقون في عهودهم، ويوفون بوعودهم، ويثبتون أمام الصعاب، قال الله تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

 

لكي تكون رجلاً لا بد أن تتحلى بهذه الصفات:

أولاً- الإيجابية: وتتفصل في:

1- المسارعة في نصرة الحق رغم التحديات التي تواجه الإنسان، بل قد يضحي بنفسه من أجل نصرة الحق، والقرآن يقص علينا مثال ذلك "مؤمن يس"، والسعي لتبليغ دعوة الله، ومناصرة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)﴾ (يس). ضحى بنفسه من أجل نصرة أصحاب الحق، أكتب هذه الكلمات ونحن نرى حولنا المصائب كثيرة تحتاج إلى رجال يقفون ابتغاء مرضاة الله لنصرة الحق وإصلاح المجتمع.. تفشت السرقة والغش والظلم، نحتاج إلى من يقف أمام الظلم، كذلك نحتاج إلى من يساعد من يقف، فالذي يقف ليواجه الظلم يحتاج إلى من يساعده، وهذا مثال آخر للرجال مؤمن آل فرعون ووقوفه أمام طاغية العصر والدفاع عن رمز الدعوة ضد المؤامرة التي تريد قتله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ (غافر: من الآية 28)؛ إنه لم يخش الطاغية، ولم يتلكأ، بل تدخل لإنقاذ موسى، نحن اليوم بحاجة لمن يتدخل لوقف الإفساد والظلم لوقف الاعتداءات التي تطال الجميع الآن؛ الطلبة والعلماء والكتاب والصحف والقنوات الفضائية وغيرهم كثير.

 

المثال الثالث لرجل يسعى إلى إنقاذ فرد من الظلم والقتل ودرء الخطر وبذل النصيحة: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ (20)﴾ (القصص).

 

2- الطهارة بشقيها المادي والمعنوي: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾ (التوبة)، الذي تطهر وأتى إلى بيت الله ينبغي ألا يغش ألا يكذب، يسعى في الخير، ويقيم في مواطن الخير، هذا الرجل تراه سمحًا في المعاملات، عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً بائعًا ومشتريًا".

 

فالسماحة في البيع والشراء والاقتضاء تحتاج إلى رجل، فكم رأينا من يبيع ويعود في بيعه من أجل أموال قليلة أو يبيع على بيع أخيه.. كم رأينا من جشع التجار وارتفاع الأسعار.

 

الرجل لا يكون إمعة إن أحسن الناس أَحسَنْ وإن أسَاءوَا أسَاء، وإذا ولغ أصحابه في مستنقعات السوء جرى في ركابهم لكي يكون رجلاً كما يزعمون؛ بل إن أحسن يحسن، وإن أساء الناس تواجه الإساءة وتصلح

 

الرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف: من اعتداد بالنفس واحترام لها وشعور عميق بأداء الواجب مهما كلفه من نصب وحماية لما في ذمته من أسرة وأمة ودين وبذل الجهد في ترقيتها والدفاع عنها والاعتزاز بها وإباء الضيم لنفسه ولها.

 

الرجولة هي صفة يمكن تحقيقها مهما اختلفت وظيفة الإنسان في الحياة، فالوزير الرجل من عدّ كرسيه تكليفًا لا تشريفًا، ورآه وسيلة للخدمة لا وسيله للجاه، أول ما يفكر فيه قومه وآخر ما يفكر فيه نفسه، يظل في كرسيه ما ظل محافظًا على حقوق أمته، لا يكون شغله الشاغل كيف يحافظ على الكرسي ويورثه لأبنائه.

 

الرجال يعلمون علم اليقين أن التغيير الذي يحلمون به لأمتهم لا يمكن أن يحدث بين يوم وليلة، كما أن له مقدمات ومقومات، فصلاح البلد يقوم على صلاح أبنائها، أما إذا قال كل فرد فيها إنه لا يمكنه أن يؤثر في الأمة، فإنه يكون مخطئًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

إذا وجد الرجل وجدت معه أسباب النجاح جميعًا.

حاصر خالد بن الوليد (الحيرة) فطلب من أبي بكر مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، وقال: لا يهزم جيش فيه مثله، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل!.

 

ولما طلب عمرو بن العاص المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح مصر كتب إليه: (أما بعد.. فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد).

 

إن خير ما يصلح البلاد هو وجود الرجال الذين يحملون همَّ النهوض بالأمة، وهمَّ مواجهة الصعاب؛ وهم الذين يقودون الأمة في أوقات المحن والأزمات.

 

نحن مقبلون على انتخابات تحتاج إلى رجال يقفون من أجل إصلاح البلاد، ورجال يساعدونهم في هذا الإصلاح.. فهيا بنا جميعًا لنكون رجالاً بحق.

----------------------

* أستاذ مساعد- كلية طب الأسنان- جامعة المنصورة-Mohamed.elkhodary@hotmail.com
www.elkhodary.net