على الهاتف جاء صوته الحنون الدافئ: أهلاً أبو عبد الرحمن وحشتني جدًّا.. لماذا تتأخر عليَّ؟ أُكلمك من لندن، أعمل فحوصات, عندي مرض السرطان، ولكن الحمد الله بخير.. ثم أخذ يذكرني بأيامنا السابقة.
لولا أني أعرفه جيدًا لظننتُ أنه يمزح؛ فنبرات صوته مشرقة باسمة مفعمة بالأمل والرضا والسلام.
تلك صفاته التي أحببته من أجلها وأحببتها من أجله منذ أن رأيته في المدينة المنورة، وهو من شباب الدعوة المباركة؛ لذا فتراه بعد انتهاء العمل يلازم مسجد الحبيب يزاحم المصلين في الروضة الشريفة، ويزاحم طلاب العلم في دروس أبي بكر الجزائري، والدكتور الحذيفي، والشيخ عطية سالم، ومعه زملاؤه من العمال يُعلمهم كتاب الله.
ولما عاد إلى مصر الحبيبة اشتغل مندوبًا بسيطًا في أحد المصانع، مجتهدًا مخلصًا أمينًا صبورًا, وسبحان الله اشترى بعد ذلك المصنع، وبارك الله له في تجارته، حتى أصبح من أصحاب الأموال النظيفة الطاهرة.
في جنازته المهيبة من مسجد الدعوة بالسنبلاوين خرجت الآلاف تشيِّعه في مشهدٍ مهيبٍ، كانت الدموع تنهمر من عيني، وأنا ألتمس طريقي وسط المقابر الضيقة، ووسط هذا الطوفان الهادر، أرفع رجلي وأحطها لستُ أدري كيف.
إنما كانت تقودني إلى مثواه الأخير، وكلما اقتربت وسط هذه الكتل البشرية شممت رائحة طيبة، وأحسستُ بلسعة بروده وطراوة النسيم، رغم حرارة الجو.. اقشعر جسدي، وازدادت الدموع في عيني.. نظرتُ إلى السماء، وجدتُ غمامةً لطيفةً تظلنا، طردت الخاطر من ذهني.. لكن صوت عامل بسيط انطلق يشق الصمت قائلاً: أيها الأحبة، والله هذه السحابة بشرى خير ودليل على منزلة أخونا محمد غالي، ثم دعا له.
خرجت الكلمات بتلقائية وعفوية وصدق، فتجاوبت معها النفوس حتى جاشت قلوبنا، وعلا النحيب، قلتُ في نفسي صحيح الظواهر الكونية لا ترتبط بموت أحد وحياته، لكن ولِمَ لا؟!.
لِمَ لا يُحرِّك الله من أجله سحبًا وأمطارًا وأكثر من ذلك, وهو الشاب العفيف الذي نشأ في عبادة الله وطاعته من الذين يظلهم الله في ظله، كما جاء في الحديث، وهذه هي مقدمات الظل.
وهو الذي كان يحمل كتاب الله، ويعلمه بصوته الملائكي العزب الذي رتَّله آلاف المرات، فهيَّج قلوبنا ونفوسنا مع ذكر الله.
وهو الذي وقف يحمل دعوة الله للناس، فقال له الظالمون والمخبرون "خف على نفسك".. فما أعارهم التفاتًا، وما لانت له قناة، وما فتر وما استكان وقال: "لا أخاف إلا الله".
قالو له: "سنقفل شركاتك" فقال لهم: "كنت فقيرًا، وهذا ليس مالي بل مال الله، وأنا مستخلف فيه، خذوه كيفما شئتم، وأنَّى شئتم، فلن أترك دعوة الله، ولا أقول إلا كما قال العبد الصالح ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾".
وهو الذي كان يحج كل عام، ويذهب إلى العمرة كل عام، وعُرض وجه الباسم المتألق على نفحات ورحمات الله، وتضلع من ماء زمزم.
وهو الذي كان أبر الناس بوالديه، ومات في حياتهما، وهما يذرفان الدموع بثباتٍ وصبر جميل، قائلين: "اللهم ارض عنه فقد كان أحسن الناس".
كيف لا وهو الذي أنفق حتى لم تعلم شماله البتة ما جادت به يمينه، ولما وصلنا قبل الجنازة بساعتين، ولا نعرف البيت قالت زوجتي لسيدة كبيرة تبكي بحرقةٍ ولوعةٍ هل أنتِ أمه؟ قالت: لا! مات زوجي منذ أكثر من 15 عامًا، وهو يتكفل بنا في كل شيء، ولما كبر ابني وظَّفه عنده، وزوَّجه، وكذلك ابنتي.
كيف لا وهو كان شمعةً مضيئةً يهتدي على ضوئها التائهون والضالون، يلتمسون في ضوئها ذكر الله والقرآن والخير والصلاح.
كان ضيًّا مزهرًا في أنفاق مصر المظلمة، يزرع الخير للناس، ويبني بعرقه وإخلاصه وجهده مئات البيوت، كيف لا وهو كان يجيد صناعة الرضا والأمل والسلام.. لقد انطفأت شمعة جميلة من شموعنا الوضيئة، لكن أعماله وعطاءاته وإسهاماته تدبُّ فيها الحياة.. رحم الله من علمنا الرضا.