أثار المسلسل الإيراني يوسف الصديق جدلاً في الأوساط الدينية والفكرية في مصر في الآونة الأخيرة؛ بسبب عرضه في إحدى القنوات الفضائية المصرية التي استهانت بآراء المجامع الفقهية في مصر وعلى رأسها الأزهر الشريف، التي قضت بضرورة منع إذاعة المسلسل؛ لتصويره الأنبياء في صورة علنية لا تليق بمكانتهم المقدَّسة التي أوجبها لهم الله تعالى، حتى وصل الأمر بهم إلى تجسيد أمين الوحي جبريل، ظانين أنه لا قدسية معصومة من التصوير إلا قدسية الله الواحد سبحانه وتعالى، وهذا الأمر يبدو في ظاهره صحيحًا لا يختلف عليه سني أو شيعي، ولكنْ في باطنه تدليس للحقيقة التي تقضي بأن المقدَّسات إنما تكتسب قدسيتها من قدسية الله سبحانه، والتجرؤ عليها إنما هو تجرؤ على الله، يقول تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: من الآية 253).
ولو وافقناهم على ما فعلوا لانسحب هذا غدًا للتجرؤ على جميع المقدسات، ولصارت حياتنا فجَّة ليس فيها ما نحترمه ونقدِّره، ولأصبحت الإباحية بكلِّ صورها الفكرية والمادية هي المتحكمة في مجريات حياتنا، خصوصًا أن هذا المسلسل يتزامن مع فيلم أمريكي يُعرَض فيه لنبي الله موسى- عليه السلام- بأسلوب وضيع يتناسب مع قدر العارضين له، وكأن شخص الأنبياء أصبح مشاعًا لكل نابح أو طالب شهرة فارغة.
ومع شهادة الكثيرين للمسلسل على أنه عمل فني راقٍ على المستويين التشخيصي والإخراجي وكذلك دبلجة الصوت، عايش من خلاله من تتبعه من المصريين على وجه الخصوص أجواء تاريخهم المشرق، عندما كانت مصر سلةً للغلال ومخلصةً لمن حولها من أزماتهم، خلافًا لما فيه مصر في هذه الأيام، فإن السيناريو الذي صيغت فيه هذه القصة قد أُعدَّ بطريقة لا تخلو من الحرفية الشديدة التي تجعله يوظف كرمز فني أو معادل موضوعي(1) يخدم بل يروِّج للنظام السياسي الذي تنتهجه الدولة الإيرانية في العصر الحديث منذ وصول الخميني إلى الحكم، وهذا النظام يعرف (بولاية الفقيه)، الذي وُضع كمعادل أيضًا للديمقراطية الأمريكية؛ حيث الأخذ بمبدأ الجمهورية كإطار مفهومي للدولة الإسلامية المعاصرة، والدفاع عن الإرادة الشعبية كأساس للسلطة، وربط تطبيق الأحكام الشرعية بالمصالح العامة، والحقوق السياسية بالمواطنة(2) وهذا النظام يعطي الفقيه الجامع للشرائط كل صلاحيات الإمام الغائب، بما فيها منصب الحكم السياسي إلى حين ظهور المهدي المنتظر.
وقد استغلت أحداث المسلسل كمعادل موضوعي لولاية الفقيه على ثلاثة محاور: المحور الأول: وهو المحور الكلي الذي استغلت فيه القصة وأحداثها المتصاعدة التي عُرضت بطريقة لا تخلو من التشويق والإثارة في وصول يوسف الصديق إلى سدة الحكم، والقضاء على الكهنة الذين مصوا دماء الشعب وكانوا رمزًا للرجعية والتخلف، وكيف أنه جاء حاملاً آمال وأحلام الطبقات البرجوازية التي عانت من ظلم الطبقة الثرية التي أذلَّت الأكثرية؛ ما جعل يوسف الصديق يتنبأ بسقوط هذه الطبقة، وأن الموازين ستنقلب حتى يصير أعلى الناس أسفلهم وأسفل الناس أعلاهم على يدِّ رجل يوكل إليه الناس أمورهم، بل يبيعون أنفسهم له مختارين، حتى اعتبروا العبودية للدولة خلاصًا لهم؛ حيث إن مُجسِّد يوسف الذي عرضوه كمعادل للولي الفقيه يكون هو المخلِّص لهم ولأولادهم من عبوديتهم.
وبهذا تم تطويع السيناريو الذي صيغت فيه هذه القصة بما يخدم الأسلوب الذي ينتهجه أحمدي نجاد في محاولة ظهوره الدائم على أنه نصير الفقراء والمساكين، ويقدم ذلك في شكل بساطة في زيِّه ومعيشته، فنراه لا يهتم بالمظهر العام الذي تمليه عليه وظيفته كرئيس دولة كبيرة.
أما المحور الثاني، وهو محور يدل على ليّ المفاهيم أيضًا وحمل الآيات القرآنية إلى ما لا تحمله أو تهدف إليه، وذلك اتضح من عبارات نطق بها القائم بدور النبي يعقوب مع أسرته، وكذلك مع القائم بدور يوسف الصديق عندما قال: إن يوسف هو ولي الله وله الولاية عليَّ أنا، وعند حواره مع يوسف قال: يا ولي الله ألم أقل إن لك الولاية عليّ.
وهنا تطل الأفكار الشيعية برأسها مقدِّمة منزلة الولي على منزلة النبي(3)، وهذا لا شك يخدم رؤيتهم عن الولي الفقيه، وكذلك شعارهم اليومي ونداءهم في الأذان (أشهد أن عليًّا ولي الله) بحكم رؤيتهم المعكوسة للحقيقة في أن عليًّا- كرم الله وجهه- كان هو المستحق للنبوة، فأخذها الرسول- صلى الله عليه وسلم- عنوةً، ثم غصب الخلفاء كأبي بكر وعمر حقَّه في الإمامة، وهذا الأمر يضيق عنه المجال في تفنيده وبيان الادعاء الذي يكتنفه.
وما يهمنا هنا هو بيان خطئهم الجسيم في تفضيل الولي على النبي، وهي قضية سبق أن تحدَّث فيها علماء التصوف الإسلامي، وقدَّموا من الأدلة على فضل النبي على الولي، يقول الهجويري في كتابه كشف المحجوب: "اعلم أن جملة مشايخ هذه الطريقة مجمعون على أن الأولياء في جميع الأوقات والأحوال متابعون للأنبياء ومصدقون لدعوتهم، والأنبياء أفضل من الأولياء؛ لأن نهاية الولاية بداية النبوة وجميع الأنبياء أولياء، ولكن لا يكون من الأولياء نبي، والأنبياء متمكنون في نفي صفات البشرية... "(4)، ثم يعقِّب على ذلك بتعقيب غاية في الأهمية يكشف هذه الفرقة التي تدَّعي تقديم الولي على النبي، كما حدث في هذا المسلسل: ".. ولا يختلف في هذا أي أحد من علماء أهل السنة ومحققي هذه الطريقة غير فريق من الحشوية وهم مجسمة أهل خراسان المتكلمون بكلام متناقض في أصول التوحيد ويسمون أنفسهم أولياء، حقًّا ولكنهم أولياء الشيطان، ويقولون: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، ويكفيهم هذه الضلالة أنهم يجعلون جاهلاً أفضل من محمد المصطفى- صلى الله عليه وسلم..." (5)، وهناك من يستند في تفضيل الولي على النبي قياسًا بقصة الخضر مع موسى عليه السلام التي ذكرها الله سبحانه في سورة الكهف؛ حيث رزق الله الخضر علمًا لدنيًّا وجعل موسى يصحبه ويتعلم منه، يقول تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)﴾ (الكهف: من الآية 65)، وقد عرض العارف بالله أبو العباس المرسي لهذا الرأي في قوله: "كنت مع الشيخ (يقصد أبا الحسن الشاذلي) في بحر عيذاب، وكنا في شدة من الريح الأذيب (الشديد) وكان المركب قد انفتح، فقال الشيخ: رأيت السماء قد فتحت ونزل منها ملكان، أحدهما يقول موسى أعلم من الخضر، والآخر يقول الخضر أعلم من موسى، ونزل ملك آخر وهو يقول: والله ما علم الخضر في علم موسى إلا كعلم الهدهد في علم سليمان حين قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (النمل: من الآية 22)، ففهمت أنَّا سلمنا في سفرنا، فإن موسى سخر له البحر"(6).
يتضح من هذا أن علم الولي مهما بلغَ نقطة في بحر النبي، ولا يُفضَّل عليه أبدًا، يقول أبو اليزيد البسطامي: "فكما أن مراتب الأولياء خافية عن إدراك الخلق كذلك مراتب الأنبياء خافية عن تصرف الأولياء"(7).
أما المحور الثالث الذي وُظِّفَت فيه أحداث المسلسل من أجل الدعوة إلى ولاية الفقيه، ألا وهو بث بعض العبارات التي تروِّج للإمام الغائب أو المهدي المنتظر الذي يحل الولي الفقيه خليفة له، وهذا اتضح من عبارات قالها القائم بدور يوسف الصديق في سؤاله لشخص ربما يجسِّد شخصية "أبو الأنبياء" إبراهيم عليه السلام الذي بشَّره بالمخلص الموعود، قال: ومتى يأتي المخلص الموعود؟ قال: بعد النبي الخاتم، وما المخلص الذي ينتظرونه بعد النبي الخاتم سوى الإمام الغائب أو المهدي المنتظر، وهذا الأمر ليس مجرد فكرة، ولكنه اعتقاد وصل إلى حدِّ الهوس، حتى وصل بهم الأمر إلى درجة إعلان الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" أثناء خطابه في مؤتمر دربن في جنيف أنه على اتصال مباشر بالمهدي المنتظر، وأنَّ كلَّ شئون الدولة الإيرانية يُسيِّرها المهدي، وما نجاد إلا منفذ لأوامره المقدسة، بل صرح بأنه قد رأى نور المهدي كذلك، ويؤكِّد العديد من قيادات الحرس الثوري الإيراني أنهم مُلهَمون من قِبَل المهدي ويتبعون أوامره مباشرة.
وأهل السنة والجماعة لا ينكرون حقيقة المهدي بل يؤكِّدونها؛ لورودها في أحاديث صحيحة متواترة، ذكر بعضها الألباني في السلسلة الصحيحة وقدَّمها بقوله: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يخرج مع عيسى عليه السلام فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه فيملأ الدنيا عدلاً بعدما مُلئت جورًا، ومن هذه الأحاديث قال صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر أمتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتُخْرِج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثماني". (يعني: حجة). (صحيح).
ولكنَّ هناك فروقًا واضحةً بين رؤية كلٍّ من السنة والشيعة للمهدي ومنها:
- أن المهدي عند أهل السنة اسمه (محمد بن عبد الله) فاسمه يوافق اسم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- واسم أبيه يوافق اسم أبيه، أما مهدي الشيعة فاسمه محمد بن الحسن العسكري، وهو الإمام الثاني عشر عندهم، وهم يطلقون عليه الحجة كما يطلقون عليه القائم، ويزعمون أنه ولد سنة (255هـ) واختفى في سرداب "سر من رأى"، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان؛ لينتقم لهم من أعدائهم، ولا يزال الشيعة يزورونه بسرداب مدينة "سر من رأى"، ويدعونه للخروج.
- أن المهدي عند أهل السنة من ولد الحسن, ومهدي الشيعة من ولد الحسين.
- أن المهدي عند أهل السنة تكون ولادته ومدة حياته طبيعية، ولم يوجد في الأحاديث بحسب اجتهاد أهل السنة والجماعة ما يدل على أنه يمتاز عن غيره من الناس بشيء من ذلك، أما مهدي الشيعة فإنه قد وُلد منذ مئات السنين ونسله متصل اتصالاً مباشرًا مع الآل الطاهرين (8).
وقد أخذت قضية المهدي مساحةً عظيمةً من فكر الشيعة واعتقادهم والترويج لها؛ ما تبع ذلك كثير من الويلات على الأمة الإسلامية؛ ما جعل أعداء الأمة يستغلون عقيدة المهدي عندهم في تضليل الأمة ودعوتها إلى الاتكالية والتراخي عن العمل، وتغييب عقل الأمة في مجاهل غيبية؛ لصرفها عن واقعها المؤلم؛ ولذلك يرى الدكتور محمد داود "أننا يجب ألا ننتظر العصا السحرية التي يأتي بها المهدي التي يغيِّر بها واقعنا المؤلم وتخرجنا من كبوتنا، وإن يكن من مهدي تنتظره الأمة الآن فهو: أن تتخلى الأمة عن أسباب التأخر والتخلف والانتكاس، هو أن تتخلى الأمة عن التشتت والتمزق، هو إحياء قيم القرآن والسنة في الأخلاق والمعاملات بدلاً من التغريب الضارب في جوانب حياتنا، هو أن يتحول كلامنا إلى أفعال"(9).
ولعلي بهذا أكون قد جلوت بعضًا من عتمة الصورة، وألقيت الضوء على بعض من المفاهيم المعكوسة التي يحملها هذا المسلسل وغيره من الأعمال الفنية، التي تصدر إلينا من إيران، حاملةً الكثير من الأفكار والمعتقدات المريبة التي لا تتفق من قريب أو بعيد مع رؤية أهل السنة والجماعة.
------------
1- راجع: الرمزية لتشارلز تشادويك، ترجمة إبراهيم نسيم، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992م.
2- الخميني وثلاثون عامًا من ولاية الفقيه، عبد الله الطحاوي، موقع "إسلام أون لاين" 02-03-2009.
3- لا تعني هذه الإشارة مطلقًا إنكار مكانة أولياء الله، فإن لهم قدرهم الذي خصهم الله تعالى به في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)﴾ (يونس).
4- الهجويري: كشف المحجوب، تحقيق د. إسعاد قنديل، ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ج 2 ص 474.
5- المصدر نفسه.
6- ابن عطاء الله السكندري: لطائف المنن، تحقيق د. عبد الحليم محمود، ذخائر العرب 82 ط3 دار المعارف 2006 ص 81.
7- كشف المحجوب ص 476.
8- راجع كتاب: المهدي المنتظر لمصطفى حيدر الرياض الطبعة الأولى 1430- 2009م. والمهدي المنتظر عند الشيعة الإثنى عشرية لجواد علي، ط منشورات الجمل القاهرة.
9- القرآن وصحوة العقل، ط دار المنار القاهرة 2004 ص 86.
--------------