1- واجه دعوات التغريب بحق
إن حملة التغريب التي واجهها الإمام البنا بحق ركزت من قديم- وما زالت- وتعدت الحدود وما زالت تتعداها، وكذبت على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما زالت تكذب، وزورت التاريخ وما زالت تزوره؛ حين قالت: إن الدين خرج من الأرض، ولم ينزل من السماء، فأنكرت بذلك الوحي والغيب والرسالات والرسل، وقالت أيضًا: إن هناك خلافًا عميقًا بين الدين والعلم، ونتج عن ذلك الحملات المركزة على مراكز الإسلام ومنابع النور مثل: الأزهر الشريف.
كما زرعت النقد والسخرية والنيل من علماء الإسلام ومن حفظة القرآن، وأفسدت المرأة بالسفور والجرأة على الله ورسوله والاستهتار بالقيم، وأصبحت هناك موجة رخيصة من القصص الإباحية المؤلفة والمترجمة، والأغاني الإباحية، ودعوة مستمرة إلى الفصل بين الدين والمجتمع، وبين القانون والشريعة، وبين الإسلام والحياة.
ونستطيع أن نقول: إن القضايا التي حمل لواءها التغريب عديدة ووافرة، وشملت كل جوانب ومجالات الفكر والبحث، ولم تترك مسألة واحدة دون أن تثير حولها الشبهات، وتحاول أن تحمل ما تحمله من قيم.
وأهم هذه القضايا التي أُثيرت وما زالت تثار نحصرها في الآتي:
1- الدعوة إلى عالمية الثقافة؛ بمعنى أنه ليست هناك ثقافة إسلامية وأخرى غربية.
2- تجزئة الإسلام؛ فهو عندهم دين من غير دولة، أو دولة من غير دين، وهو تمزيق للإسلام الموحد المتكامل، بالفصل بين الدين والحياة، وبين المجتمع والدين، ولهم عبارتهم المشهورة التي تتردد دائمًا على الألسنة (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، والدين لله والوطن للجميع)، والحق في تقديرنا أن الدين لله والوطن لله والجميع لله سبحانه وتعالى.
3- إباحة نقد النص القرآني؛ بعرضه على ميزان النقد الأدبي كأي نص بشري، يخضع لموازين البشر، ووجهات النظر المختلفة.
4- تزييف التاريخ وتدمير البطولات وإحياء الأساطير والتشكيك في قادة العمل الإسلامي على مرِّ الزمن، ووضعهم تحت التراب؛ وذلك كله كمحاولة لطمس تاريخ الإسلام.
5- إسقاط الدور الذي قامت به الحضارة الإسلامية في شتى المجالات، وعدم الاعتراف بها، ورمي المسلمين بالرجعية والتخلف.
6- إذاعة الأدب المكشوف، وتعظيم ثقافة الغرب وتغريب التعليم والجامعة والتربية.
7- ونؤكد أن الهدف الأساسي لدعاة التغريب هو: التنفير من الشريعة الإسلامية، والبعد عن القرآن ونبذ أحكام الإسلام وراء الظهور في كل شيء حتى في الأحوال الشخصية، حتى قال بعضهم: (إن ما جاء في الدستور المصري بأن (مصر دينها الرسمي الإسلامي) هو نص مشئوم).
2- واجه الإمام الأجيال التي ربيت على هذه المزاعم
بدأ الإخوان بكشف الذين يعملون في الظلام وتحديدهم فهم:
1- عند حديثهم عن هذا الدين يظهر أنهم غير أمناء ولا يحترمون المسئولية؛ فهم مع الأسف الشديد يفهمون الإسلام فهمًا لاهوتيًّا غربيًّا؛ فهو عندهم مجرد عبادات أو ترانيم وطقوس، وهم متأثرون بالثقافات الغربية التي نشأ خلالها فكرهم وتكوينهم الثقافي، وهي مفاهيم غربية قائمة على نظرة العلمانيين للدين.
2- لجئوا إلى أسلوب خبيث فقالوا: نحن نحترم الإسلام والقرآن ولذلك وضعناهما في مكتبة فوق الخلافات.
3- وهم بهذا وضعوا الإسلام على الرف؛ كتاب يُتبارك به ويُقرأ في الجنائز على الموتى أو في المقابر، أما شئون الحياة، أما تربية الإنسان، أما الأخلاق، أما الأفق العالي فقد أغلقوا الباب عليه.
4- ونحن نعلم أنهم حين يتحدثون عن الإسلام يكتمون في أعماقهم أحد مفهومين: التفسير المادي للتاريخ، أو التفسير الغربي للدين.
5- ومنهم الذين يدخلون إلى ساحة الفكر الإسلامي بعبارات مرنة ليتمكنوا من خداع القراء، ولكي يصلوا إلى غايتهم، فهم ينكرون عالمية الشريعة الإسلامية، ويشككون في قدرتها على البقاء والاستمرار على مدى الأزمنة والعصور أي أنها في زعمهم: ليست صالحة لكل زمان ومكان، وبعضهم يتبجح فينكر الإسلام علنًا ويقول: إنه انتهى باستشهاد الإمام علي رضي الله عنه، وبهذا ينسى التاريخ الثابت، وينسى الفتوحات الإسلامية، وينسى العدالة والنظام، وينسى الحكم بما أنزل الله؛ فقد ظل الإسلام كقانون يحكم حياة المسلمين ألف سنة، والفترة الأولى فترة الخلفاء الراشدين، وهي فترة امتياز في الاستقبال والتطبيق، وتأتي بعدها فترة دولة بني أمية ودولة العباسيين ودولة العثمانيين، وهي جميعًا لم يحكم فيها بغير ما أنزل الله، ولم يستطع فيها أحد أن يُحرِّم ما أحل الله أو يحل ما حرَّم الله، وهذه شهادة للتاريخ الثابت الحق.
نحن لا ننكر أنه كانت هناك خلافات، لكنها كانت محصورة في دائرة معينة كدوائر توزيع المال مثلاً في بيت الخلافة أحيانًا، لكن هذه الأشياء لم تكن من الأمور الظاهرة ومن المعلوم أن السيئة إذا استترت لا تضر إلا صاحبها فإذا ظهرت وفشت أضرت بالجميع؛ من فعلها، ومن سكت عليها فلم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر.
6- ونحن نؤكد أن الإسلام يختلف تمامًا عن كل ما يفكر فيه هؤلاء وما يزعمونه من أباطيل وأضاليل.
إن الإسلام دين الله الخالد له منهجه وله سعة أفقه وأطره، وقدرته الفائقة على إحياء الإنسان الحياة الكريمة، وعلى استيعاب مختلف التفسيرات، ولا يقبل بحال فساد المجتمعات، ولا يبرر أوضاعها المضطربة، ويرى أن الأمم والشعوب عليها أن تلائم نفسها مع شريعة الله، وليس العكس.
7- البعض يجعل حقيقة المجتمع الإسلامي، وأصالته وعمق ما بناه الإسلام فيهم منذ أربعة عشر قرنًا.
إن البعض يجهل هذا التاريخ، ويظن أن المحاولات التي قام بها النفوذ الأجنبي قادرة على هدم مقوماته.
ولذلك فهم يصابون بالدهشة حين يرونه نفض الغبار عن كاهله واستوى عوده وعاود نشاطه، وتلك هي المعجزة التي استطاع الإخوان أن يوجدوها رغم ما حولهم، وما بين أيديهم من أسباب تدعو للفتور أو للقعود.
3- رد الإمام البنا وعمله الذي أحيا أمة
1- يقول: "إن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام أو حينما أعياهم أمره، وثباته في نفوس أتباعه ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام، ولا مظاهره وشكلياته ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواحٍ قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الأشكال والمظهريات لا تُسمن ولا تُغني من جوع".
2- قال الإمام وربى الأجيال على شمول الإسلام فقال: الإسلام نظام شامل ينتظم شئون الحياة جميعًا فهو دين ودولة، ومصحف وسيف، وعبادة وقيادة، وتشريع وقانون، وهو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، وهو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
ووضع للمسلم الحق مقاييس وأخلاق لا بد أن تتحقق فيه بصورة عملية فقال عن هذه الأركان الضرورية للمسلم، وأمرنا أن نحفظها وأن نطبقها في حياتنا وهي: والفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة.
وهي كما ترى أركان الإيمان ومتطلباته.
ووضع نظامًا دقيقًا لفهم الإسلام والفهم الصحيح حدده في عشرين ركنًا لا بد أن يتربى عليها المسلم حتى يصلح أن يحمل رسالة، وأن يبلغ دعوة، وأن يصبر ويصابر في السراء والضراء.
لقد اعتبر الإمام البنا أولى الخطوات أن يبدأ بالفرد المسلم والأسرة المسلمة، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم.
كل هذه المراحل بمعناها الصحيح الدقيق تسير على خطى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ومن حوله الغر الميامين من أصحابه رضوان الله عليهم.
لقد ربى الإمام البنا رحمه الله أبناءه على أن يكونوا دعائم قوية راسخة لا تهتز ولا تنهار؛ فهم رجال عقيدة لا رجال كلام وجدال، رجال جهاد بالنفس والمال لا جهاد على صفحات الكتب والمجلات.
ورباهم على أن يكونوا فوق الخلافات الشخصية، وعدم النظر إلى الآخرين- مهما كانوا- على أنهم لا أمل فيهم بل العكس فالأمل فيهم كبير، وعلينا أن نمد أيدينا إليهم، وأن نكون دعاة لا قضاة؛ فلا نتعالى على أحد.
ويجب ألا يغلبنا الإعجاب بالنفس والغرور؛ فهذه بداية السقوط ونعوذ بالله منها فالله غنى عنا وعن جهادنا قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (6)﴾ (العنكبوت).
من أراد الأجر فالأجر هناك لا هنا، فلا يقف في وسط الطريق ويمد يده لهذا أو ذاك، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)﴾ (العنكبوت).
فنحن أفقر العباد إلى الله، وأحوجهم إلى الله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)﴾ (فاطر).
ربى الإمام البنا أبناءه على هذه المعاني القرآنية، وعلى اتباع الصحابة رضوان الله عليهم، فهذا هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يقول في مرض الموت (إذا مت فكفنوني في قميصي هذا)، وكان يلبس ثوبًا قديمًا فقالوا له: نشتري لك جديدًا؟
فقال لهم (الحي أولى بالجديد).
وهذا هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وأرضاه بلغ من إيمانه وتواضعه لله عز وجل أنه كان يسجد على التراب تواضعًا لله عز وجل.
واعلموا أننا بهذه الدعوة، وبالصدق فيها واليقين بها كل شيء، وبغيرها نحن جملة أصفار، نحن لا شيء.
وكان الإمام البنا يقول لنا: (إن لم تكونوا بها فلن تكونوا بغيرها، وهي إن لم تكن بكم فستكون بغيركم ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).
وقد وضع الإمام لنا السمات الحقيقية للفرد المسلم بأن يكون قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره.
وشعارنا في العمل لتحقيق النصر هو: أصلح نفسك وادع غيرك، فليس إذا هو المال وحده، ولا هو الدنيا كلها فهذه عملة زائفة لا بد أن نصححها بالإيمان فقد لقي الإمام ربه وفي جيبه جنيه وعشرة قروش ومسبحة ومصحف، فهذه هي الثروة التي يملكها أما الثمار الأخرى فهي هذه القلوب التي رباها وهذه النفوس التي صنعها بإذن الله وهذا المنهج الذي جمع الناس عليه، وهو المنهج الذي جمع الناس عليه، وهو المنهج الخالد الذي سيظل المنقذ للبشرية كلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
أيها الأحباب..
أقول لكم.. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر).
إن لنا عمرًا واحدًا ونفسًا واحدةً وأجلاً لا يتقدم ولا يتأخر لحظة واحدة؛ فلنلتقي الله في هذه الدقائق التي نعيشها والتي نحياها فنقضيها في طاعة، فالعمر ساعة فلتكن طاعة، ولنلق الله عز وجل صفحتنا نقية بيضاء إلا من الحسنات نحملها بإيماننا ونقول بأعلى أصواتنا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾ (الحاقة)، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾ (لقمان).
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).