من يود المساهمة في حركة الإصلاح والتغيير لا بد له أن يخلو بنفسه، وأن يتخيل له مستقبلاً باهرًا، وأن يتمنى أمنيات غير تقليدية، وأن يحلم بواقع أفضل، ذلك أن حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، هكذا قالها الإمام حسن البنا- رحمه الله- موصيًا إخوانه: "لا تيأسوا، فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، وما زال في الوقت متسع، وما زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد، والضعيف لا يظل ضعيفًا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّة وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص).

 

جلس عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مع بعض أصحابه في مجلس من مجالس الأحلام والآمال العظيمة فقال لهم: تمَّنوا، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون عندي ملء هذا الوادي ذهبًا؛ فأنفقه في سبيل الله، وقال الآخر: أتمنى أن يكون عندي ملء هذا الوادي خيلاً أتصدق بها في سبيل الله، فقال عمر رضي الله عنه: أتمنى أن يكون عندي ملء هذه الغرفة رجالاً كأبي عبيدة بن الجراح وسالم بن مولى أبي حذيفة.

 

يقول الدكتور يوسف القرضاوي معلقًا على هذه الرواية: رحم الله عمر الملهم، لقد كان خبيرًا بما تقوم به الحضارات الحقَّة، وتنهض به الرسالات الكبيرة، وتحيا به الأمم الهامدة.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: لماذا أحلم؟ وجواب ذلك يكمن في مسائل عدة، لعلَّ من أهمها أمرين:

أما الأمر الأول فهو أن الإنسان في تطلع دائم إلى ما هو أفضل وأحسن، يقول إسحاق بن خليل:

لولا مواعيد آمال أعيش بها         لَمتُّ يا أهل هذا الحي من زمن

 

وأما الأمر الثاني، فهو أن التمني والأحلام تُظهر ما في النفس من علو أو هبوط، ومن صلاح أو فساد، فقل لي ما تتمنى أقل لك مَن أنت، فالقلوب الطاهرة والنفوس العالية تتمنى الخير للناس جميعًا، ولن نستطيع أن نغيِّر واقعنا إلى ما هو أفضل إلا إذا حلمنا وتخيلنا حياةً فاضلةً خاليةً من المنغصات وعوامل الفشل.

 

من هذه المنطلقات أيها السادة اسمحوا لي أن أغمض عينيَ وأسطر حلمًا لأيامنا القادمة.

 

أحلم بقرار جمهوري يقيل الحكومة ويعلن تشكيل حكومة مستقلة تشرف على إجراء انتخابات مجلس الشعب المقبلة.

 

يظهر رئيس الحكومة الجديدة على شاشات التلفاز مؤديًا اليمين الدستوري أمام السيد الرئيس وفي حضور شبكات الإعلام المحلية والعالمية.

 

رئيس الحكومة الجديدة يدعو إلى اجتماع عاجل يحضره ممثلون لكلِّ فصائل المعارضة والقوى السياسية ولا ينسى أيضًا دعوة ممثلين عن الحزب الحاكم؛ لاستماع مقترحاتهم لإجراء انتخابات حرة (لم يستعمل رئيس الحكومة كلمة نزيهة لسمعة هذه الكلمة السيئة لدى الشعب) وينتهي الاجتماع بوعدٍ من رئيس الحكومة بدراسة هذه المقترحات ووضعها محل التنفيذ.

 

رئيس الحكومة يدعو إلى اجتماع عاجل لحكومته ينتهي بإصدار بيان متضمن الإجراءات الجديدة لإجراء الانتخابات النيابية في مصر.

 

تضمنت هذه الإجراءات ما يلي:

1- إنهاء حالة الطوارئ.

2 - تمكين القضاء المصري من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية برمَّتها.

3- الرقابة على الانتخابات من قِبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي.

4 - توفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين.

5 - تمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقِّهم في التصويت بالسفارات والقنصليات لمصرية.

6 - الانتخابات عن طريق الرقم القومي.

 

تعلن الحكومة الجديدة مواعيد التقدم للترشيح، ومواعيد تقديم الطعون مع مراعاة تحديد مدة زمنية لتقديم التظلمات، تفصل فيه الجهات القضائية في مدة لا تتجاوز خمسة أيام، تُعلن بعدها الكشوف النهائية مع تحديد موعد الانتخابات يراعى فيه أن تكون فترة الدعاية لا تقل عن ثلاثة أسابيع مع تحديد ضوابط وميثاق شرف للدعاية الانتخابية.

 

- الطعون كثيرة أشهرها طعن مقدم ضد وزير بالحكومة السابقة يطالب برفع اسم سيادته من الكشوف النهائية وتستجيب اللجنة للطلب بعد دراسته والوقوف على الأسباب القانونية لشطب اسم سيادته من الكشوف النهائية.

 

- وزير الإعلام يعلن سياسة الوزارة فترة الانتخابات، موضحًا فيها الخريطة الإعلامية، ويُظهر فيها مواعيد إعلان البرامج الانتخابية لجميع الأحزاب والمستقلين.

 

- وزير الداخلية يعلن سياسة وزارته ودورها أثناء العملية الانتخابية والمحدد في تأمين مقار اللجان الفرعية والعامة وتأمين سلامة الناخبين.

 

- تقلبت في فراشي واعتدلت على جانبي الأيمن فإذا بي أنظر إلى عرس ديمقراطي تشهده أرض الكنانة.

 

- يبدأ المشهد بعد صلاة الفجر.

 

- سيارات أمنية تنطلق في شوارع المحافظات تحمل رجالاً يلبسون ملابس بيضاء (الحمد لله مش لابسين الزي الأسود) ينزلون من السيارات، وأمام كل لجنة عدد لا يزيد على عشرين فردًا من رجال الأمن، يصطفون صفين خارج مقر اللجنة يستعدون لاستقبال الناخبين.

 

- الساعة الثامنة صباحًا تبدأ اللجنة إجراءات العملية الانتخابية بعد تسجيل حضور مندوبي المرشحين، الشوارع تعجُّ بالمواطنين المتوجهين إلى التصويت في العملية الانتخابية.

 

- بعض المشاهد اللافتة للنظر سيدة عجوز تبلغ من العمر ثمانين عامًا تتأبط زراع زوجها وتدخل مقار اللجنة، يتوجه إليهما قائد القوة الأمنية لمساعدتهما في صعود سلالم المقر الانتخابي، امرأة حامل يبدو أنها في أشهر حملها الأخيرة تدخل المقر الانتخابي يبدو عليها الإرهاق الشديد، سيدة شابة تسير خلف زوجها تدفع سيارة يرقد فيها طفلها الرضيع وزوجها يمسك يد طفله البالغ من العمر حوالي ثلاث سنوات، مذيعة بإحدى القنوات الفضائية تتقدم إلى الزوجين وتسألهم عن سبب اصطحابهما لطفليهما فيرد الزوجان بلسان واحد حتى يتعودا من صغرهما حضور هذا العرس الديمقراطي، مجموعات من الفتيان والفتيات تصطف على جانبي الطريق المؤدي إلى مقر اللجنة الانتخابية يوزعون على الناخبين مطبوعات ويحملون لافتات دعاية للمرشحين، سيارات تحمل مذياعًا تجوب الشوارع تذكِّر الناخبين بالذهاب للإدلاء بأصواتهم قبل السابعة مساءً، بعض أعضاء المجتمع المدني المحلي والعالمي يشاهدون وهم يدخلون المقار الانتخابية أحد المرشحين يدخل مقر اللجنة يدلي بصوته ويخرج مرتسمًا على وجهه بسمة، معلنًا أمام إحدى القنوات الفضائية اطمئنانه لسلامة الإجراءات الانتخابية.

 

- أتقلب ثانية في فراشي وأنا أشاهد التلفاز ورئيس اللجنة القضائية المشرفة على إجراء الانتخابات يعلن نتيجة الانتخابات مع مفاجأة عدم حصول أي من الأحزاب على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة.

 

- رئيس الجمهورية يصدر مرسومًا رئاسيًّا بتشكيل حكومة ائتلافية.

 

- أفقت من حلمي لأقرأ ما سطرته يداي، داعيًا السادة القراء إلى تسجيل أحلامهم وإضافتها لحلمي الجميل الذي أثق أنه سيكون حقيقةً يومًا ما ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51) صدق الله العظيم.