تدور معظم الأسئلة حول الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، خاصةً عندما يوضع دورها الراهن بين العديد من التصورات النقدية، فالعمل السياسي يحتمل العديد من البدائل الحركية، والتي يتوقف الاختيار فيما بينها على حسابات الحركي وتوقعاته.

 

والناظر إلى جماعة الإخوان المسلمين، يجد أنها تمثِّل حركةً اجتماعيةً إصلاحيةً، تمارس دورها السياسي كجماعة ضغط سياسي، وممارسة دور جماعة الضغط هو الذي يجعل الجماعة لا تحدد موقفًا كليًّا من النظام السياسي، وتصرُّ على تأكيد أنها تؤيد ما توافق عليه، وترفض ما تعترض عليه من سياسات الحكم، صحيح أن موقف الجماعة يتحوَّل إلى النقد السلبي لنظام الحكم، مع تزايد سلبيات الحكم، إلا أنها تحافظ دائمًا على فكرة أنها لا ترفض نخبة حكم بالكامل، ولا ترفض النظام بالكامل، ولكن ترفض سياسات وتصرفات النظام، وتقيِّم كل موقف للنظام بمفرده؛ لذا يمكن للجماعة أن تؤيد موقفًا للحاكم ترى أنه إيجابي، حتى وإن كانت كل تصرفات الحكم ليست إيجابية، وبهذا ترسم الجماعة لدورها خطًّا محددًا، تمارس فيه دور جماعة الضغط السياسي، طبقًا لمنهجية محددة.

 

فالجماعة- ومنذ نشأتها- تتعامل مع سياسات الحكم بالنقد، على قاعدة أن الضغط من أجل تغيير سياسات الحكم المتعارضة مع المشروع الإسلامي يؤدي في النهاية إلى إحداث تحوُّل تدريجي في الحكم نحو المنهج الإسلامي، وهي بهذا تتبع سياسة تدريجية في تحويل السياسات إلى الوجهة الإسلامية، وتعتبر أن كل تحول نحو المنهج الإسلامي في الحكم يمكن أن يكون تمهيدًا ضروريًّا لقيام الحكم الإسلامي في نهاية الأمر.

 

ويفهم من هذا أن هناك مراحل مختلفة للحكم الإسلامي، تبدأ بمرحلة تعديل أوضاع الحكم؛ حتى لا تتعارض مع المشروع الإسلامي، وبالتالي تحويله جزئيًّا ومرحليًّا ليصبح نظام الحكم مؤهلاً لمرحلة التحول إلى الحكم الإسلامي الكامل، وبعد ذلك تأتي مرحلة إقامة الحكم الإسلامي الكامل، وكأن هذا المنهج يفترض أن التحول الكامل مرةً واحدةً ليس أمرًا واقعيًّا، وأن التحول التدريجي يمهِّد للوصول إلى مرحلة التحول الكامل، بين نظام قائم ونظام سياسي إسلامي منشود، وهو ما يكمِّل تصوُّر الجماعة عن المنهج التدريجي، والذي يكسب الجماعة ليس فقط منهجها، بل يكسبها سماتها الرئيسة؛ حيث تبدو الجماعة للناظر إليها أنها جماعة تتسم بالتدرج في كل مواقفها وخطواتها.

 

والمشاهد لمواقف جماعة الإخوان ضمن التحالفات السياسية المختلفة ويرى موقفها وموقف القوى السياسية الأخرى؛ يدرك على الفور الفرق الواضح بين الأحزاب السياسية وجماعات الضغط السياسي، فالجماعة تتصرف كجماعة ضغط سياسي، والأحزاب الأخرى تتصرف بوصفها أحزابًا سياسيةً؛ لذا يشعر البعض بعدم الارتياح لتصرفات الجماعة في المواقف السياسية، ويرى البعض الآخر أن مواقفها غير واضحة في الشأن السياسي، والمشكلة تكمن في التعامل مع الجماعة بوصفها حزبًا سياسيًّا، وليس بوصفها جماعة ضغط سياسي، والفارق بين الأمرين واضح، فالحزب السياسي يندفع دائمًا إلى الوصول إلى السلطة، ولكن جماعة الضغط السياسي لها أهداف أخرى، فهي تحاول أن تكون فاعلةً في المجال السياسي، ومؤثرةً في مجريات العمل السياسي، وجماعة الضغط تحتاج إلى تنمية دورها بين كل القوى السياسية، حتى القوى الحاكمة؛ حتى يكون لها تأثير في مجريات العملية السياسية، أيًّا كان مدى رفضها للسلطة الحاكمة، وهي بهذا تصبح عاملاً مهمًّا في معادلة السياسة، وهو عامل لا يمكن تجاوزه، رغم أن جماعة الضغط السياسي تظل بعيدةً عن السلطة، ولكنها- وهي خارج إطار السلطة التنفيذية- تقوم بدور ربما يفوق دور القوى التي تنافس للوصول إلى السلطة التنفيذية، وكلما تزايدت درجة الحرية يمكن لجماعة الضغط السياسي أن تمارس دورًا سياسيًّا فاعلاً، مثلها مثل الحزب الحاكم، فجماعة الضغط السياسي، هي جماعة صانعة للواقع السياسي، دون أن تكون ممارسة للسلطة.

 

والمشاهد يعلم أن جماعة الإخوان المسلمين تقوم بهذا الدور، ويصبح تعريف دورها السياسي بأنه يماثل دور جماعات الضغط السياسي، هو التوصيف الأكثر دقة، فإذا صح هذا التصور يصبح من المهم فهم معنى مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات، فهي تشارك في الانتخابات حتى تكمل حضورها السياسي، وتخرج من الحصار السياسي المضروب عليها، وتحرك الجماهير المؤيدة لها، حتى تقوِّي دورها كجماعة ضغط، ولكنها لا تدخل الانتخابات حتى تصل إلى السلطة، بل تدخل الانتخابات بوصفها كتلة جماهيرية لها حضور سياسي مؤثر، وبهذا تصبح كتلة قادرة على التأثير على الحكم، رغم أن الحكم يرفض تأثيرات الرأي العام؛ ما يجعل الجماعة تعمل من أجل توسيع حضورها السياسي والجماهيري، وتضغط على الحاكم حتى يستجيب للرأي العام، فالجماعة تمارس دور جماعة الضغط السياسي، وتوسِّع من دورها، حتى تصل إلى المرحلة التي يصبح فيها دورها مؤثرًا بحجم الجماهير التي تؤيدها.

 

هذا الموقف في مجمله يدفع بعض القوى السياسية الأخرى إلى طرح العديد من التساؤلات حول الجماعة، فبعض القوى الحزبية والسياسية تريد موقفًا من الجماعة ضد النظام، ويرفض الحوار مع النظام، ولا يكتفي بالضغط عليه فقط، ويطالب بتغيير النظام الحاكم، وهذا موقف لا تأخذه الجماعة، لأنه قد يحوِّل خطتها إلى مرحلة التنافس للوصول إلى السلطة؛ لذا يمكن فكُّ كل الغموض الذي تثار حول الدور السياسي للجماعة، من خلال التعامل معها بوصفها جماعة ضغط سياسي، تريد أن يكون تأثيرها فاعلاً في مجمل الحياة السياسية.

 

والناظر إلى مشاركة الجماعة في الانتخابات النقابية والطلابية، يجد مؤشرات أن تلك الانتخابات التي تشارك فيها الجماعة، هي الوسيلة التي تحقق وجودها ككتلة شعبية لها حضور مجتمعي واسع، ومن هنا تكتسب الجماعة ثقلها الحقيقي؛ لأنها تثبت للمشاهد أنها كتلة مجتمعية قوية وفاعلة؛ ما يزيد من تأثيرها كجماعة ضغط، وهو ما يتضح أكثر عندما تبدأ مرحلة المفاوضات في أي انتخابات، وعندما تلجأ القوى الأخرى إلى جماعة الإخوان قبل الانتخابات، فهذا المشهد يؤكد أننا بصدد قوى اجتماعية، يحاول البعض التحالف معها لتحقيق فوز انتخابي، وهو ما يكرِّس وضع الجماعة كجماعة ضغط سياسي.

 

ولكن هذا الموقف الظاهر في تصرفات الجماعة، يواجه ببعض الآراء الناقدة له، فهناك رؤية تخرج من داخل الجماعة، تريدها أن تتصرف كحزب سياسي، ورؤية أخرى تريدها أن تبتعد عن المجال السياسي، وهذه الرؤى لا تتفق كثيرًا مع دور جماعة الضغط، وترى أن الجماعة تحتاج إما إلى الدخول إلى غمار العملية السياسية، وتطلب السلطة، أو تخرج من تلك العملية، وقد يرى البعض أن موقف جماعة الضغط يكلف الجماعة الكثير، وأنه لا يتيح لها تحقيق إنجاز ملموس على الأرض في ظل الاستبداد السياسي الكامل الذي يميز النظام المصري، وربما يفسر هذا، لماذا تخرج دعوات من داخل الجماعة وخارجها متعارضة، تدفع الجماعة نحو الدخول في غمار المواجهة السياسية؛ بأن تطلب السلطة أو تدفعها إلى الخروج من العملية السياسية.

 

والملاحظ على موقف قيادة جماعة الإخوان المسلمين أنها ترى الإصلاح السياسي جزءًا ضروريًّا من مشروعها الإسلامي المتكامل، لذلك فهي تسير في اتجاه تعميق دورها السياسي إلى الأمام بلا تراجع، وتطور دورها تدريجيَّا، لهذا يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين تمارس دورها كجماعة ضغط سياسي حتى الآن، وأن تلك المرحلة مرشحةٌ للاستمرار في المستقبل، ولكن التحوُّل من مرحلة جماعة الضغط السياسي إلى مرحلة الحزب السياسي الذي يطلب السلطة، يبدو محتملاً، وربما أحيانًا مرجَّحًا، ولكن زمانه له شروطه، وليست كل الشروط معروفة من الآن.