أليس منكم رجل رشيد في هذا الأتون المستعرة من انفلات الأسعار، وغلاء المعيشة، وهذا الانحدار الأخلاقي الملحوظ، وتوغل البطالة وانتشارها بهذه الصورة المفزعة، وغياب العدل بصورته الحقيقية بمعنى غيابه عن أرض الواقع وبمعزل عن الناس والحياة، وانعدام الدخل الذي يكفل لصاحبه الحياة الكريمة، فضلاً عن هذا الكم الهائل من الضغوط النفسية والمشاكل الحياتية والاجتماعية التي لا حصر لها وتفشي الأمراض والأوجاع بهذه الصورة المفزعة التي لم نعهدها من قبل، وغياب الرقابة الحقيقية عن مؤسسات الدولة، والسطو الجماعي على أملاك الدولة، وغض الطرف عن اللصوص والمجرمين، فضلاً عن تراجع وانحسار دور مصر الإقليمي والدولي بصورة لم تحدث قط في تاريخ مصر، وبزوغ نجم دول ما كنا لنسمع عنها من قبل، وكنا نعرف مكانها على الخريطة فوجدت الساحة شاغرة بلا منافس حقيقي فعلي؛ فاستطاعت بجهد قليل جدًّا أن تعتلي الساحة، وتشغل مكانة مصر، وتصبح ملء السمع والبصر في مثل هذه الأجواء الملبدة.
هذا الغيم الكثيف، وهذه العواصف الهائجة يخرج علينا الحزب الحاكم بملامحه القاسية المعهودة وبطريقته المملة التي حفظها الشعب كله؛ ليعلن بكل ثبات ووقار أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستكون بلا مقاطعة (غاية في الشفافية والنزاهة والاحترام) مثل كل الانتخابات السابقة، ثم يرد أحد أقطابه رغم نزاهة الانتخابات وشفافيتها لن تحصد المعارضة والمستقلون- يقصد بالطبع الإخوان- إلا على بعض المقاعد المحدودة جدًّا!! وكيف عرف هذا؟ أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رؤيا صادقة؟ أو لعله اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا؟!.
أي نزاهة هذه؟!!، وأي شفافية وأي مصداقية؟!!، إن هذا استخفاف واضح بعقولنا، واستهتار بالشعب وسخرية من المواطنين، واستهزاء بالقانون والدستور، وكان لسان حاله يقول سيتم تزوير الانتخابات وتزييف إرادة الأمة بطريقتنا المعهودة، ووسائلنا المعلومة للجميع شئتم أو أبيتم!!.. ما هذا الواقع المؤسف وهذا المستقبل المظلم إذا ظل الأمر هكذا بهذه الرعونة وهذا الإسفاف في لغة الخطاب؟!.
إن جريمة تزوير العملة، أو المحررات الرسمية يعاقب عليها القانون بالحبس المشدد بين 3 أو5 سنوات، وجريمة تزوير إرادة أمة بأسرها لا يعاقب عليها فاعلها، بل ربما يُكافأ عليها بمنصب رفيع وبسلطات لا حدَّ لها؛ لتفرز لنا الانتخابات المزورة نواب الكيف، وتجار المخدرات، ونواب القمار، ونواب سرقة قرارات العلاج على نفقة الدولة، ونواب بلطجية لضرب الناس بالرصاص، ونواب بيع أراضي الدولة، ونواب "سميحة"، ونواب يجيدون فن التصفيق بأنواعه المختلفة التي يعرفونها، وتدربوا عليه جيدًا (التصفيق في الوضع القائم، والتصفيق في الوضع الجالس، والتصفيق السريع، والتصفيق المتوسط، والتصفيق المدوي، والتصفيق بيد واحدة.. وأخيرًا التصفيق المزلزل!).
أي مأساة هذه؟! وأي كارثة نعيشها؟! وأي محنة هذه يجتازها هذا الشعب العظيم الذي لا يستحق هذا الذل وهذا القهر وهذا التوحش من قبل النظام الحاكم؟ وتأتي هذه الحملة الأمنية الشرسة المتكررة في شراستها وقسوتها قبل الانتخابات التشريعية القادمة بهذه الغلظة، وهذا الجفاء لأسباب معلومة للجميع من التحجيم للتخويف، فضلاً عن بث الرعب والخوف في قلوب المواطنين لفض الناس عن المشاركة الفعالة الجادة في العملية الانتخابية؛ تمهيدًا لتزويرها وتزييفها، ولكن لا بد من طرح نقاط محددة:
1- إن مصر لن تعدم أبدًا المخلصين والشرفاء من أبنائها في مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات السيادية ذات الطبيعة الخاصة التي تشارك بصورة أو بأخرى في صناعة القرار، والسؤال المطروح هنا بشدة إلى متى هذا السكوت عن إبداء الرأي وإسداء النصيحة والتوجيه ووقف هذه الجريمة البشعة؛ المتمثلة في تزوير إرادة شعب بأكمله على مرأى ومسمع من العالم بأسره، ممن أساء وما زال يسيء بشدة إلى مصر حضارةً وحاضرًا وتاريخًا وقيمةً وشأنًا ومكانةً بين الدول؟!.
وإذا ذكرت عمليات التزوير مصادفة لا بد أن يقفز اسم مصر فورًا (حكومة طبعًا) بصفتها الراعي الرسمي، والمعتمد لأي عملية تزوير، وبأساليب مبتكرة وغاية في الإتقان المفضوح المكشوف على كل الأصعدة، وفي كل ما يطلق عليه انتخابات سواء كانت تشريعية، أو رئاسية ونقابية ومحليات وطلابية؛ حتى انتخابات المجمع الانتخابي للحزب نفسه تم تزويرها، ألا يشعر هؤلاء المخلصون في المؤسسات السيادية هذه إننا في محنة شديد؟ وفي نفق مظلم، وفي مأزق سياسي، وأخلاقي وأمني مفزع من الدرجة الأولى يهدد أمن مصر ومستقبلها ومستقبل شبابها؟!.
فالحزب الحاكم أصبح للأسف الشديد مثالاً للتزوير والتزييف، ومصدر لغم موقوت لانفجار وشيك يهدد استقرار ومستقبل مصر.
2- الحزب الحاكم لا يريد أن يسمع ويرى أو يناقش ويحاور على الإطلاق (ودن من طين وودن من عجين)، وكان وجوده على قمة الهرم حقًّا مكتسبًا أو ملكيةً خاصةً دون الرقاب، ورثها كابر عن كابر، فلا يحق لآخر كائنًا من كان أن يفكر مجرد التفكير في مناقشة تداول السلطة، أو بدلاً من التداول (لأنه مرفوض تمامًا تمامًا من وجهة نظر الحزب الحاكم ويرفض تمامًا مجرد ذكرها!)، المشاركة ولو بنسبة محدودة غير مقلقة، والحكم هنا صندوق الانتخابات مع الرفض التام لأية محاولة تزوير أو تقفيل.
3- إن المحاولات المتكررة والمتعمدة للكبت والقهر وتكميم الأفواه وفرض الرأي بالحديد والنار والتزوير الفج المخزي؛ سيؤدي محالة إلى كارثة وشيكة وإلى انفجار هائل لا محالة، وهذا الانفجار لا نستطيع أن نتكهن بطبيعته وقوته المدمرة وسرعة انتشاره وأبعاده وتأثيره سلبًا وإيجابًا على شرائح الشعب المختلفة، وعند وقوعه كيف نتعامل معه؟ وكيفية والسيطرة عليه؟ أسئلة كثيرة.
4- إن تسطيح الأمور والتعامل مع الأمور الجوهرية والشائكة بنوع من الاستخفاف لن يصب بحال من الأحوال في مصلحة الحزب الحاكم إن وعي أو فقه، وليته يعي أو يفقه هذا، ولكن من مصلحته أن يحكم العقل، والمنطق، ولا يضع رأسه في الرمال؛ لأنه- لا قدر الله- إذا انفلت الزمام نظرًا إلى الضغوط الشديدة على المواطنين خاصة الفقر والقهر والكبت، مع الارتفاع والجنون المرعب للأسعار؛ فإنه أول من سيدفع الثمن وسيكون باهظًا.
5- من المعلوم تمامًا لدى الجميع السياسيين والمراقبين للحراك السياسي أن الحزب الحاكم لا يهمه من قريب أو بعيد صورته أمام شعبه أو أمام العالمين العربي والغربي؛ فإن دول العالم تعلم تمامًا تجاوزاته الصارخة في حق شعبه، ومدى القهر، والكبت الذي يتعرض له الشعب، فلا فرق عنده أن يكون أمينًا نزيهًا أو مزورًا مدلسًا محترفًا لأمر عنده سواء، أما آن له أن يزيل هذه الغمة الشديدة الضبابية عن عينيه، ويرى كما يرى الناس بعيونهم الحقيقة فيرى الأبيض أبيض والأسود أسود والمعوج معوجًا والمستقيم مستقيمًا، ويرفع عن عقله هذه التراكمات المتلبدة، وهذه الهواجس السوداء القاتمة ولو لبضع ساعات فقط، فيفكر كما يفكر الأسوياء العقلاء الناضجون المتفتحون بدون توجس أو خوف أو إيثار للمصلحة الشخصية، وتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والتخفف والتخلي عن الذاتية والأنانية ستفرق معه كثيرًا جدًّا، وسيجد نفسه بعيدًا بعيدًا عن جادة الصواب، بعيدًا عن شعبه، بعيدًا عن ناسه وليسوا بالطبع شلة المنتفعين (الزلنطحية)، فيتدارك من أمره ما فاته، ويستقبل ما استدبر إذا كان حقًّا يريد بصدق ما يدعيه أمام أبواق الإعلام، أنه يريد الإصلاح (من أجلك أنت، وفكر جديد، ومصر بتتقدم بينا.. إلخ)، ثم تأتي هذه الحملة التي شاهدناها من إغلاق للقنوات الفضائية والصحف المعارضة (الدستور) أخيرًا، ومن قبلها جريدة (الشعب) و(آفاق عربية)، ومجلتا (الاعتصام)، و(لواء الإسلام).. إلخ.
6- إن محاربة التزوير لا تقع على عاتق شريحة بعينها أو فصيل بذاته؛ إنما تقع على عاتق الشعب بأكمله، ولن تتأتى هذه إلا بالإقبال الشديد الطاغي على العملية الانتخابية والوجود الفعلي بكثافة؛ لمنع أي تلاعب أو تقفيل الصناديق، وستكون النتيجة إن شاء الله تعالى مرضية إذا كانت المحاولة جادة جدًّا وغاية في الجدية، وعلى قدر بذل الجهد والعرق ستكون النتيجة المرضية لنا ولأجيال قادمة، ستعترف لنا بأننا كنا على قدر المسئولية، وكنا رجالاً، رفضنا الظلم، وانتشلنا أمتنا، وشعبنا وأبناءنا، من شبح المجهول وتسلط الفاسدين والمفسدين على رقابنا.
----------
* أحد قيادات الإخوان المسلمين بالشرقية