لا أنسى هذه الليلة.. كانت ليلة مباركة حقًّا؛ وكان ذلك منذ بضع سنوات، والإخوان في حفل جامع، لتناول الإفطار في ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان، وغص الفندق بعدد كبير من الإخوان والمدعوين من كل الأحزاب، والاتجاهات، وتتابع الخطباء، وفوجئت بخطيب مفوه يكاد يذوب خشوعًا وفصاحة في كلماته، ومما قال: "إن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله كان إذا زار بلدنا، لا يبيت إلا في منزلنا"، واعتقد الجميع أنه واحد من دعاة الإخوان المسلمين.
ولكن بدأ الحضور يتبادلون النظرات في تعجب ودهشة؛ لأن الإمام الشهيد إذا زار الإخوان في بلد فلا يبيت إلا في شعبة الإخوان مع صفوة منهم، ويقضي الليلة في تهجُّد وصلاة وتسبيح.
وما قاله السيد الخطيب سجَّل عليه أول كذبة من أكاذيبه، سألت بعض الحاضرين عنه:
اسمه رجب حميدة.
هل ينتسب عقديًّا وحزبيًّا إلى جماعة الإخوان؟
لا بل إن انتماءه إلى حزب الأحرار.
قلت في نفسي: لا ضير ما دام الرجل يتحدث بهذا البيان الأصيل، إذا ما عفونا عن كذبته الواضحة.
وتمضي الأيام، ويصبح الرجل عضوًا في مجلس الشعب ينتسب حزبيًّا إلى حزب الغد (الفئة المنشقة على أيمن نور)، وكل ذلك لا يهمنا في شيء، ولا يهمنا الاتهامات المتبادلة بينه وبين أيمن نور، وقد بلغ حد اتهامه بأنه "رجل أمني"، أي أنه عين لرجال الأمن على إخوانه ورفاقه، وذوي الحيثية من كبار المعارضين.
ولا يهمنا كذلك ما يردده بعضهم من أنه كان أحد المتجولين بعربة يد يبيع فيها "الكبدة"، قبل أن يصل إلى هذا المركز المرموق، فذلك لا ينال من قدره.
ولكن الذي يحط من قدره حقًّا أنه في مجلس الشعب وفي القنوات الفضائية، طالب بشدة وإصرار بإطلاق الرصاص على المتظاهرين المعارضين لسياسات الدولة، واتهمهم بالخيانة، ومحاربة دستور الأمة، واستقرارها، وما تعيش فيه من سلام اجتماعي.
وفي إحدى القنوات الفضائية منذ أسبوع وبضعة أيام، فوجئنا جميعًا بسيادته وهو يقول حرفيًّا: “فليعلم الجميع أننا في عصر الرئيس مبارك نعيش أزهى عصور الحرية، وأزهى عصور الديمقراطية.. ففي عهده- أطال الله في عمره- لم يُقصف قلم، ولم يُسجن بريء، ولم يُظلم مواطن؛ ويكفي أنه رفع سماعة التليفون واتصل بي وأنا في المستشفى.. في العناية المركزة يسألني عن صحتي.. وأحوالي.
وبعد أن خرجت من المستشفى استدعاني إلى القصر الجمهوري، ومكث معي ساعة كاملة، يسألني عن صحتي، وأحوال المواطنين، واحتياجات الشعب.. و.. و..".
ومن حقنا أن نسأل السيد رجب: ألم يشعر أنه أصبح بمنطقه هذا أشد إسرافًا ومغالاةً من أعضاء الحزب الوطني؟ وهل غاب عن السيد رجب أنباء الأقلام التي قُصفت، والصحف التي أُغلقت، واعتقال الأبرياء الذين لم يذنبوا ذنبًا، والمدنيين الذين حوكموا أمام القضاء العسكري؟
وهل تعاطف الرئيس معه يعد معيارًا للحكم عليه وعلى طبيعة نظامه؟
ألا يعلم بأن هناك عشرات الآلاف من المعتقلين بدون محاكمة، بلغ عددهم أكثر من عدد أسرى الفلسطينيين في سجون الكيان الصهيوني؟
ولكن السيد رجب حميدة- سامحه الله وغفر له- ذكَّرني بمقالات متعددة كتبتها عن النفاق، منها على سبيل التمثيل:
1- النفاق الذي حرق روما.
2- ومن النفاق ما قتل.
3- والنفاق أبو الخبائث.
4- التعليم يسقط في مستنقع النفاق.
5- صحفنا القومية تصدِّر النفاق.
6- صفحة من كتاب النفاق.
7- ومن يحمي شعبنا من جرائم النفاق؟
8- بباوي والنفاق والفوازير.
9- أحمد الجار الله و"سيمفونية" النفاق.
ومما نظَّمته شعرًا يدور في هذا الفلك قصيدة بعنوان (رحلة صيد للسلطان) ونصها:
اسم الدولة: ظلمُستانْ
حاكمها الأعلى: بهمان
هو الدستورُ هو القانونُ هو السلطانْ
**********
في الصُّبحِية
خرج السلطانْ بهمانْ
في رحلةِ صيد بريَّة
فهوايته صيدْ الطيرْ
وبصحبته بعضٌ من أصحابِ السلطةِ والحيثيهة
أطلق طلقتَهُ الأولى
فأصابَ الطائرَ في مقتلْ
سقط الطائرُ يسبقه دمُه المسفوحْ
سأل السلطانُ رئيسََ الوزراءْ
ما رأيُك فيما شاهدتمْ؟
فأجابَ:
بوجهٍ يكسوه الإعجابْ
ما شاء الله يا سلطانْ!!
أصبتَ الطائرَ في مقتلْ
ما شاء الله!!
**********
وجه بهمانُ المختالُ الزاهِي
ثاني الطلقاتِ لطير آخرْ
فأصاب الطائرَ في مقتلْ
سقط الطائرُ يسبقه دمُه المسفوحْ
سأل السلطان رئيسَ الحرس الأمنِيْ:
ما رأيك فيما شاهدتم؟
فأجابَ:
بوجهٍ يكسوه الإعجابْ
ما شاء الله يا سلطان!!
أصبت الطائر في مقتل
ما شاء الله!!!
**********
وجه بهمانُ المختالُ الزاهِي
ثالثة الطلقاتِ لطير ثالثْ
.. أخطأهُ
والطائرُ واصلَ طيرانَهْ
سأل السلطان بهمان:
ما رأيك يا "سيدَ" كلِّ شيوخ المعبدِ والأركانْ...
فيما شاهدت الآن؟
فأجابَ بإعجابٍ فياضْ:
ما شاء الله يا سلطانْ!!
أصبتَ الطائرَ في مقتلْ
لكني أشهدُ معجزةً:
بركاتك حلتْ في الطائر..
.. منحته الطاقة والقدرة
فانطلقَ وهْو المقتولْ
ليواصل رحلتَهُ بأمان
ما شاء اللهُ يا سلطانْ!!
ما شاء الله يا سلطان!!
************
وعلى درب النفاق تسير صحيفة ممتاز القط المسماة (أخبار اليوم)، فتنشر في الصفحة الأولى (السبت 16/10/2010م) صورة للسيد رئيس الجمهورية يتحدث عن نفسه بأبيات نظَّمها حافظ إبراهيم، وهي:
وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبني قواعد المجد وحدي
وبناة الأهرام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي
أنا تاج العلاء في مفرق الشر ق ودراته فرائد عقدي
وفي هذه الأبيات إسراف ومغالاة: فالرئيس هو الذي يبني وحده قواعد المجد، وهو تاج العلا والرقي، الذي جمع من المفاخر ما لم يجمعه أحد.
والأبيات من مطولة نظَّمها حافظ في 57 بيتًا، وأنشدها في الحفل الذي أقيم بفندق "الكونتنتال" لتكريم المرحوم عدلي يكن باشا، بعد عودته من أوروبا، قاطعًا المفاوضة مع الإنجليز، ومستقيلاً من الوزارة، والقصيدة نشرت في 15/12/1921م، وهذه القصيدة عن مصر تتحدث عن نفسها، وتغنيها السيدة أم كلثوم.
ومما جاء فيها غير الأبيات السابقة:
أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي
فارفعوا دولتي على العلم والأخ لاق فالعلم وحده ليس يجدي
وتواصوا بالصبر فالصبر إن فا رق قومًا فما له من مسد
************
وقد يقول قائل إن الرئيس في الأبيات الثلاثة السابقة يتحدث بلسان مصر لا بلسانه هو، وإني لسائل: لو أن تلميذًا سُئل في ورقة امتحانه: من قائل الأبيات السابقة، فجاء جوابه: قائلها الرئيس حسني مبارك، فهل يملك واحد من المصححين ومقدري الدرجات أن يرفض هذه الإجابة؟ لن يستطيع، ويبقى إيراد الأبيات بهذا الشكل على أقل التقدير نوعًا من "الإيهام" الذي لا لزوم له.
ويبقى لممتاز القط كذلك كلمات مخجلة على الدرب نفسه، فينشر في أخبار يومه (22/5/2010م) تحت عنوان مصر "بين الكبار".
أخلاقيات القيادة
ليتكم كنتم معنا، لتروا عن قرب أن الدول الكبرى ليست فقط بالثروة أو القوة الاقتصادية والعسكرية، لكنها في أحيان نادرة قد تكون من خلال رصيد قادتها ورؤيتهم، وأحكامهم وقدرتهم على التعامل مع المتغيرات المتلاحقة، التي يشهدها عالم اليوم، الذي يموج بصراعات وخلافات تتوارى فيها الأخلاقيات والمثل، والقيم والمبادئ؛ ليصبح التمسك بها قيمةً كبرى، وميزة لا تتوافر في بعض الأحيان للدول الكبرى، بمفهومها التقليدي الضيق.
وسط 300 من كبار رجال الصحافة وممثلي وكالات الأنباء العالمية، وقف رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني، يشد على يد الرئيس مبارك، قائلاً: إن الرئيس حسني مبارك واحد من أهم الشخصيات التاريخية المعاصرة، وأستفيد من خبرته الكبيرة على جميع المستويات، وشرف عظيم أن أكون صديقًا له، ونحن نفخر بحسِّه وحنكته السياسية، واستطرد قائلاً: إنه خلال القمة العربية الأخيرة، التي عقدت بمدينة سرت الليبية وشارك فيها بيرلسكوني كان الرئيس مبارك هو الحاضر الغائب، الذي أشاد كل القادة بدوره المهم والتاريخي، في جميع القضايا الإقليمية والعربية والدولية، وأضاف:
أنهم يقولون إن كل الطرق تؤدِّي إلى روما، وأنا أقول إن مفتاح الشرق الأوسط يبدأ بالرئيس مبارك.
يا ليتك يا قط يا ممتاز، ومن سرْت في دربه، وسار في دربك تتدبرون قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)﴾ (النساء).
------------