- المستشفيات العامة تعمل بأجور خاصة بعد الخامسة مساءً
- المواطنون: لو مرضنا سنموت لأننا لا نملك ثمن الكشف
- د. محسن خليل: خصخصة مشبوهة للمستشفيات العامة
- د. محمد فضل: يجب محاكمة الوزير المسئول عن القرار
- جمال تاج الدين: مخالفة واضحة للقانون والدستور
تحقيق: يارا نجاتي
خطوة واسعة قطعتها حكومة رجال الأعمال بقيادة الدكتور أحمد نظيف نحو خصخصة المستشفيات العامة، حين قررت أواسط الأسبوع الماضي تطبيق لائحة جديدة موحدة للمستشفيات بدءًا من الثلاثاء الموافق 26 من أكتوبر الحالي، والتي تسمح للأطباء بالعمل الخاص داخل وحدات الرعاية الصحية والمستشفيات العامة بعد الخامسة مساءً، يوميًّا، وبتحصيل رسوم كشف يحددها الطبيب بنفسه دون تدخل من الإدارة.
وتدَّعي وزارة الصحة أن هدف اللائحة الجديدة هو تحسين دخول الأطباء وإعادة توزيع دخول المستشفيات بما يضمن توفير مبالغ لصيانة الأجهزة الطبية، وتحقيق عائد للتمريض والعاملين، مع إغفال واضح للمرضى الفقراء في بلد يعيش نحو ثلث سكانه تحت خط الفقر.
اللائحة الجديدة تتضارب مع التحذيرات المتكررة لوزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي والتي تطالب بصدور قانون جديد للتأمين الصحي الاجتماعي يشمل جميع المواطنين في مصر، وإلا سيدخل 11 مليون مواطن جديد خلال الـ20 عامًا القادمة في دائرة الفقر، ويحول الطبقة الوسطى إلى طبقة فقيرة بسبب زيادة الإنفاق الصحي.
وتتناقض مع ادعاء "الصحة" دعمها حق المواطن في العلاج وإعلانها قبل أيام تخفيض أسعار 50 دواءً؛ اعتبارًا من يناير 2011، تستخدم في علاج أمراض الصرع والسرطان والروماتويد والحساسية والضغط، وتشمل مضادات حيوية وبكتيرية ومكملات غذائية وغيرها، بالإضافة إلى الـ132 مستحضرًا طبيًّا تم خفض أسعارها بنسبة (20-60%) بدءًا من يوليو الماضي.
(إخوان أون لاين) استعرض آراء المواطنين والخبراء في قرارات الصحة الجديدة بالتحقيق التالي..
للأغنياء فقط
مريم محمد (دبلوم تجارة) واحدة ممن اعتادوا اللجوء للمستشفيات الحكومية للكشف والعلاج وحتى عند إجراء العمليات الجراحية، وتوضح أنها وأسرتها لا تستطيع تحمل أي مصاريف للكشف لو زاد عن عشرة جنيهات، وحتى مبلغ العشرة جنيهات فهي تحتاج لحسبة حتى تدَّبرها.
وتعلن دهشتها "هي مش مستشفيات حكومة يبقى إزاي يتعمل فيها كده؟!"، مشيرة إلى أن المصلحة الوحيدة في ذلك القرار سيجنيها الأطباء من أموال الفقراء والمحتاجين.
فيما تؤكد والدة مريم أن المريض الصباحي سيختلف عن المريض المسائي في الكثير من الجوانب، كما ستختلف المعاملة التي يتلقاها من الطبيب والوقت والاهتمام؛ ما يعني أن الحكومة ببساطة تقول إن العلاج للغني فقط وليس من حق الفقراء.
هنموت
"هاموت أنا وأولادي لو مرضنا" هذا هو رد سيد صبحي (عجلاتي) ويضيف: أنا بالكاد أوفر الطعام لأبنائي الأربعة، واقترض من أقاربي وأصدقائي بقية الشهر.
ويتابع: ابني الكبير فقد وظيفته بعد إصابته بمرض في الكلى، ويحتاج لغسيل الكلى بشكل دائم، ونلجأ إلى المشافي الحكومية لعلاجه، خاصة أن معاشه لا يتعدى 180 جنيهًا، ولأنه يسكن خارج القاهرة يدفع كل شهر 70 جنيهًا مواصلات؛ حتى يصل للمستشفى الحكومي التي تقدم لابنه غسيل الكلى بدون مقابل مادي، متسائلاً عن حال ابنه بعد تنفيذ ذلك القرار.
وتؤكد تيسير عبد الله (ربة منزل) أنها قد تضطر إلى الاستغناء عن الذهاب للمستشفيات نهائيًّا، بعد تنفيذ ذلك القرار، لأنها الآن تدفع جنيهًا وربعًا فقط ككشف طبي، وأي زيادة في سعر الكشف ستؤثر عليها وعلى ميزانية أسرتها.
وتعلن شقيقتها عزة أنها ستحاول علاج أبنائها بنفسها دون الذهاب للطبيب، موضحة أن ذلك القرار ليس في مصلحة المريض الذي لا يمتلك المال الكافي للعلاج الخاص.
الطعام أولاً
وتشير أم شهاب، ربة منزل، أنها ستتوقف عن اللجوء للمستشفيات الحكومية نهائيًّا بعدما تبدأ في رفع أسعار الكشف، قائلة إنها ستستبدلها بالعيادات والمستوصفات المجاورة لمنزلها التي لا يزيد الكشف بها عن عشرة جنيهات، والتي كانت تتركها سابقًا وتأتي للمستشفيات العامة لتكشف بدون مقابل.
وتقول إن مستوى الخدمة والاهتمام في العيادات الخاصة أفضل بكثير من الحكومية، متوقعة أن ينحدر مستوى الاهتمام بالمريض الذي سيأتي في الفترة الصباحية المجانية على حساب مريض الفترة المسائية الذي يدفع كشفًا وفقًا لرغبة الطبيب.
ويرى رضا حسن (موظف بالمعاش) أن القرارات التي تقوم بها وزارة الصحة دائمًا تكون ضد مصلحة المواطن، ويؤكد أنه بدءًا من تطبيق ذلك القرار لن يذهب هو ولا أبناؤه الأربعة إلى الأطباء مطلقًا، حيث إنه في وسط الغلاء الذي نعيشه سيفضل شراء كيلو لحمة لعائلته أو طماطم بدلاً من دفع كشف مُبالغ فيه ولن يجد بعده الطعام أو ثمن الدواء.
"اللي ليه ضهر ميضربش على بطنه" بادرتنا حورية عبد الله (أرملة) بهذا المثل الشعبي بعد أن سمعت بالقرار الجديد لوزير الصحة، وقالت إنها تلجأ منذ فترة طويلة للمسكنات دون الرجوع للطبيب، بعدما تم إلغاء قرار العلاج المستخرج لها، مشيرة إلى أن هذا هو الحال الذي ستستمر عليه بعد رفع أسعار الكشف الخاص بأطباء المستشفيات الحكومية مساءً.
ويضيف سيد عبد السميع (سواق) "الناس هتموت لو المستشفيات الحكومية أصبحت بمقابل مادي"، مشيرًا إلى أن المشافي الحكومية مليئة بمرضى لا يجدون أماكن متاحة للعلاج بعد، وتزدحم مداخل المستشفيات والوحدات الصحية وسلالمها وممراتها بالمنتظرين من المرضى البسطاء، قائلاً إن البسطاء سيفضلون تحمل الآلام على الذهاب إلى الأطباء بمقابل لا يستطيعونه.
خصخصة الأمر الواقع
د. محمد حسن خليل
ويؤكد الدكتور محمد حسن خليل استشاري أمراض القلب ورئيس "اللجنة الوطنية للدفاع عن الحق في الصحة" أن قرار وزير الصحة الجديد خصخصة فعلية للمستشفيات الحكومية بقوة الأمر الواقع، موضحًا أن الأمر الثابت عمليًّا أن الجمع بين العمل العام والخاص يسيء للاثنين معًا، إلى جانب أنه يعرض العمل العام للتآكل على حساب الخاص.

ويضيف: عندما يعمل الطبيب بمرتبين سينصب اهتمامه على العمل صاحب المرتب الأعلى، مبيناً أن وزارة الصحة بتلك الخطوة تخلَّت عن مسئوليتها في تحسين مرتبات الأطباء وحمَّلت بها كاهل المواطنين؛ ما يعدُّ تعديًا على حق المواطن والطبيب معًا.
ويرجح تدهور الحالة الصحية لكثير من المرضى الفقراء، لأن معظمهم لا يملك ثمن الكشف؛ ما سيدفعهم إلى اللجوء للصيدليات وصرف أدوية مخالفة، مؤكدًا أن الحكومة تحاول علاج الخطأ بخطأ آخر أكبر منه وأخطر.
وحول قرارات تخفيض أسعار الأدوية، يقول: إن الأساس القائم عليه تسعيرة الدواء في كل دول العالم واحدة؛ حيث يسجل صاحب الدواء براءة اختراع لدوائه، ومن ثم تقوم شركات الدواء المختلفة بتصنيعه، وبعدها يتم تحديد سعر الدواء؛ بتقديم مستندات تتضمن ثمن المادة الخام، وتكلفة التصنيع، بالإضافة إلى هامش الربح الذي ستحصل عليه الشركة.
ويستنكر أن وزير الصحة يرى أن ذلك الأساس غير صحيح في تحديد سعر الدواء، فيقوم بربط تسعيرة الدواء في مصر بأسعاره في الدول الأجنبية، مشيرًا إلى أن المحصلة النهائية لتلك الخطوة هي ارتفاع أسعار معظم الأدوية المصرية بشكل عام، حيث إن التصنيع في بعضها يكون 40 أو 60% من ثمن الدواء، وفي البعض الآخر لا يتعدى الـ2% من الثمن الإجمالي.
ويبيِّن أن تخفيض الأسعار يتم بسبب انخفاض أسعار المادة الخام وليس نتيجة قرارات خاصة بمصر وحدها، مشيرًا إلى أن تلك السياسية الخاطئة التي تقوم على تطبيق الأسعار العالمية على الدواء المحلي هي التي ينادي بها البنك الدولي، في الوقت الذي لا يحصل فيه المواطن المصري على مرتبات عالمية.
ويؤكد أن تلك التوجهات لا تهدف سوى لمصلحة الشركات الأجنبية التي تنافس أسعار الدواء المصري في الداخل، وفي نفس الوقت تخسر الأدوية المصرية المنافسة الخارجية، مؤكداً أن أي استيراد من الخارج يرفع الأسعار المحلية على المواطنين.
تحايل وتضارب
د. محمد فضل
ويتفق معه الدكتور محمد فضل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الصحة بمجلس الشعب، مؤكدًا أن قرار تحصيل مقابل مادي وفقًا لما يحدده الطبيب هو خصخصة واضحة للمنشآت الطبية الحكومية، إلى جانب أنه يحرم الفقير من إيجاد مكان يقصده للحصول على العلاج.

ويقول: إن القرار به تحايل على الدستور، لأن الأصل الذي أقره الدستور المصري هو العلاج المجاني للبسطاء على نفقة الحكومة، مطالبًا بمحاكمة الوزير الذي أصدر ذلك القرار.
ويرى أن القرار لا يخدم سوى الطبقة الغنية وحدها التي تستطيع التوجه إلى الوحدات الحكومية ودفع مقابل أقل من العيادات الخارجية، على الرغم من أنها تقدر على دفع الأعلى، أما الفقير فلن يتمكن من إيجاد مكان مناسب يذهب إليه عند شعوره بالمرض.
ويستنكر تداعيات ذلك القرار، متسائلاً: "إذا أصبح الكشف يدفع له الفقير مقابلاً ماديًّا، فما هو حاله إذا احتاج لإجراء عملية جراحية؟!"، مضيفًا أن ذلك القرار لم توضع له حتى آليات واضحة ومحددة لتنفيذه، فلم يتم عمل تنسيق بين الوزارة وإدارات المستشفيات؛ لإتاحة علاج مجاني موازٍ للعلاج الخاص المفترض تنفيذه خلال أيام.
ويتابع: التضارب واضح في قرارات وزارة الصحة، فتارة تخفض ثمن الدواء، وتارة أخرى تعمل على خصخصة المستشفيات الحكومية، موضحًا أن قرارات تخفيض ثمن بعض الأدوية التي وصلت إلى ثلاث مراحل ذلك العام، جاءت لصالح اختلاف مصالح بعض شركات الأدوية، أما قرار الخصخصة فيخدم الحكومة وإدارات المستشفيات، ويرفع عنها عبء توفير أجور عادلة للأطباء لديها.
مخالفة للدستور
جمال تاج الدين
ويوضح جمال الدين تاج الدين أمين عام لجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين أن استخدام العيادات والوحدات الصحية الحكومية لصالح عمل خاص أمر مخالف للدستور، حيث إنها قامت ويصرف عليها من خلال دافعي الضرائب، فضلاً عن أن ذلك القرار يخالف حق المواطن الذي كفله الدستور في التمتع بالرعاية الصحية.

ويضيف أن المستشفيات الحكومية ستتحول بذلك القرار إلى مشاريع طبية خاصة، همها تحسين أجور الأطباء على حساب المواطن البسيط، الذي لا يسمح له دخله البسيط بالعلاج الخاص، موضحًا أن وزارة الصحة لها الحق في بناء عيادات خاصة للأطباء لديها، ولكن لا تكون من أموال المواطنين.
ويؤكد أن القرار غير مقبول سواء من الناحية القانونية أو الإنسانية، قائلاً إن الحكومة لا تترك حقًا طبيعيًّا للمواطنين ليتمتعوا به، إلا وتدخلت لحجبه عنهم.