حسن يوسف الشريف

 

الوعي هو الأداة المحركة للفعل الإنساني في الحرب أو في وقت السلم، وعكسه الغفلة؛ وتعني عدم الإحساس بالمخاطر التي تحيط بك ثم عدم التحرك للتغلب عليها، وهناك مؤسسات دولية تابعة لدول عظمى تعمل على تعليب الوعي وتغييبه عن فهم الواقع؛ ليستمروا في تحصيل مكاسبهم ومصالحهم، وتستمر الأمة في حصد الخسائر والمضار؛ فيزداد التخلف يومًا بعد يوم، ويتراكم الجهل والفقر، وتزداد نسبة الغفلة والكسل، وهما أصلان مانعان من الوصول إلى طريق النجاح في تحقيق الأهداف الكبرى، ومن الغفلة والكسل تتولد الهزائم.

 

وتكون الجريمة والخيانة ثابتة على النظم التي تستخدم وسائلها السياسية والإعلامية والتعليمية؛ لإشاعة الغفلة والكسل داخل شعوبها، وتكون الأمانة والصدق صفة لكل نظام تعمل مؤسساته السياسية والإعلامية والتعليمية في زيادة الوعي وتحفيز الإرادة داخل شعوبها، وإذا كان الفكر هو الذي ينظم ويدير هذه المؤسسات، فالواجب هو أن ندقق النظر في هذا الفكر- الذي يدير هذه المؤسسات- من ناحية صحته أو مرضه لكي ينجح وبجدارة في تنظيم وإدارة مؤسسات صناعة "وعي الأمة" و"تحفيز إرادتها" نحو الفعل؛ لأن مهمة الفكر هو تمييز الخبيث من الطيب في عالم الأفكار والتوجهات، وتبيان الحقائق من الأكاذيب في عالم الدعاوى والادعاءات.

 

نعم إنه لا حياة لمن فقد إرادته، ولا عقل لمن لا يستفيد بذاكرته، ولا خبرة لمن لا يقرأ التاريخ؛ فليس غريبًا أن يعمل التحالف الصهيوأمريكي على إضعاف إرادتنا الوطنية والقومية ومحو ذاكرتنا التاريخية والسياسية، وقتل أحلامنا العربية والإسلامية، وإنما الغريب والمريب أن يشارك في هذه المعركة نظمنا ومفكرونا.

 

إنه لا بد من تجمع لكبار المفكرين العرب للعمل على إنقاذ إرادتنا وذاكرتنا وحلمنا العربي قبل القضاء عليهم بالضربة القاضية من التحالف الصهيوأمريكي ومعه للأسف نفر غير قليل معدود من ضمن الصف العربي.

 

ليست المقاومة فقط هي بالأسلحة والذخائر الموجهة للأجساد، بل المقاومة أيضًا قد تكون بالأسلحة والذخائر الموجهة للعقول، أي الاهتمام بإيقاظ الوعي وفن الدعاية لعدالة قضايانا محليًّا وعالميًّا، وهذه لا تقل أهمية عن الأولى؛ يقول (فيليب تايلور): "إن الذخائر التي ينتجها العقل والتي توجه إلى العقول أسلحة أثبتت أنها لا تقل أهمية عن أي من الأسلحة التي ابتكرها الإنسان بهدف أن يمحو وجود إخوانه في الإنسانية"(1).

 

إن السياسة العربية تحتاج إلى إعادة النظر في جوانبها المختلفة، فكل قضايانا عادلة وصدرت لها قوانين دولية لصالحنا، مثل القدس وعودة اللاجئين وخروج العدو الصهيوني من الأرض التي احتلها عام 1967م وإقامة دولة فلسطينية، ورغم ذلك فقد فشلت السياسة العربية في إنجاح هذه القرارات الدولية، بل انتقلت السياسة العربية إلى دور خطير يدل على غاية الضعف، وهو أنها هي التي تقوم بتقديم خيارات السلام بدلاً من أن يقوم بها الطرف المعتدي!!، وهذا أضعف مواقفنا أمام العداء الصهيوني والنفاق الأمريكي.

 

إن اعتماد السياسة العربية وإعلانها "أن السلام مع إسرائيل هو خيارنا الإستراتيجي الوحيد"، قد أفقدها اعتماد أي خيار آخر للحصول على حقوقها، كما أنه ضرب المقاومة في مقتل، كما فهمت العقلية السياسية الصهيونية أن هذا الإعلان العربي هو إعلان للاستسلام.

 

نحن المسئولين عن ضعفنا أمام خصومنا وعن ضعفنا في استرجاع حقوقنا.. إن السياسة العاقلة والناجحة هي التي تعتمد السلام والحرب معًا كخيارات للحصول على حقوقها وحماية مصالحها، فإستراتيجية الغرب في حربه الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق كانت تنص على: "من كان يريد السلام فعليه أن يكون مستعدًا للحرب"، أما سياستنا العربية فهي تسير ضد العقل وضد النجاح، فجعلت خيارها الإستراتيجي الوحيد مع إسرائيل هو السلام.. ولا ندري ما فائدة جيوشها وأسلحتها؟!!.

 

إن كل صهيوني رجلاً وامرأةً هم جنود احتياط في جيش الصهاينة، وكل المغتصبين مسلحون.. وهذا ما جعل بعض الباحثين الغربيين يصف دولة الاحتلال الصهيوني "بأنها دولة عسكرية في غطاء مدني"، فلماذا لا ترفع النظم العربية شعار "كل عربي جندي" حتى يتم استرداد حقوقنا ومقدساتنا؟!.. ولماذا لا تجعل في مناهجها التعليمية والإعلامية هدف تربية النشء على التضحية بكل ما يملك للدفاع عن أرضه وهويته؟!.. بل العكس هو القائم.. حيث وقف الكثير من نظمنا العربية ضد المقاومة الوطنية في العراق ولبنان وغزة، تمامًا مثل موقف التحالف الصهيوأمريكي المعادي لمصالحنا وحقوقنا العربية!!.

 

ورغم ظهور شمس الحقائق التي تثبت هزيمة أمريكا في العراق بعد إقالة وزير الدفاع (رامسفيلد) وإقالة مدير المخابرات ثم اعتراف (بوش) في وسائل الإعلام الأمريكية قبل خروجه من البيت الأبيض بأن المخابرات قد خدعته بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وأسفه على خوض الحرب، ثم هزيمة الجيش الصهيوني في جنوب لبنان وقطاع غزة بعدم تحقيق أهداف الحرب؛ سواء تحرير الأسرى أو احتلال مواقع جديدة، ورغم هذا فلماذا تخفي هذه النظم عن شعوبها انتصارات المقاومة الوطنية؟.. إنهم لا يريدون حتى إدخال الفرحة على قلوب أثقلتها كثرة الهزائم والنكبات!.

 

يجب على النظم العربية أن تهتم بتوعية شعوبها لكي تشارك بفاعلية في تحقيق الآمال ومواجهة المخاطر، بدلاً من أن تعمل على تغييب الوعي وإضعاف الهمم.

 

الوعي هو أول خطوة على طريق نجاح الأفراد والأمم، إن تضليل الشعوب وإشغالها عن معرفة ما لها من حقوق وما عليها من واجبات هو خيانة لمسئولية قيادتها.

 

يجب على جماعة "المفكرين العرب" أن تجعل من أول واجباتها إيقاظ الأمة من غفلتها، وذلك بتوعيتها بالمخاطر التي تحيط بها وتبصيرها بخطة المواجهة للقضاء على هذه المخاطر.

 

السياسة العربية مسئولة عن إضعاف خيار المقاومة ضد المشروع الصهيوني، لا بل حصار المقاومة وإضعافها، لا.. بل الحقيقة أنها عملت على قتل المقاومة، أو استسلامها!، إلى هذا الحد وصل ضعف الوعي وعمق الغفلة في الفكر الذي يقود السياسة العربية والذي يعمل على أن تسير عكس مصالحها وتعمل ضد الحصول على حقوقها؟!.

 

نحن نعلم أن النفاق الدولي ضد العرب حقيقة، ونعلم أن مظاهر الطفولة في السياسة العربية حقيقة، وأن ضعفنا العربي في هذه المرحلة بلغ أقصاه، وأن الاسبتداد والفساد يحاصر الإصلاح ويهدد أهله بالقتل أو التعذيب، وأن المحاولات مستمرة "لتطويع العقل العربي"، و"عمليات تسميمه" مستمرة، وأن الكيان الصهيوني حينما تأكد أننا غير قادرين على عقابها، فإنها مستمرة في إساءة الأدب، كما تقول الحكمة العربية "من أمن العقاب أساء الأدب"، ونعلم أن الطريق نحو تحقيق الحلم العربي صعب، والعقبات ضخمة، والثمن غالٍ جدًّا لتحقيق النجاح؛ ولكن يجب على الأحرار الصادقين أن يستمروا في السير على الطريق مهما كان صعبًا، ويدفعون الثمن مهما كان غاليًا، وسيتحقق النصر رغم ضخامة العقبات، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7). ونصرنا لله يكون بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وتقوية كل ما هو حق، وإضعاف كل ما هو باطل، وهذا هو شأن الأحرار في كل مكان.

----------------

(1) قصف العقول، ص 30.