منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهي تعتمد المنهج الإصلاحي، وليس المنهج الثوري أو الانقلابي؛ وعليه يعد منهجها الإصلاحي من ثوابت الحركة، التي يصعب تصور تغيرها، خاصة وهي ترتبط بكل ممارسات الجماعة، والتي تعتمد أساسًا على إصلاح المجتمع، ولا يمكن إصلاح المجتمع من خلال الثورة، فالثورة هي وسيلة لتغيير الحكم بالكامل ومرة واحدة، وبصورة فجائية.
ولكن هناك مساحات من التداخل بين مناهج العمل، تحدث في ظروف معينة، ومنها الظرف التي تعاني منه العديد من الدول العربية والإسلامية، خاصة مصر، ونعني به المواجهة مع الحكم المستبد، ففي حالة المواجهة مع النظام المستبد، لا يمكن تصور أن تتخلى النخبة المستبدة والمسيطرة على الحكم عن السلطة، إلا تحت ضغوط شعبية لا تستطيع تحملها أو الوقوف في وجهها.
وجماعة الإخوان المسلمين ترى أن الضغط الشعبي هو وسيلتها لفرض الإصلاح على النظام الحاكم، ومعنى هذا أن الإصلاح السياسي سوف يحدث من خلال مواجهة ما تحدث بين الجماهير والنظام الحاكم، تجبر النظام الحاكم للاستجابة لمطالب الجماهير، وتلك المواجهة تمثل شكلاً من أشكال الانتفاضة الشعبية ضد النظام، قد لا تكون ثورة بالمعنى المعروف للثورات، ولكنها حالة تقترب من حالة الثورة أحيانًا، لأنها نوع من الخروج الشعبي في مواجهة الحاكم؛ وهنا تبدو المشكلة، لأن منهج الإصلاح المعتمد على القوة الشعبية، يصل في مرحلة من مراحله إلى المواجهة المفتوحة مع النظام الحاكم.
وإذا نظرنا إلى الرؤى المختلفة الصادرة عن قيادات جماعة الإخوان المسلمين، نجدها تركز على الفاعلية السياسية للجماهير، في أداء واجبهم السياسي والاهتمام بالشأن العام، والوقوف أمام الظالم، وفرض مطالب الجماهير على الحاكم؛ مما يدل على أن القوة الشعبية في تصور الجماعة الإصلاحي، تتمثل في المشاركة الشعبية الواسعة في الشأن العام، مما يجعل للرأي العام قوة متحققة على الأرض تواجه النخبة الحاكمة، وتفرض مطالب المجتمع، وتصورات جماعة الإخوان المسلمين عن المشاركة في الانتخابات، ترسم صورة مقاربة لهذا المعنى؛ فالجماعة تحاول دفع الناس إلى المشاركة في الانتخابات، حتى تستطيع الحشود الجماهيرية منع النظام الحاكم من تزوير الانتخابات. وربما هذا ما يفسر اهتمام الجماعة بالمشاركة في كل أشكال الانتخابات؛ لأنها تمثل المناسبة التي تتحقق فيها المشاركة الشعبية، وهي أيضًا المناسبة التي يمكن أن تفتح الباب أمام الضغط على النظام الحاكم من خلال حشود الجماهير، والتي تشارك بالإدلاء بصوتها في الانتخابات، وتحمي تلك الأصوات، وتجبر النظام الحاكم على عدم التدخل في نتيجة الانتخابات.
هذا يعني ضمنًا، أن الجماعة ترى أن مشاركة الحشود الكبيرة من الجماهير، تمثل البديل الإصلاحي المناسب لها ولمنهجها، وهذا الشكل من المشاركة الجماهيرية، يختلف عن الخروج الجماهيري الغاضب، والذي يميز الثورة على الحكم؛ حيث إن خروج الجماهير الغاضبة، يفقد النظام السيطرة على الموقف في الشارع، مما يجعله يتنحى في نهاية الأمر، إذا لم يستطع السيطرة على الشارع لفترة زمنية ما.
أما المشاركة الجماهيرية، فهي فعل منظم في موقف محدد، تعلن فيه الجماهير موقفها، وبالتالي تعلن موقف الرأي العام ضد النظام أو ضد ممارساته، حتى تضغط عليه لتغيير موقفه، والثورة تقوم لإنهاء حكم الطبقة الحاكمة، أي أن هدفها تغيير الحاكم مباشرة، وبقوة الشارع؛ ولكن المشاركة الشعبية الحاشدة تهدف إلى فرض شروط على الحاكم بقوة الجماهير، فإذا لم يستجب لها، يدفع الجماهير للخروج عليه، ما دام يرفض الخضوع للرأي العام؛ وبهذا تكون الثورة هي عمل جماهيري غاضب، أما المشاركة الجماهيرية الحاشدة، فعمل جماهيري فاعل.
ولكن على أرض الواقع، قد تتشابه بعض اللحظات، خاصة تلك اللحظات التي تشهد لحظة المواجهة المباشرة بين الجماهير والحاكم، فهي في كل الأحوال لحظة نزع السلطة المستبدة من يد الحاكم.
والمشاهد أن جماعة الإخوان المسلمين تلزم نفسها بالعمل من خلال تقوية وحشد الجماهير، وهو طريق طويل، خاصةً إذا تفشت السلبية بين الناس.
كما يلاحظ أن الجماعة تبعد نفسها عن أي تصرف يقود إلى انفجار الشارع، أي أنها تتجنب اللحظة التي يفقد فيها الحاكم السيطرة على الموقف، وترفض أن تحدث تلك اللحظة بسببها، فهي إذن تتجنب كل احتمالات الثورة، وتريد الاستمرار في نهج التعبئة والحشد الجماهيري، حتى تصبح الجماهير قادرةً على فرض تصورها على الحاكم، دون أن يتحول ذلك إلى موجة غضب منفلتة. ولدى الجماعة تصور يقوم على أهمية حماية المجتمع والدولة في مراحل التغيير، فهي ترى أن كل عمل من أعمال الثورة، يؤدي إلى ضرب بنية المجتمع والدولة، وبالتالي يدفع المجتمع ثمنًا باهظًا له؛ ولكن الحذر من تحول أي فعل سياسي نشط إلى حالة ثورة، يجعل الجماعة تدقق في حساباتها، حتى تظل ملتزمة بمنهجها، ولا تفلت الأحداث منها، ويتحول أي فعل لها إلى حالة ثورة أو فوضى. وتلك الحسابات الدقيقة، تؤثر على القرارات التي يمكن أن تتخذها الجماعة.
وتثير هذه القضية العديد من الاختلاف في الرأي سواء من خارج الجماعة أو من داخلها، فالبعض يريد من جماعة الإخوان أن تخرج في وجه النظام لتسقطه، رغم أنه لا يريدها أن تحكم بعد ذلك، والبعض يريد خروجها في وجه النظام لصالح قوى سياسية أخرى، أو لصالح تحالف سياسي. وهناك من داخل الإخوان، تخرج آراء ترى أن الجماعة قادرة الآن على الخروج في وجه النظام الحاكم، وأنها لو فعلت، سوف تنهي حكمه، وتفتح الباب واسعًا أمام التغيير.. أما الرأي السائد لدى جماعة الإخوان المسلمين من تلك الرؤى، فيتحدد طبقًا لشروط الجماعة المنهجية؛ فهي أولاً لا تريد الخروج الذي يأخذ شكل الثورة، ولا تميل للخروج في الشارع لإسقاط الحكم، لأن هذا يعد عملاً انقلابيًّا، كما يطرح سؤالاً حول من سيتولى الحكم، والجماعة لا تريد تولي الحكم الآن، كما أنها تبتعد عن فكرة أن تخرج هي في وجه الحاكم وتسلم الحكم لنخبة سياسية أخرى، لأن هذا يحتاج لنخبة سياسية لها برنامج متفق عليه، وله ضمانات واضحة تمنع هذه النخبة من الانقلاب على ما هو متفق عليه؛ لهذا يصبح الخروج في الشارع لإسقاط النظام عملاً يتسم بالثورية التي ترفضها الجماعة، وهو أيضًا عمل يقوم على تغيير الحاكم، والجماعة لا تطرح نفسها بديلاً عن الحكم الآن، كما أنها لا تعمل من أجل أي نخبة أخرى، حتى توصلها للحكم.
والمشكلة الأهم في مسألة الخروج لإسقاط النظام، تتعلق بالحسابات، وهي مسألة محل اختلاف، فالبعض يرى أن الجماعة تستطيع الخروج في وجه النظام بأكثر مما تفعل، والبعض الآخر يرى أن الجماعة لا تقدر على مواجهة الحاكم، نظرًا لأنه يستخدم سلاح الدولة ضدها؛ ومثل هذه الحسابات تحتاج إلى دراسة الوضع الإقليمي والدولي أيضًا، كما أنها تحتاج لرصد كل ردود الفعل والتفاعلات التي تحدث في لحظة الخروج؛ وهذا من أهم التحديات التي تواجه الجماعة، فهناك لحظة مواجهة مع نظام الحكم، تريدها الجماعة أن تكون نتاجًا للمشاركة الجماهيرية الحاشدة، وليس نتاجًا لخروج ثوري غاضب، ولكنها في النهاية لحظة مواجهة، وهي لحظة تحتاج للاستعداد لها، وحساب نتائجها، والموازنة بين الحذر والمخاطرة، فلا يحد الحذر من قدرة الجماعة على الحركة، ولا تؤدي المخاطرة إلى تراجع الجماعة ومشروعها.