أثارت زيارة نائب الرئيس الإيراني إلى القاهرة في أواخر الأسبوع الأول من أكتوبر عام 2010م مرة أخرى الحديث عن أزمة العلاقات الفريدة بين مصر وإيران؛ حيث تعد حالة هذه العلاقات نموذجًا فريدًا لم يعرفه تاريخ الصراع الدولي والعلاقات الدولية عمومًا، فقد قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1979م، عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران، وبمناسبة إبرام مصر معاهدة السلام المصرية الصهيونية في نفس الوقت الذي قطعت فيه علاقات إيران مع الولايات المتحدة، فهل ترتبط عودة العلاقات بين مصر وإيران بعودة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة؟!.
الثابت أن إيران تهفو إلى تطبيع العلاقات مع مصر وتأمل في تطبيعها مع واشنطن، كما تدرك واشنطن أن تطبيع علاقاتها مع إيران سيؤدي إلى حدٍّ كبير إلى تطبيعها مع مصر، وهي الدولة الوحيدة التي لا تزال علاقات إيران بها مقطوعة.
خلال الزيارة أعلن عن توقيع اتفاق لتسيير 28 رحلة طيران أسبوعية بين القاهرة وطهران، كما فُهم أن الجانب المصري متردد في تقبل الزخم السياحي، الذي قد يعقب هذه الرحلات، لوحظ أن الجانب الإيراني يأمل في أن تذيب هذه الخطوة جليد العلاقات الوهمي، بينما اعتبر الجانب المصري أن الخطوة لها طابع اقتصادي غير سياسي، وأن التقارب السياسي يحتاج إلى أمور أخرى، كما لوحظ أيضًا أن العلاقات الدبلوماسية في عهد خاتمي أوشكت أن تُستعاد في الأسابيع الأخيرة من 2004م؛ بعد لقاء خاتمي- مبارك ثم تعثر التنفيذ في اللحظات الأخيرة.
إذا كانت مصر وإيران على اقتناع بأن تطبيع علاقاتهما لصالح الطرفين، فلماذا تصر مصر على أن تطبيع العلاقات يفترض تطابق المواقف؟
ولوحظ ثالثًا ارتباك الموقف المصري وصعوبة دراسة تطوره، فقبل زيارة نائب الرئيس الإيراني بأسابيع قليلة كانت مصر قد ألغت في آخر لحظة زيارة كان مقررًا أن يقوم بها وزير خارجية إيران، فإذا كان إلغاء الزيارة هدفه الاحتجاج على انتقاد إيران لمشاركة مصر في تدشين المفاوضات المباشرة الفاشلة التي تعارضها إيران وتدعمها مصر رغم فشلها وهزليتها، فهل زال السبب بمجرد إلغاء زيارة الوزير؟، علمًا بأن خط البلدين متناقض تمامًا في كل الملفات.
مصر حليف لواشنطن، صديق للكيان الصهيوني، ترفض المقاومة وتنتقدها وإيران حليف المقاومة والممانعة، وتناهض السياسات الأمريكية والصهيونية.
وفيما يتعلق بحدود الدور الإقليمي، انسحبت مصر من الساحة الإقليمية إلا من بعض التصريحات والتمنيات، بينما تملك إيران أوراق القوة العسكرية ويمتد تحركها إلى معظم الساحات في آسيا، وآسيا الوسطى، والخليج، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
مصر تدرك أن السلام مع الصهاينة في غياب أوراق القوة وهم يستفيد منه الكيان في تمدد مشروعه، وإيران تدرك أن مناهضة الكيان الصهيوني يكسبها احترام الشعوب العربية والإسلامية إزاء اندفاع تيار الغصب الصهيوني.
ورغم هذا التناقض والوقوف في معسكرات متناقضة، فإن إيران تتلهف على تطبيع العلاقات مع مصر؛ لأن ذلك سيكسب علاقاتها العربية شرعية تنقصها، وتكسر بها حالة العزلة التي فرضتها واشنطن وهي عزلة وهمية ما دامت إيران تتحرك في كل الساحات بحرية كاملة، بحرية قرارها وإعلاء مصالحها العليا، فهل ستوافق مصر على تطبيع العلاقات يوم تتطابق المواقف في كل الملفات؟ وإذا كان ذلك هو الملاحظ فعلاً من تأمل سلوك مصر في هذا الملف، فمن منهما سوف ينتقل إلى معسكر الآخر؟ هل تغادر مصر معسكر الاعتدال، أم تنضم إيران إلى هذا المعسكر؟. وإذا كانت السعودية ضمن معسكر الاعتدال، ومع ذلك تقيم أوثق العلاقات وإطار الحوار مع طهران، فلماذا تظهر هذه العقدة فقط عندما يتعلق الأمر بعلاقات إيران مع مصر؟!.
لقد استشعرت واشنطن ذلك بوضوح؛ حيث تردد أن واشنطن أعربت لمصر عن قلقها من أن خطوط الطيران قد تؤدي إلى التطبيع؛ خاصة في ظرف تحرص فيها واشنطن على عزل إيران. ويبدو أن خطوة مصر محدودة بالفعل وأن مصر حريصة على إزالة هذا القلق وهو ما بدا في تقليل بيان الخارجية المصرية من أهمية هذه الخطوة، ثم صرح الرئيس مبارك بأن إيران دولة مهمة، لكنها تحتضن الإرهاب وترعى العنف، وقد أكدت هذه التطورات تحسب إيران من حساسية الملف المصري عند واشنطن وحرص القاهرة على عدم إغضاب واشنطن، خاصة أن القاهرة تتحسب هي الأخرى من أي اعتراضات أمريكية أشد ومطالب أشد إلحاحًا برقابة دولية على الانتخابات المصرية، ولذلك كانت رسالة واشنطن واضحة في تصريحات مساعد وزيرة الخارجية لشئون الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي خففت من قرار الكونجرس بشأن ملف الانتخابات، وكانت لهجته هادئة، بل أشادت بما تحقق ويأمل في المزيد رغم أنه يعلم الحقيقة كاملة ولا يهمه أن تجرى الانتخابات في نزاهة التي تؤدي إلى وصول حكم ديمقراطي حقيقي إلى السلطة، ربما تخشاه واشنطن ويعارضه قطعًا الكيان الصهيوني.
إن وفد الاتحاد الأوروبي الزائر للقاهرة يوم 10/11 أكتوبر لم يشر مطلقًا إلى هذا الكابوس وهو الرقابة الدولية، مثلما لوحظ في القاهرة تنامي حساسية الحكومة إزاء الإعلام كلما اقترب موعد الانتخابات وتكالب الحزب الوطني على خوضها كما لو كانت النتائج تتقرر من خلال مثل هذه الانتخابات.
الخلاصة، أعتقد أنه مهما كانت مصالح مصر في عودة العلاقات مع إيران، فإنه يبدو لنا أن العامل الأمريكي سيظل عنصرًا حاسمًا في تقرير مصير هذه العلاقات، ومع ذلك نأمل أن تتفهم واشنطن المصالح الاقتصادية المصرية الخاصة أو العامة التي تنجم عن تطور هذا النوع من الصفقات وليس العلاقات، ما دامت لا تؤشر على تطور في علاقات سياسية لا أظن أن واشنطن سوف ترتاح إليها في الوقت الراهن.