شاء الله أن أكون في سجون مصر المحروسة أثناء مباراة كرة القدم بين الأهلي المصري والترجِّي التونسي، وكان بعض الإخوان لديهم "تعويدة"، وهي مصطلح في السجون للمرضى الذين لديهم إعادات في الكشف والمراجعات في المستشفيات؛ حيث قامت إدارة السجن في الصباح الباكر كالمعتاد بالمناداة على أسمائهم للاستعدادات للذهاب للمستشفيات العلاجية، وخرجوا وانتظروا في أماكنهم كالمعتاد؛ استعدادًا للترحيل للمستشفيات.
ولكننا فوجئنا بهم يعودون ظهرًا، وأخبرونا بأنهم انتظروا طوال هذه الفترة، ثم أخبرهم الضابط المختص بأن جميع سيارات الترحيل والضباط والجنود اليوم مشغولون بتأمين المباراة المرتقبة، فاستغربنا أن يتمَّ تكليفهم منذ الصباح الباكر، وأن المباراة ستُلعب ليلاً بعد العشاء، فقلت في نفسي: لعل هذا من باب زيادة التأمين وحسن الضبط والربط لضباطنا وجنودنا الأشاوس!.
وتابع الجميع المباراة، وفوجئنا بهذه الاعتداءات الوحشية القمعية البربرية الغير المبررة من قبل حفنة من المشجِّعين التونسيين المخمورين ضد ضباط وجنود الشرطة الأبطال المغاوير، وتناقلت وسائل الإعلام جميعًا الاستسلام التام من أبطالنا أمام هذه الشرذمة القليلة؛ حيث قاموا بتحطيم المدرَّجات وإشعال الشماريخ، ولا أعرف ماهية الشماريخ!!، وضرب الضباط والجنود بقطع حديدية وبسنج ومطاوى، بل وبطفايات الحريق المصرية!.
فقلت في نفسي: أين هذه القوات الضخمة من الشرطة والجاهزة منذ الصباح الباكر لتأمين المباراة؟! هل فشلت هذه الجحافل في تطويق هذه الأعداد التي لا تذكر، ومنعها من ممارسة القمع والبلطجة؟ أم أن هذه القوات جاهزة فقط لقمع المظاهرات السلمية المطالبة بالحريات؟ ولمحاصرة طلاب الجامعات واقتحام الحرم الجامعي، ومطاردة طلابنا وطالباتنا داخل جامعتهم؟! ولاقتحام بيوت الأبرياء ليلاً ونهارًا وترويع الزوجات والأطفال؟! وتذكرت حينها قول الشاعر:
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ...
وأسدل هذا الستار عن القبض على 11 مشجعًا تونسيًّا فقط.
ثم شاء الله أن أذهب إلى عيادة السجن لمرض ألمَّ بي، وهناك رأيت وسمعت المخبرِين يبلغون سيادة الضابط بأن كل شيء قد تمَّ وفق التعليمات، وعلمنا من الحوار أن التعليمات جاءت لإدارة السجن بترتيب الزنزانة الخاصة بالإخوان في عنبر (3)؛ حيث تمَّ دهانها من جديد وإصلاح الكهرباء والسباكة الخاصة بها وفرشها من جديد بمراتب وبطاطين غير مستعملة، فعجبت جدًّا؛ لأن هذه الزنزانة نزل بها قبل أسبوعين مجموعة أ. د. محمد طه ورفاقه من أساتذة الجامعة المرموقين، وأقاموا بها بوضعها القديم دون أدنى ترتيب أو تنظيف.
وفي أثناء متابعتي بعيادة السجن بعد يومين التقيت هناك قدرًا بأحد المشجِّعين التونسيين، وفوجئت به يطيح بكل من في العيادة؛ حيث كان موجودًا رائد ونقيب وبعض الأطباء، فشتم مصر أمامهم وهاجمهم، وقال لهم: إن تونس تتفوق على مصر بمعدل 45 عامًا للأمام (ولا أدري لماذا 45 عامًا؟!)، وقال لهم إننا سوف نهزم الأهلي في تونس ونضربه عندنا، ولم يجرؤ أحد على الرد عليه وفق التعليمات، ثم قال إن مصر دولة متخلِّفة وليس بها حضارة أو رقي، بعكس دولة تونس، والأدهى أن الضباط والأطباء بدءوا في "هزار" و"قفشات" معه، وكأن إهانته لنا ولمصرنا لا تخصهم، ثم انصرف من العيادة وهو مرفوع الرأس فحزنت جدًّا لهذا التدنِّي والخنوع.
ثم كانت المفاجأة الكبرى في المساء، حينما علمنا من بعض المخبرين بأن تعليمات جاءت لإدارة السجن بإخلاء سبيل المشجِّعين التونسيين، وقرأنا في الجرائد صباح اليوم التالي أن تعليمات الإفراج عنهم جاءت من سيادة الرئيس حسني مبارك، رئيس الدولة!!.
عندئذ.. أُسقط في يدي، ولم أنطق بكلمة واحدة، وزاغت عيناي بين أسطر الخبر وبين مجريات الحدث وأنا غير مصدق لما يحدث!.
ثم بدأت أسأل نفسي في حوارات داخلية:
سيدي الرئيس: من الأولى بالإفراج عنه: م. خيرت الشاطر ورفاقه الأبرار والأطهار أم هؤلاء الشباب المتهور السكران؛ الذين أهانونا وداسوا على كرامتنا؟!
من الأولى بالإفراج عنه: أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون وعلماء الأمة، أم تلك العصابة التي شاهد الجميع وحشيتهم وقمعهم لإخواننا وآبائنا من رجال الشرطة؟!
ماذا سنقول لأولادنا ولأجيالنا بعدما شاهدوا كل ما حدث علنًا ثم يفاجئون بهذا القرار العجيب؟!
لقد قتل هذا القرار كل معاني الانتماء والعزة في نفوسنا.
لقد زاد من انكسار وإذلال ذلك الشعب المسكين.
لقد عمَّق من جراحنا الملتهبة وآلامنا الموجعة، وتيقَّن في نفوسنا وداخل أعماقنا قول الشاعر:
ومن يهن يسهل الهوان عليه .... فما لجرح بميت إيلام
وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فقد ماتت واندثرت كرامتنا وعزتنا؛ بسبب قرارات السيادة السامية.
وكل مباراة وأنتم طيبون يا شعب مصر العريق.
-------
* من قيادات الإخوان بالشرقية وأحد المعتقلين حاليًّا.