منذ نحو مائة عام كتب شاعر النيل "حافظ إبراهيم" قصيدةً ملتهبةً، يُعلن فيها غضبه من ارتفاع الأسعار والغلاء! ورغم أن الغلاء أيام حافظ لا يعادل مثقال ذرة من الغلاء الموجود هذه الأيام، إلا أنك تشعر أنه كتب قصيدته منذ ساعات فقط، وليس منذ قرن من الزمان!.
لم يكن على أيام حافظ رجال القروض، ولم تكن هناك مارينا، وشرم الشيخ، والساحل الشمالي.. إلخ، تلك الجزر الأسطورية المنعزلة عن المجتمع والحقيقة.. لم يكن في أيام حافظ احتكار للحديد والثروة.. لم يكن على أيام حافظ "مدينتي"، أو حتى "أوضتي".. لم يكن على أيام حافظ أعمال "هبش" منظمة كالتي نعيش فصولها الآن.. لم يكن على أيام حافظ سيدات يبحثن في صناديق القمامة عن الطعام.. لم يكن أي شيء مما هو موجود اليوم على أيام حافظ.
هذه بعض الأسعار لبعض الخضراوات- وقت كتابة هذا المقال- بتاريخ 11 أكتوبر 2010م..
كيلو الطماطم بـ15 جنيهًا.
كيلو البطاطس بـ5 جنيهات، وفي مناطق أخرى بـ6 جنيهات.
كيلو البامية بـ9.5 جنيهات.
كيلو الفاصوليا بـ18 جنيهًا!.
حتى الكوسة الكيلو بـ4 جنيهات.
الملوخية الكيلو بـ4 جنيهات.
كيلو الثوم بـ21 جنيهًا.
كيلو البصل بـ5 جنيهات.
كيلو الخيار بـ7 جنيهات.
كيلو الفلفل بـ5 جنيهات.
كيلو المانجو بـ18 جنيهًا..
هذه أسعار بعض الأساسيات التي يحتاجها البيت المصري، والتي صارت الآن تمثِّل عملية انتحارية لمواطن يتقاضى300 جنيه شهريًّا.. هذا عدا من يحصل على مائة جنيه شهريًّا أو أقل من ذلك..
وبالقطع فإن "ديناصورات" الثروة والسلطة لا يشعرون بآلام الناس، ولا بالغلاء أو ارتفاع الأسعار.. ولا يقف أحدهم في طابور العيش.. ولا يذهب أحدهم إلى سوق "التلات" أو سوق "الجمعة " لشراء ما يحتاجه.. ولا يتعامل أحدهم بالجنيه المعدني.. ولا يفكر أحدهم اليوم ماذا سيفعل في طعام الغد.. ولا يعاني أحدهم هم إطعام أولاده أو أخوته.. ولا يركب أحدهم "ميكروباصًا" أو "أتوبيسًا" يُحشر فيه الناس حشرًا.. هم لا يفكرون في أي شيء مما يفكر فيه غالبية هذا الشعب المسحوق.. هم لا يفكرون سوى في جمع الأموال، والجري خلف المغنيات، والاستجمام في باريس وبانكوك.
تخيلوا ربَّ أسرة يقبض مائة جنيه شهريًّا.. اشترى كيلو لحم بـ70 جنيهًا، وكيلو طماطم بـ15 جنيهًا، وكيلو بطاطس بـ5 جنيهات، وكيلو بصل بـ5 جنيهات.. وكيلو فلفل بـ5 جنيهات.. فبماذا يعيش هذا الرجل طوال أيام الشهر؟!
مائة جنيه تم صرفها في وجبة غداء.. وثلاثمائة يتم صرفها في ثلاث وجبات.. وخمسمائة يتم صرفها في خمس وجبات.. أي بما يعني أن الحد الأدنى لراتب أي فرد من المفروض ألا يقل عن 2000 جنيه شهريًّا، حتى يستطيع الإنسان العيش.. هذا عدا متطلبات الحياة.. فإن كان له أولاد.. فلا بد من مصاريف الدروس الخصوصية والملابس التي يشتريها لهم..
مصروفاتهم.. بخلاف طبعًا فواتير الكهرباء والمياه والغاز.. وإيجار الشقة التي يسكنها..
كيف تستقيم حياة الناس في ظل هذا الغلاء الذي يقابله ملايين الأفراد، الذين يعيشون تحت خط الفقر، وراتب أوفرهم حظًّا500 جنيه؟
كيف تستقيم حياة امرأة مطلقة هرب زوجها أو أرملة لا يتجاوز معاش زوجها مائتي جنيه في ظل هذه الأسعار الجنونية؟
ألا يدفع هذا الغلاء الناس دفعًا إلى ارتكاب الجريمة والرذيلة والانحراف؟ ألا يدفع هذا الغلاء كل موظف أن يتحصل على " الشاي"- الاسم الحركي للرشوة- من المواطنين حتى يعوض ضآلة راتبه؟ ألا يدفع هذا الغلاء أي سيدة فقيرة معدمة أن تنحرف أو تعمل في كباريه أو تقع في براثن الرذيلة حتى تجد من ينفق عليها؟ ألا يدفع هذا الغلاء إلى كثرة أعمال السطو والسرقة والنصب والاحتيال والاختلاس؟ ألا يدفع هذا الغلاء إلى الاتجار في الممنوعات بغرض الكسب السريع؟
ما هذا الذي يجري في مصر؟ ولمصلحة من؟ وهل يشعر أبطال النضال الزائف بهذا الغلاء، وهم يتقاضون ما يقارب نصف مليون جنيه شهريًّا، من أجل كلمات سفيهة يعتبرها بعض الغوغاء والدهماء معارضة وبطولة؟ هل يشعر مقدمو برامج "التوك شو" أصحاب الملايين والقصور والسيارات "الهامر" بما يشعر به الناس؟
إن من يقرأ قصيدة حافظ إبراهيم.. لا يُصدِّق أنها قيلت منذ مائة عام.. فالطماطم وقتها لم تكن بـ15 جنيهًا للكيلو، وكيلو اللحم لم يكن بـ70 جنيهًا، والناس لم ينبشوا في صناديق القمامة؛ للبحث عن الطعام.. ولم تكن هناك مزروعات تروى بمياه المجاري.. ولم تكن هناك أمراض مستوطنة، مثل السرطان، وفيروس "سي" وغيرهما من الأمراض الموجودة حاليًّا، والتي تحصد أرواح الآلاف سنويًّا..
هذه هي القصيدة الجديدة القديمة التي تشهد على خطف مصر من قِبَل قلة تتحكم في الثروة والسلطة، ولا تعبأ بعشرات الملايين من المشرَّدين والمرضى الذين يئنون من الفاقة والحاجة:
أيها المصلحون ضاق بنا العيشُ
ولم تحسنوا عليه القياما
عزَّت السّلعة الذّليلة حتى
بات مسحُ الحذاء خطبًا جُساما
وغدا القوتُ في يد الناس كاليًا
قوتُ حتّى نوى الفقير الصياما
يقطعُ اليوم طاويًا ولديه ِ
دون ريح القتار ريح الخُزامى
ويخال الرّغيف في البعد بدرًا
ويظن اللّحوم صيدًا حرامًا
إن أصابَ الرغيف من بعد كدٍّ
صاحَ: من لي بأن أُصيبَ الإداما؟
أيها المصلحون أصلحتم الأرض
وبتُّم عن النفوسِ نياما
أصلحوا أنفسًا أضر بها الفقْر
وأحيا بموتها الآثاما
ليس في طوقها الرحيل ولا الجد
ولا أن تواصِل الإقداما
تؤْثِر الموت في ربى النيلِ جوعا
وترى العار أن تعاف المقاما
ورجال الشآم في كرة الأرض
يبارون في المسير الغماما
ركبوا البحرَ جاوزوا القٌطبَ فاتوا
موقِعَ النيّرين خاضوا الظلاما
يمتطون الحُطوبَ في طلب العيش
ويبرون للنضال السِّهاما
وبنو مصر في حمى النيلِ صرعى
يرقبون القضاء عامًا فعاما
أيها النيِّلُ! كيف نُمسي عطاشا
في بلادٍ رويت فيها الأناما؟
يرِدُ الواغل الغريب فيروي
وبَنوكَ الكِرامُ تشكو الأواما
إن لين الطّباعِ أورثنا الذلُ
وأغرى بنا الجُناة الطغاما
إن طيب الُمناخِ جَرَّ علينا
في سبيلِ الحياةِ ذاكَ الزِّحاما
أيّها المُصلحون رفقًا بقومٍ
قيَّد العجزَ شيخهم والغُلاما
وأغيثوا من الغلاءِ نفوسًا
قد تمنّت مع الغلاء الحِماما
أوشكت تأكلُ الهبيد من الفقر
وكاد تذود عنه النَّعاما
فأعيدوا لنا المُكوس فإنا
قد رأينا المُكوس أرخى زماما
ضاق في مصر قِسمُنا فاعذرونا
إن حسدنا على الجلاء الشآما
قد شَقينا ونحنُ كرّمنا الله
بعصرٍ يكرِّمُ الأنعاما