- مياه الشرب ممزوجة بالمجاري والأتربة
- الثعابين والعقارب ضيوف دائمة بالمنازل
- الأمطار تحبس الأسر في دولاب الملابس
- القتل والاغتصاب والأمراض.. مظاهر الموت
تحقيق: مي جابر ويارا نجاتي
منذ اللحظة الأولى لدخولك إلى المناطق العشوائية، تشعر بحالة من القلق والخوف من الإصابة بمكروه، فالأخطار تحيط بالسكان من كل الجوانب، فالهواء ملوَّث برائحة دخان القمامة المحترقة والأتربة القادمة من الجبل، والمنحدرات التي تملأ الشوارع، بجانب ملاصقة الطرق والمنازل حافَّة الجبل، بالإضافة إلى مياه مختلطة بمياه المجاري، ولم يخلُ شارع من الحيوانات الضالَّة.
وما يزيد الموقف صعوبةً ما تعانيه هذه المناطق من ضيق شوارعها والتوائها؛ ما يصعب معه وصول سيارات الإسعاف أو المطافئ أو الشرطة؛ ليقع آلاف الفقراء في مصر فريسةً بين فكَّي الفقر والإهمال، ما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى موتهم.
وكانت منظمة العفو الدولية قد أكدت أن مصر لا يزال بها نحو ١٢ مليون نسمة يعيشون في المناطق العشوائية، من بينهم حوالي ٨٥٠ ألف شخص يقطنون ٤٠٤ مناطق، تطلق عليها السلطات المصرية اسم "مناطق غير آمنة"؛ لأنها مهددة بتساقط الصخور، أو لأنها بُنيت بمواد مؤقتة، أو لأنها تقع تحت خطوط الكهرباء عالية الجهد.
![]() |
|
يتحسر على ركام منزله بعد استثنائه من شقق المحافظة |
(إخوان أون لاين) رصد صورًا من حياة ساكني العشوائيات في مصر، والأخطار التي تلحق بهم، فإلى تفاصل التحقيق:
بدأنا من منطقة الدويقة التي كانت محور حديث الكثير منذ انهيار صخرة وزنها 100 طن في جبل المقطَّم على 35 منزلاً و107 قتلى و58 جريحًا، وشردت المئات الذين ما زالوا حتى الآن يعيشون في خيام في العراء، فذهبنا لنرى أن الوضع لم يتحسَّن كثيرًا، فما زالت هناك بعض الأكواخ والعشش على حافة الصخرة، ولا يملك أصحابها حيلة للحذر مما حدث لجيرانهم العام الماضي؛ حيث تفوح رائحة الموت من كل مكان حتى الآن.
منازل كرتونية
أسقف البيوت من الخشب والكرتون الذي لا يحمي من مطر أو لصوص أو حشرات، فعندما ينزل المطر على منزل (هبة عبد التواب) تختبئ مع طفليها في دولاب الملابس، حتى تهدأ الأمطار قليلاً، وبمجرد خروجهم إلى المنزل الصغير لا تكاد تلمس الحوائط حتى تشعر بصعقات كهربائية؛ نتيجة ملامسة الجدران لأسلاك الكهرباء غير المعزولة.
وتقول إن سقف المنزل طار في الهواء منذ أيام، أثناء العاصفة الترابية، وكلما نزلوا إلى أقصى المنحدر وأحضروه، عاد ليسقط مرة ثانية، كما تؤكد أنها لا تشعر بالأمان مطلقًا عندما تحين ساعة النوم؛ حيث لا تتمكن من إغلاق الباب ليلاً، وتقلق من تعرضها للسرقة؛ حيث تكرر عدة مرات قفز اللصوص على منزلها من أعلى الجبل، وسرقوا البطانيات وأواني المطبخ.
بيت الرعب
دورة المياه.. بيت القلق والرعب

وعلى عكس الشهرة التي اكتسبتها دورات المياه عند عامة الشعب بأنها بيوت للراحة؛ فإن الأمر تحول للنقيض في منطقة الدويقة؛ لتصبح بيوت الرعب والقلق؛ حيث تتسلق آية (13 سنة) وأسرتها الصخور إلى أعلى الجبل لتصل إليها، بينما يتملَّكها القلق من السقوط أو التعثر في إحدى الصخور، كما حدث من قبل عندما انكسرت ساقها وركَّبت مسمارين، إلى جانب الجرح بطول 16 غرزة، جعلها تمكث ستة أشهر تقريبًا حبيسة المنزل.
وتضيف (أم آية) أن الجبل سقط من قبل على رأس ابنها الصغير زياد (4سنوات)، ودخل على إثر تلك الحادثة إلى المستشفى، موضحةً أنها لا تُخرِج بناتها الثلاث بمفردهن مطلقًا، بعد غروب الشمس؛ نظرًا لخوفها من حوادث التحرش والاغتصاب، المتكررة في المنطقة، حيث تُختَطف الفتيات من المنطقة ليلاً، إذا عادت إحداهن إلى بيتها متأخرة، على الرغم من أنها تكون آتية من العمل.
وتشير إلى أن أماكن مدمني المخدرات ومختطفي الفتيات معروفة لدى كل سكان المنطقة، في عدد من الحارات الضيقة، وخلف بيوت محددة، إلا أن عددهم كبير جدًّا.
قتل الأطفال
(أم عبده) تخشى على أطفالها من صعوبات خطف الأطفال، قائلة: إنهم وجدوا اليوم جثث ثلاثة أطفال مفصولة الرأس بعد اختفائهم لمدة خمسة أيام، ولا يعلم أحد حتى الآن المتهمين بقتلهم أو سبب الجريمة، مؤكدةً أن هذه الحوادث تحدث مرارًا، فبين الحين والآخر يجدون جثثًا في أماكن متفرقة من المنطقة، بالإضافة إلى حالات الاختطاف التي قد تنتهي بفقدان الأبناء إلى الأبد.
![]() |
|
باب منزل آية وأخواتها مفتوح طوال الليل والنهار |
وتتابع: "لا أفارق ابنتي التي تبلغ من العمر ست سنوات خوفًا عليها، وأحاول أن أصطحبها أثناء ذهابها وإيابها من دار الحضانة، والتي تبتعد عن منزلنا بمسافة نصف ساعة".
وفي سياق متصل يشتكي رجب مصطفى من دخان أحد مصانع الألومنيوم؛ التي تستخدم ماء النار والكبريت في صهر الألومينيوم، والذي تعمل ابتداءً من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحًا، وينتج منها رائحة كريهة ودخان وغازات سامَّة تصيب سكان الحي بأمراض الصدر والرئة، فضلاً عن أمراض العيون التي أصبحت السمة المميزة لأهالي المنطقة، مشيرًا إلى أنهم قاموا بتقديم شكوى لوزير البيئة بتوقيع معظم السكان لمحاولة إزالة هذه المصانع التي تهرب من العقاب بفضل الرشى المقدمة إلى المسئولين بالحي.
حيوانات مفترسة
وما يزيد المشهد صعوبةً انتشار الحيوانات الضالَّة في كل شوارع المنطقة، ويبدو أن هذه الحيوانات أبت إلا أن تكون مختلفة؛ حيث تظهر عليها علامات تحولها من التآلف مع الإنسان إلى الافتراس إلى الحد الذي وصل ببعض الكلاب الضالَّة إلى أكل صغارها؛ ما يشير إلى وجود خطورة على الأطفال الصغار، الذين لم يتعدوا الثالثة من عمرهم، وتجدهم يلعبون خارج منزلهم.
ولنتأكد من أن الصور السابقة لا تحتكرها منطقة الدويقة وحدها، انتقلنا إلى عزبة خيرالله، فكلما تحدثنا إلى أحد الأهالي اشتكى من ألوان الرعب المحيطة بهم، والتي تلازمهم في حياتهم اليومية، كانتشار اللصوص والبلطجة بالمنطقة، والتهديد بانهيار منازلهم المطلة على حافة الهضبة، واختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وانتشار القمامة بكل مكان، والدخان الناتج من حرقها، وسقوط الأطفال من أعلى الهضبة، فضلاً عن البالوعات المكشوفة بشكل مستمر.
ضحايا البالوعات
"مصرع 6 أشخاص ضحايا البالوعات المكشوفة في يوم واحد" هكذا عرفنا من بدرية، التي روت لنا كيف لقي 6 أشخاص حتفهم في بالوعة تُركت مكشوفة طوال الشهور الماضية، فعندما سمع أهالي المنطقة صراخ الرجل الذي سقط بالبالوعة؛ تطوع 5 رجال آخرون لإنقاذه من الموت ليقابلوا نفس المصير.
![]() |
|
قطرات المياه المخلوطة بالطين شراب أهالي خير الله |
ولم يكن هذا الشكل الوحيد للموت بالعزبة، فالإصابة بأمراض الكلى كالفشل الكلوي وحصوات الكلى إحدى أشكال الموت المنتشرة بين الأهالي، ويرجع الكثير منهم سبب ذلك إلى المياه التي يشربونها، والتي تختلط بمياه الصرف الصحي، فعادةً تكون مصبوغةً بلون الطين وذات رائحة كريهة، لتشبهها نادية مرسي برائحة المجاري، ليصاب زوجها بتجمع الحصوات بالحالب، مشيرةً إلى أنه خضع للعديد من الجراحات في الشهور الماضية.
وتلتقط منها أحلام جمعة طرف الحديث، لتؤكد أن معظم الأطفال يولدون بحساسية الصدر؛ بسبب الدخان الناتج من حرق القمامة بشكل يومي؛ بسبب تكدسها أسفل الهضبة، مشيرةً إلى أن تلك المشكلة بدأت مع توقُّف "الزبَّال" عن جمع القمامة من المنازل القريبة من حافة الهضبة واكتفائه بالشوارع الرئيسية للعزبة؛ ما يدفع الأهالي إلى إلقاء القمامة أسفل الهضبة، والتي ساهمت في انتشار العقارب والثعابين التي ظهرت بمعظم بيوت المنطقة؛ ما يصيب الأطفال بالرعب.
ومن صور المعاناة التي تقابل الأهالي يوضح لنا عم نادي صدِّيق (بائع خضراوات) أنه بالرغم من انتشار الأمراض بين سكان العزبة فإنهم لا يجدون مستشفيات مجهزة لعلاجهم، مشيرًا إلى اضطراره لنقل حفيده بعد سقوطه من الطابق الثاني لمستشفى القصر العيني الذي تبعد عنهم كثيرًا، مختصرًا الوقت المُهدَر في الذهاب إلى المستوصف المجاور له وتحويله إلى القصر العيني من غير تقديم العلاج للمصاب.
إنذار بكارثة
ومما يزيد قلق سكان العزبة ما يسبِّبه الصرف الصحي الخاص بالمنازل الوقعة على حافة الهضبة المتسرب، من تآكل الطبقات الصخرية التي هي أساس البيوت؛ حيث تظهر الصخور المتهالكة بالعين المجردة، مهدِّدة الجميع بتكرار مشهد صخرة الدويقة التي خلفت وراءها مئات الموتى والمصابين، إلى جانب ما يعانيه أهالي العزبة من السقوط من أعلى الهضبة؛ نتيجة لملاصقة المنازل للحافة؛ حيث أصيبت سيدة بكسور شديدة بكل أنحاء متفرقة من جسدها؛ ما دفعها إلى الهروب من المنطقة بأكملها، بالإضافة إلى وفاة وإصابة عشرات الأطفال بنفس الطريقة.


