تلحظ باهتمام بالغ ما آلت إليه الأوضاع في مصر المحروسة, وأوشك الناس أن ينفلتوا من هول تسارع الأحداث الجارية على كل الأصعدة؛ وبخاصة على الصعيد السياسي.

 

لقد دشنت حملة قوية وغير مسبوقة لتكميم الأفواه وقطع الألسنة، لا مجال فيها للتراجع أو المرونة أو تقديم بعض التنازلات.

 

ولعل المشهد العام في مصرنا الحبيبة يسير إلى مرحلة مخاض، يعقبه ولادة متعثرة، ستكشف عن متغير كبير، سيؤثر حتمًا على مجريات الأمور في هذا الوطن الذي ظل يحكم بالحديد والنار عشرات الأعوام دون تغيير، اللهم بعض الفترات من الاستراحة؛ لتجميع القوى المتناثرة وتركيزها نحو الهدف ذاته، وهو لا صوت يعلو فوق صوت الحكام.

 

على الصعيد الإعلامي

المستجد الكبير الذي تموج به مصر الآن، ويشهد تطورًا متسارعًا ومتلاحقًا بطريقة تدل على أن قرارًا فوقيًّا صدر بتكميم كل الأفواه التي تعارض بشدة- أو حتى شكلاً- النظام القائم, ولأن النظام أدرك أن الوقت غير مناسب للمرونة أو التهاون حتى يرجع في بعض القرارات التي من شأنها تهدئة الأجواء وطمأنة الناس على المستقبل.

 

فلقد أُغلق برنامج "القاهرة اليوم" بالشمع الأحمر، والذي كان يصدر من قناة (أوربت) الخاصة، والذي كان في مجمله مؤيدًا للنظام الحاكم؛ ولكن مقدمه عمرو أديب تجاوز بعض الخطوط الحمراء، بطرحه بعض القضايا الجريئة في الجانب السياسي، والتي لم تعجب النظام، وبما أن مدينة الإنتاج الإعلامي هي المحطة الرئيسية لهذا البرنامج, فالمدينة مدينتنا والنايل سات قمرنا، ولا أحد يملك شيئًا سوى الحكومة والحزب الحاكم، ومن ثم تستطيع الحكومة أن توقف أي برنامج يُبث من مدينة الإنتاج الإعلامي أو النايل سات, أما بالنسبة لميثاق الشرف الصحفي؛ فعلى الجميع أن "يبله ويشرب من مائه".

 

ولعل الضربة الكبرى التي هزت الأوساط الصحفية هي إقالة الصحفي المعارض بشدة للنظام الحاكم الأستاذ إبراهيم عيسى، وكانت إقالته بمسرحية هزلية، بدأت بشراء (الدستور) من مالكها الرئيسي في صفقة مالية مغرية لا تقاوم، ثم الإطاحة بمؤسسها ورئيس تحريرها وبعد أيام قليلة من غير صبر.

 

ولعل العجيب في المشهد الهزلي الذي يُحاك له السيناريو الآن أن الإقالة جاءت بلا مبرر، وأن التفاوض الآن الجاري بين الصحفيين وملاك الجريدة يدور حول زيادة الحوافز المادية، بل وعودة إبراهيم عيسى ككاتب في (الدستور) بأجر خيالي، لا أن يعود مرة أخرى لرئاسة التحرير، وكأن قرارًا فوقيًّا صدر بأن عيسى خط أحمر في عودته لرئاسة (الدستور), أما عودته ككاتب فلا بأس، فإن صار على الصراط المستقيم الحكومي فأهلاً وسهلاً، وإن عاند وكابر ونطح السحاب فمنع مقالته من الهين اليسير، وهكذا يُقضى على عيسى بأيسر اليسير، واللافت أن الإطاحة به جاءت على يد رئيس أكبر حزب رسمي معارض، وهو السيد البدوي رئيس حزب الوفد، والذي خُطِّط له تصدر الساحة السياسية أخيرًا بطريقة لافتة وباهرة.

 

ولأن المسألة تعتبر هوسًا من النظام في مسألة تكميم الأفواه؛ استعدادًا لتهيئة الأجواء للمتغير القادم، فالأمر لم يعد يقتصر على السياسيين أو المعارضين، ولكنه امتد للمعلقين الرياضيين, فالتليفزيون الحكومي لم يتحمل نقد الناقد الرياضي الدكتور علاء صادق لوزير الداخلية في مسألة اعتداء بعض الجماهير التونسية على بعض أفراد الأمن في مباراة لكرة القدم, فتمت الإطاحة بالرجل من كل قنوات التليفزيون المصري بلا رجعة.

 

وأحيلك للهجمة الإعلامية الشرسة التي كان بطلها بامتياز السيناريست وحيد حامد، والمدعوم قطعًا من النظام الحاكم في إنتاج مسلسل "الجماعة" الذي كان الهدف الرئيسي منه تشويه صورة جماعة الإخوان المسلمين أكبر وأقوى الجماعات المعارضة للنظام الحاكم، وقبيل انتخابات مجلس الشعب؛ حتى تمهد الأجواء للتزوير الفج؛ ولكي ينفض الناس من حول الجماعة.

 

على الصعيد السياسي

يروج النظام الحاكم مع الولايات المتحدة والغرب لمسألة استمراره على اختلاف الشكل والمضمون؛ سواء باستمرار الوضع الحالي، أو توريث الابن أو توريث النظام, ومن ثم هناك تنازلات مخزية لتمرير هذا السيناريو؛ منها مغازلة الكيان الصهيوني وبيعه الغاز المصري بأبخس الأثمان (أقل من 2 دولار للمليون وحدة حرارية، ويباع عالميًّا بأكثر من 10 دولارات)، حتى لو انقطعت الكهرباء عن أجزاء كبيرة من القطر المصري؛ بسبب نقص الغاز, والضغط من أجل استمرار المفاوضات الهزلية بين أبو مازن والعدو الصهيوني, واستعداء الإسلاميين المقاومين للمشروع الصهيوني الأمريكي، مثل حماس وحزب الله وإيران والإخوان المسلمين في مصر، وحتى الدولة التركية المتمثلة في حزب العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية والمعادية للحكومة الصهيونية والمناصرة لأهل غزة.

 

وعلى الصعيد الداخلي، يرفض النظام بشدة إعطاء ضمانات لنزاهة العملية الانتخابية، ويصر على أن التزوير هو سيد الموقف؛ ليعد المشهد السياسي للمتغير القادم، بدون مقاومة تذكر، وعلى رأس هذه المقاومة البرلمان المقبل الذي سيشهد الانتخابات الرئاسية القادمة.

 

على صعيد آخر، يرفض النظام بشدة الاستجابة لمطالب التغيير السبعة للجمعية الوطنية للتغيير التي تتمحور حول نزاهة الانتخابات، وإلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق الحريات على الرغم من جمع ما يقرب من مليون توقيع من الشعب المصري للمطالبة بها.

 

وعلى الرغم من انهيار مؤسسات الدولة، وبخاصة في مجالي التعليم والصحة، واستمرار الفساد على أشده وتدهور الخدمات بشكل مزرٍ، والتغير الحادث على المزاج الشعبي؛ بسبب ضيق المعيشة وغلاء الأسعار الرهيب؛ ما أدَّى إلى انتشار العنف في المجتمع المصري بصورة لم يسبق لها مثيل، وسيطرة فئة قليلة على الثروة والسلطة، إلا أن النظام ما زال يعاند ويكابر، ويطلق التصريحات بين الفينة والأخرى، بأن كله تمام وليس بالإمكان أفضل مما كان.

 

ورغم كل هذه التنازلات والولاءات للغرب والكيان الصهيوني، إلا أنه على ما يبدو فإن مشروع النظام ما زال متعثرًا؛ الأمر الذي جعل النظام يناور على صعيد آخر.

 

فجأة أطلقت التصريحات الهادئة والمريحة تجاه إيران، وفجأة هبطت أول طائرة مصرية في مطار طهران منذ 33 عامًا، وفجأة صرحت القيادة المصرية بأن من حق إيران امتلاك الطاقة النووية السلمية، وفجأة قالوا بأن العلاقة الاقتصادية مع إيران شيء والعلاقة السياسية شيء آخر.

 

وفجأة جرت اتصالات مع العدو اللدود في لبنان حزب الله بواسطة السفير المصري،
وفجأة انطلقت المصالحة الحمساوية الفتحاوية بإيجابية كبيرة بمساعدة اللواء عمر سليمان،
وفوجئنا بإطلاق صراح سريع لأحد أبرز قادة حماس الأمنيين الذي أُلقي عليه القبض في مطار القاهرة، بدعوى أنه كان يسهل صفقات سلاح و"لاسلكي" للمقاومة في غزة.

 

سبحان مغير الأحوال

ولكن لا داعي في الإفراط في التفاؤل؛ لأن النظام يستحيل عليه الاستغناء عن تحالفه وعلاقته الوطيدة بالغرب، ولكن على ما يبدو فهي رسالة لعلها وصلت، وهي أن بإمكان النظام أن يلعب ولو للحظات في المكان الذي يقلق الغرب، ومن ثم فعليهم أن يحترموا رغبات وطلبات هذا النظام الذي ضحى بالكثير لإرضائهم.

 

هذه هي مصر الجديدة التي يُراد لها أن تكون.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوه.. هل للشعب المصري دور في تأسيس مصر الجديدة على النحو الذي يريد؟!.