إخواني الأفاضل.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أسوق إليكم أمري؛ رغبةً في أن يجعل الله الحل على لسان أحدكم أو على الأقل أجد من يشاركني أمري..
المشكلة بدأت منذ الخطوبة، فأنا ولله الحمد يظن الناس بي خيرًا، ومحسوب على أهل الخير، فمنذ قررت الخطوبة بحثت عن فتاه تحفظني وترعى أسرتي، فوقع الخيار على ابنة خالتي، الفتاة الصوَّامة القوَّامة، لعل الله أن يغنيني بها، وأنا أسافر إحدى دول الخليج.
ومنذ فارقتها وهي تبكي بلا انقطاع حتى فترة الخطوبة، وقد تمَّ الزواج منذ أكثر من 5 سنوات رزقنا الله فيها بطفلين من أجمل ما أنت راءٍ.
والمشكلة- إخواني- أنني دائمًا في غربة، ولا أسافر إلى وطني إلا في إجازات سنوية، تكون مدتها شهرًا، وأنا أعول بعد الله أسرتي الكبيرة؛ إخواني ووالدي، وأحيانًا أستقدم زوجتي زيارةً للبلد التي أعمل بها لمدة ثلاثة أشهر.
لكنَّ زوجتي تصرُّ على البقاء معي في البلد التي أعمل بها، وترفض أن أتركها في بيت العيلة وحدها، مع العلم أنني إن وافقتها أصبحت غربتي بلا ثمن، ولن أوفر شيئًا، حتى أصبحت الحياة جحيمًا، فكأنها تعاقبني، كلما اتصلت بها أسمع بكاء الثكالى، مع العلم أنها مع عائلتي الكل يظنها سعيدة، ولا تظهر هذا البكاء إلا لي، لا أدري ماذا أصنع معها!! فقد كلمتها كثيرًا ونصحتها وأحيانا أهجرها ولا أكلمها، لكن دون جدوى، يمر أسبوع وتعود الأمور كما كانت.
لست أدري.. أحيانًا ينتابني شعور بالندم على هذا الارتباط، وأفكر في قطعه لأستريح، والله يعلم أني قد أصابني من المرض ما هو به عليم من جرَّاء الغيظ والكبت، فأنا أعلم حديث الفاروق مع أم المؤمنين حفصة في قضية غياب الزوج، لكن هذه إمكانياتي حتى أصبحت ترفض فكرة الزيارة.
* أجابت عن الاستشارة د. هند عبد الله:
سيدي الفاضل.. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الروم: 21)، وتعال نتفكر في الآية: الزواج سكن ومودة ورحمة، بم توحي لك هذه الكلمات؟ بالحيوية والتجدد والمعايشة والاحتكاك والحياة اليومية المليئة بالأحداث، وهل تتحقق تلك المعاني بالمراسلة وبُعد المسافات؟ هل تتحقق وقد افترق طرفا الآية في بلدين أغلب الأوقات؟!
وهل أذنبت زوجتك بعاطفتها الجياشة تجاهك، والتي تعبِّر عنها بالدموع كطبيعة أغلب النساء، ورغبتها في صحبتك والبقاء معك حبًّا فيك، لدرجة أنك تريد أن تتركها لتستريح؟!
إذن ما رأيك في زوجة تدفع زوجها دفعًا إلى الغربة ولا تتركه ليستريح وتطارده بمزيد من الطلبات طمعًا في المال؟ هل كنت تتمنَّى لنفسك هذا النموذج؟
وما رأيك في زوجة لا هي صوَّامة ولا قوَّامة، وتدفعها الضغوط التي تتعرض لها زوجتك إلى الانحراف ولو حتى لمجرد الحصول على العاطفة التي حرمت منها بسبب بعدها عنك.
سيدي الفاضل.. إن المرأة مخلوق عاطفي، فالتمس لها الأعذار في بكائها الدائم، فما تبكي إلا حبًّا لك ورغبةً في القرب منك، ولا تظلمها، ولا تستهِنْ بمشاعرها الدافئة تجاهك، فهذا قد يوغر صدرها نحوك، وتحديد الشرع لمدة 4 أشهر كحد أقصى لغياب الزوج عن زوجته لم يأتِ من فراغ.
والحل في رأيي واحد من اثنين:
1- إما أن تقوم بتحديد موعد لإنهاء مشروع غربتك- بعد عامين أو ثلاثة- حتى تقوم خلال تلك المدة بتكوين ما تيسر من الإمكانيات التي تؤهلك لافتتاح ولو (كشك لبيع الحلوى) ثم تعود راشدًا إلى بيتك، ودفء أسرتك، قبل أن تملَّ زوجتك، وتشعر بالذل والإهانة؛ لكثرة سؤالها صحبتك وتكرار رفضك لذلك، فتبدأ بالاستغناء عنك وبناء عالم جديد في نفسها، يخلو من وجودك، وقبل أن يكبر أبناؤك ويشعروا أنك غريب عنهم ويرفضوا وجودك.
2- أو أن تحسب رصيدك الحقيقي الذي يجب عليك الحفاظ عليه، وهو بناؤك بيتًا مسلمًا ملتزمًا بدين الله- وقد أثبتت التجارب الكثيرة عجز الأمهات بمفردهن غالبًا عن ذلك البناء- فتستقدمها هي وأبناءك ليعيشوا معك حتى ولو لم توفر شيئًا، ولكنك حينها ستوفر رصيدًا أكبر من المال؛ هو دفء الحياة الأسرية، وحفاظك على زوجتك وأبنائك ربما من الضياع.
أرجو منك ألا تستهين بالأمر، أو تنساق وراء مغريات السفر الزائفة، فكم رأينا من أزواج يعجزون عن العودة إلى بلادهم بعد أن تزداد أعباء الأبناء يومًا بعد يوم، وتزداد احتياجاتهم المادية من متطلبات للدراسة والتعليم والمعيشة اللائقة وغيرها.
وتأكد أن الله تعالى يعلم أنك تنفق على بيتك وعلى أهلك، بارك الله فيك، فسيرزقك بإذنه تعالى، ويبارك لك، تأكد من ذلك.
وآخر ما أذكِّرك به هو أن الله هو الرزاق، بيده ملكوت السموات والأرض، قادر في لحظة أن يرزقك أكثر مما تتمنَّى، فعليك بصلاة الحاجة في وقت السحر، والابتهال إلى الله أن يرزقك، وتذكَّر: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: )
أسأل الله تعالى أن يوسع عليك رزقك، ويبارك لك في أسرتك.
----------
* abdo_111171@yahoo.com