حول الحوار الدائر عن هوية مصر ومحاولات التشكيك المستمرة في عروبتها أقول:
لم يكن الأنبا بيشوي هو أول من ينفي عن مصر عروبتها، معتبرًا بشكل ضمني أن الوجود العربي فيها هو وجود طارئ مصيره إلى زوال.
فنفس الادعاء يصدر على الدوام أيضًا من بعض الشخصيات القبطية، أكثرهم صخبًا محام يُدعى موريس صادق مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقبلهم جميعًا، ومن منطلقات مختلفة، ادَّعى نفس الشيء توفيق الحكيم عام 1978م، حين طالب بأن تقف مصر على الحياد بين العرب والكيان الصهيوني، كما وقفت سويسرا على الحياد في الحرب العالمية الثانية.
وهناك أيضًا عدد من كتَّاب نظام "كامب ديفيد" الذين دائمًا ما يطعنون في هوية مصر العربية الإسلامية، بهدف التبرير والتأصيل والدفاع عن المواقف الرسمية المصرية المتخاذلة، تجاه كل الاعتداءات الأمريكية والصهيونية على الأقطار العربية.
وهناك آخرون من منظور فرعوني، يدافعون دومًا عن خصوصية مصر وتفرُّدها، ويؤكدون أنها أمة قائمة بذاتها (الأمة المصرية)، من أمثال الكاتبين الراحلين لويس عوض، وحسين فوزي وغيرهما الكثير.
والبعض الآخر يقف ضد عروبة مصر من منظور علماني؛ لاقتران التعريب بالإسلام والفتح الإسلامي.
بل بلغ الأمر أن هناك من يهاجم العرب والعروبة كرد فعل غاضب على بعض الممارسات الخاطئة في نظم الكفالة المتبعة في الخليج، أو بعض التجاوزات الأخلاقية من بعض السائحين من الأثرياء العرب.
وبالتالي أصبح في مقدور كل عابر سبيل أن يدلي بدلوه في هويتنا القومية والحضارية؛ دفاعًا عن مصلحة سياسية أو طائفية أو فردية، بدون أدنى اعتبار للأسس العلمية الواجب اتباعها في مثل هذه المسائل.
* * *
ونظرًا لأن هويَّات الأمم ليست مسألة وجهات نظر، وإنما هي حقائق موضوعية مستقرة وثابتة تاريخيًَّا؛ لذا كان من الواجب علينا أن نعود إلى أصول المسائل، لنراجع معًا قصة حياتنا في الـ5000 عام الماضي، ونستخلص منها بشكل موضوعي كيف تشكَّلت هويتنا القومية والحضارية:
* * *
ولنبدأ بالجدول التالي الذي يلخِّص فترات احتلال مصر قبل الفتح العربي الإسلامي:- احتل "الهكسوس" مصر 108 أعوام متصلة، من عام 1675 ق. م إلى عام 1567 ق. م.
- واحتلَّتها قبائل ليبية 220 عامًا، من 950 ق. م إلى 730 ق. م.
- ثم احتلَّتها قبائل جنوبية لمدة 95 عامًا من 751 ق. م إلى 656 ق. م.
- ثم احتلَّها الفرس 130 عامًا، من 525 ق. م إلى 404 ق. م، ومن 341 ق. م إلى 332 ق. م.
ثم جاءت عصور الاحتلال الأوروبي:
- التي بدأت بالإسكندر والبطالمة الذين احتلُّوا مصر 302 عام، من 332 ق. م إلى 30 ق. م.
- ثم جاء الرومان فاحتلُّوها 425 عامًا، من 30 ق. م إلى 395م.
- ثم أخذها البيزنطيون بعد تقسيم الإمبراطورية الرومانية، واحتلوها 247 عامًا، من 395م إلى 642م.
* * *
من الجدول السابق يتضح لنا الآتي:- إن الحضارة المصرية القديمة العظيمة بدأت تضعف، وتندثر منذ الألف الأولى قبل الميلاد، وبدأت مصر تدريجيًّا تفقد المقدرة على الاحتفاظ باستقلالها، إلى أن فقدته تمامًا ولمدة ألف سنة تقريبًا في الفترة السابقة مباشرة للفتح الإسلامي.
وقبل ذلك وحتى في فترات تحرُّرها، كانت مصر دائمًا مشتبكة في حروب ومعارك؛ للدفاع عن وجودها وأمنها وحدودها ضد الأعداء الخارجيين.
- وكان هذا مؤشرًا ودليلاً على أن هذه الأرض الطيبة، عليها أن تبحث عن مصيرها وأمنها داخل نسيج أكبر أوسع منها، يضمَّها هي وجيرانها، الذين لم تختلف ظروفهم كثيرًا، حتى تستطيع أن تتصدَّى إلى الحملات العدوانية المتكررة القادمة من الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، وأن تحقِّق استقلالها، وتحافظ عليه، وأن تصنع نقلةً نوعيةً حضاريةً جديدةً قادرةً على المنافسة والبقاء، في عالم أصبح شديد المراس.
- ولكن من أين لها ذلك؟
- جاءت الإجابة مع الفتح العربي الإسلامي الذي نجح خلال بضعة قرون قليلة، أن يفتح كل هذه الأقطار ويحرِّرها من الاحتلال الأوروبي الذي دام ألف عام، ويؤسِّس دولةًَ إمبراطورية مركزية كبرى، ويصهر الجميع فيها داخل بوتقة واحدة؛ لينتج منها في النهاية نسيجًا واحدًا جديدًا، نسيجًا نجح في هضم واستيعاب كل ما فات، ولكنه جاء أكثر تطورًا وقوةً واستقرارًا، هي الأمة العربية الإسلامية.
وأصبحت مصر منذئذ جزءًا لا يتجزأ من كل ذلك.
وانتقل بنا الحال من النقيض إلى النقيض، فللمرة الأولى في حياتنا نكون جزءًا من أمة أكبر وفي القلب منها، وللمرة الأولى منذ ألف عام نتحرر من الاحتلال الأجنبي، ونصبح مواطنين من الدرجة الأولى في أمة ننتمي إليها، ونتشارك فيها.
ولأول مرة منذ ظهور الحضارة، نكف عن القتال دفاعًا عن حدودنا، فالحدود قد بعدت إلى أقاصي الشرق والغرب والجنوب، وبعدت معها المخاطر الخارجية، وأصبحت لنا خطوط دفاع أمامية أولى وثانية وثالثة ورابعة في العراق والشام وفلسطين والمغرب والنوبة، فالأمة هي التي تدافع عنا وتحمينا، بعد أن ظللنا آلاف السنين ندافع عن أنفسنا.
وقصص الهجمات التتارية، والحروب الصليبية خير شاهد على ذلك؛ الأمر الذي جعل من مصر المنطقة الأكثر أمانًا في هذا الوطن الواحد المترامي الأطراف، والأكثر مناعةً وقوةً، وبفضل ذلك أصبحت هي القائد الطبيعي لأمتها، وعاصمتها السكانية والجغرافية والحربية والسياسية.
* * *
هذه هي بعض دروس التاريخ عن مصر والفتح الإسلامي والأمة العربية والعدوان الأجنبي، وهي دروس وعاها جيدًا قادة الاستعمار الغربي الحديث منذ قرنين من الزمان، وتحرَّكوا على هديها ولا يزالون:- فها هو نابليون وهو بصدد السعي لضرب المصالح البريطانية في الشرق، يختار مصر ليبدأ بها ويحاول احتلالها عام 1798م.
- ثم تتأكد هذه المكانة ثانية على يد محمد علي حاكم مصر، الذي حاول تجديد شباب الأمة بتأسيس دولة فتية جديدة، تخلف الدولة العثمانية، وتضم الحجاز والشام والسودان، فتجتمع الدول الغربية، وتحاربه وتنتصر عليه وتوقِّع معه معاهدة "كامب ديفيد الأولى" المشهورة باسم معاهدة لندن عام 1840م، والتي سيسمحون له فيها بحكم مصر وتوريثها لذريته، بشرط عدم الخروج إلى العالمين العربي والإسلامي والانعزال عنهما تمامًا.
- وبعد عزل مصر محمد علي، تمَّ احتلال معظم الأقطار العربية، ثمَّ العودة مرةًَ أخرى إلى مصر واحتلالها عام 1882م.
- وكانت هذه هي باكورة مشروعات تقسيم وتجزئة الأمة التي اكتملت في ترتيبات الحرب العالمية الأولى بمعاهدة "سايكس بيكو" وصكوك الانتداب الإنجليزية الفرنسية الإيطالية على أقطارنا، وتوطَّدت بزرع الكيان الصهيوني. وهي الترتيبات التي لم ننجح حتى الآن من التحرر من آثارها.
- ومع بدية حركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الأمة العربية تستعيد إدراكها ووعيها بهويتها، فتحررت معظم الأقطار ما عدا فلسطين، وتمَّ تأسيس جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وتضامن العرب في حروب 1948م، و1956م، و1967م، و1973م، والتفُّوا معًا حول قضية مركزية هي قضية فلسطين، وتوحَّدوا ضد العدو الصهيوني وأنشئوا اتفاقية الدفاع العربي المشترك..
- ولكن هذه الصحوة المؤقتة والناقصة سرعان ما ضُربت مع انسحاب مصر من ميدان المعركة، وعزلها وانعزالها عن أمتها العربية بعد حرب 1973م، بموجب اتفاقيات السلام المصرية الصهيونية المشهورة باسم "كامب ديفيد".
- وبانسحاب مصر توالت الهزائم العربية: فطردت القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982م، واعترفت قيادتهم بالكيان الصهيوني، وتنازلت عن 78 % من فلسطين، وعجزت باقي دول الطوق العربي عن مواجهة الكيان بدون مصر، وانتقل الصراع ضد الصهاينة إلى صراع عربي، واحتلت أمريكا العراق 2003م، وتغوَّل الكيان الصهيوني وتكررت اعتداءاته على لبنان وفلسطين، ونشطت مشاريع التفتيت في السودان ولبنان والعراق.
- وانتقل الضعف إلى مصر ذاتها وتراجع دورها الإقليمي، وفقدت إرادتها الوطنية، وساد الشقاق الوطني داخلها، وتفرَّقت قواها وتفرَّغت لمواجهة بعضها البعض، بدلاً من مواجهة العدو الخارجي، والبقية تأتي.
إنه نفس الدرس التاريخي القديم الجديد، أن انعزلت مصر عن الأمتين العربية والإسلامية، فيضعف الجميع وينتصر الأعداء، وتحتل الأوطان.
إن عزل مصر هو هدف دائم لأعداء الأمة، وهو عودة فاشلة ومستحيلة إلى عصور ما قبل الميلاد، عصور ما قبل الفتح العربي الإسلامي، عصور ظلت مصر خلالها محتلة ألف عام متصلة.
-----------