- 94% من الموازنة للرواتب والطلاب خارج الخدمة!
- مطالبات بمضاعفة المخصصات لتطوير التعليم
- راتب المدرس في زيمبابوي 2000 دولار شهريًّا!
تحقيق: يارا نجاتي
47 مليار جنيه فقط هي كل الموارد المتاحة للتعليم في مصر، بحسب الموازنة العامة للدولة خلال العام المالي 2010/2011م، وهو ما يقدر بـ(9,6%) من إجمالي الموازنة، والتي تصل قيمتها إلى (490 مليار جنيه)، وهو ما يفسِّر الأزمة الخانقة التي يعيشها اليوم الكثير من الطلاب مع بداية عام دراسي جديد.
ويستحوذ التعليم ما قبل الجامعي على (6,4%) من إجمالي الموازنة العامة، بواقع (31,2 مليار) جنيه، وهي نفس مخصصات العام الماضي، رغم مطالبة الوزارة بزيادتها 5 مليارات جنيه؛ لمواجهة المطالب المتزايدة للعملية التعليمية.
ومن المثير للعجب أن (29,6 مليار جنيه) من هذا المبلغ أي بما يعادل (94,8%) يذهب إلى بند الأجور في الوقت الذي يتوزع فيه (1,6 مليار جنيه) على كل عناصر المنظومة التعليمية.
حديث الأرقام يكشف أن نصيب المركز القومي للبحوث التربوية (13,8 مليون جنيه)، ولا تتعدى ميزانية صندوق تطوير التعليم أكثر من (340 مليون جنيه)، أما المركز القومي للامتحانات فيصله (13,5 مليون جنيه) فقط!!، والأكاديمية المهنية للتعليم والتي تختص بكل ما يتعلق بتنمية وتطوير المعلمين وتدريبهم يُصرف لها (23,2 مليون جنيه).
والطريف أن الهيئة العامة لمحو الأمية لتعليم الكبار التابعة لوزارة التربية والتعليم، التي يفترض أن تقوم بمواجهة واحدة من أكبر التحديات لا يزيد المبلغ المخصص لها سنويًّا عن (156 مليون جنيه).
يُذكر أنه وفقًا لإحصائية صدرت عن وزارة التربية والتعليم في عام 2009م فإن عدد المدارس في مصر وصل إلى (43,423 ألف مدرسة)، تضم ( 400 ألف فصل).
ويبلغ عدد الطلاب الدارسين بها (16,1 مليون تلميذ)، موزَّعين على كل المراحل التعليمية المختلفة، من بينهم (2,1 مليون تلميذ) في المرحلة الثانوية بمختلف أنواعها، و(4 ملايين) بالإعدادية (9,2 ملايين) بالابتدائية.
(إخوان أون لاين) عرض الأرقام على الخبراء في محاولة؛ للوقوف على تأثير التمويل على تنمية العملية التعليمية، خاصة مع بداية عام دراسي جديد.
الأجور والاستثمارات
بداية يؤكد ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب رئيس تحرير جريدة (الأهرام) أن تقسيم موازنة قطاع التعليم بين الجامعي وما قبله تعتبر عادلة، إذا ما قورنت بالفارق في أعداد الطلاب في كلِّ مرحلة، فعدد الموجودين بالجامعات لا يزيد عن 2 مليون طالب، أما المدارس فإنها تضم أكثر من 16 مليون تلميذ.
ويصف الـ (6,4%) التي يحصل عليها قطاع التعليم ما قبل الجامعي من إجمالي الموازنة العامة، بأنه رقم هزيل جدًّا، على مجال يُفترض أن مهمته الأساسية هي صياغة مستقبل الأمة.
![]() |
|
ممدوح الولي |
ويؤكد أن النظرة العامة تكشف وجود خلل كبير في الموازنة؛ نتيجة انعدام التوازن بين المصروفات والإيرادات، ففي الوقت الذي يخصص للتعليم هذا المبلغ الهزيل للغاية نجد أن حجم الإنفاق العام المتمثل في فوائد وأقساط الدين المحلي والخارجي يبلغ (173 مليار جنيه) أي (35%) من إجمالي الموازنة، وهو ما يفسِّر العجز الذي يحدث بها كل عام، والذي يدفع الحكومة للاقتراض حتى أصبحت ديونها تقارب (التريليون) جنيه.
ويشدد على أن طغيان بند الأجور على أغلب مخصصات التعليم أمر بديهي، ويحدث في كل القطاعات في مصر، محمِّلاً هذا الأمر المسئولية عن انهيار المنظومة التعليمية؛ لأن أي موازنة لا بد أن تقسَّم إلى عدة بنود هي: (الأجور، والصيانة والإصلاحات، والسلع والمستلزمات، وأخيرًا الاستثمارات)، التي تعتبر أهم شيء من أجل التطوير وتحسين الوضع القائم.
ويرى أن هذا الخلل هو السبب في قلة عدد المدارس مقارنة بالطلاب والكثافة العالية بها، والتي دفعت الحكومة إلى اختراع نظام الفترات الدراسية الثانية والثالثة، كما عجزت عن إقامة مدارس أخرى جديدة.
ويرجع ارتفاع بند الأجور إلى كبر عدد موظفي الجهاز الإداري للدولة، بسبب سياسة التعيينات الحكومية التي بدأت في عهد جمال عبد الناصر، واستمرت حتى عام 1985م، وتمَّ خلالها توظيف كل الخريجين، إلى جانب العلاوات والزيادات السنوية، مضيفًا أن نسبة الموظفين الحكوميين إلى السكان في مصر تبلغ (واحد إلى تسعة) في حين لا تزيد في إنجلترا عن (واحد إلى خمسين)، وهو ما يعطي الدولة هناك الفرصة لتطوير المجتمع، ورفع رواتب العاملين لديها، حتى تضمن حفاظ كل واحد منهم على مهامه والتزامه بإتقانها، وابتعاده عن الرشوة.
ويقول: إن ضعف البيانات وعدم دقتها تجعل من الصعب الوصول إلى حقيقة ما يحصل عليه كل طالب؛ لأن ميزانية وزارة التربية والتعليم لا توضح طبيعة الموازنة المخصصة لها وتوزيعها بشكل تفصيلي.
الصيانة فقط
ويطالب يحيى حسين (عضو شبكة معلمي مصر) بمضاعفة ميزانية التعليم 3 مرات حتى نتمكن من الرقي بالطلاب، والوصول بهم إلى الحد المقبول علميًّا، ضاربًا المثل بارتفاع كثافة الفصول التي تحد من جودة العملية التعليمية، وتقصرها على التلقي فقط.
ويستطرد قائلاً: إن الطلاب ليس باستطاعتهم اليوم ممارسة أية أنشطة داخل المدرسة، متسائلاً: كيف يمكن للتلميذ المصري الوصول إلى المستوى العالمي مع عدم معرفته بالحاسب الآلي، الذي أصبح واحدًا من أهم مستلزمات العصر؟! خاصةً أن المعلومات تؤكد أن الموجود من هذه الأجهزة بالفعل بالفصول التعليمية أقل من الاحتياجات بكثير.
ويشير إلى أن الأموال التي تصرفها المحليات للمدارس في بداية العام الدراسي تقتصر على إعادة صيانة المباني والمنشئات فقط، في الوقت الذي تتناسى فيه الحكومة الحاجة إلى تطوير المنظومة بصورة متكاملة من خلال إعادة تدريب المعلم، وتأهيله وإعداد المعامل وقاعات البحث.
ويوضح أنه حتى مع حصول المدرسة على الجزء الأكبر من المصروفات الدراسية التي يسددها الطلاب كمصدر آخر للتمويل، تنحصر أوجه صرفه على القيام بعدد من الإصلاحات واستيفاء بعض الأوراق والمطبوعات.
ويدعو إلى رفع مستوى معيشة المعلم بصورة عاجلة؛ لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية التي يراها مدمرة للتعليم في مصر، إلى جانب إعادة التأهيل الكامل له، والتوسُّع في تعيين مدرسين جدد متمكنين من أدواتهم التربوية والعلمية.
فساد فساد
![]() |
|
علي لبن |
ويشدِّد على أن جزءًا كبيرًا من أموال الوزارة توزع على المستشارين ومعاونيهم، في شكل مكافآت وبدلات وحوافز طوال العام، مطالبًا بإلغاء تلك الطريقة العتيقة في توزيع الموازنة، واستبدالها بتوصيل المخصصات مباشرة إلى المديريات، كما اقترحه (حسام البدراوي) رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب، كضمانة لوضعها في المكان الصحيح.
وينتقد النظام اللامركزي في توزيع موازنة التعليم، والذي جعل الوزارة تتنافس مع المحافظات، والتي تقوم بدورها بالتحكم في أموال الصناديق (المصروفات، والتبرعات) والتي يتم جمعها من المدارس، ثم إعادتها إليها مرة أخرى!!
ويقول: إن هيئة الأبنية التعليمية حصلت على ميزانية أقل من (مليار جنيه)، وهو مبلغ لن يمكنها من إنشاء مدارس جديدة؛ لمواجهة التزايد المستمر في أعداد الطلاب، مشيرًا إلى أن الهيئة لم تعد لديها القدرة على إقامة مبانٍ إدارية جديدة؛ لاستيعاب الزيادة في أعداد متابعي جودة العملية التعليمية.
لا وجود للتمويل
أما أشرف الحفني ممثل نقابة المعلمين المستقلة في شمال سيناء، فيذكر أن "زيمبابوي" التي تعتبر أفقر من مصر تُنفق على التعليم أضعاف ما نخصصه نحن؛ حيث يصل فيها مرتب المعلم في أول تعيين له إلى 2000 دولار، وفي جنوب إفريقيا يقفز إلى 3000 دولار، مشيرًا إلى أن الكثير من الحكومات الفقيرة تخصص أكثر من 40% من ميزانيتها للتعليم؛ لأنه بمثابة أمن قومي بالنسبة لها، في الوقت الذي وضعنا فيه في تقارير التنمية البشرية لمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في المرتبة الـ47 عالميًّا من حيث الإنفاق على التعليم.
ويضيف أن وزارة التربية والتعليم لا تقوم بدفع أية مبالغ لصيانة المدارس في الكثير من المحافظات كما يقول البعض، والدليل على هذا أن المقاعد التي كنت أجلس عليها وأنا طالب ما زالت موجودة حتى الآن في مدارس شمال سيناء.

