عزيز على نفسي، بل على نفوس كل المصريين، أن يسألوا عن أستاذنا المجاهد والمفكر الإسلامي الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين.. أين.. أين؟  فلا يسمعون للسؤال جوابًا!!، فيطرقون برءوسهم، وتنكسر نفوسهم، حينما يسمعون صوت الرحيل الباكي: لقد رحل.. لقد رحل.. وفاء لميعاد عزيز مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

 

لقد فقدنا صوت العلم الحقيقي الذي يتدفق جرأة، وحماسة، ولا يخشى في الله لومة لائم، كانت كلماته في التليفزيون، ووسائل الإعلام- على قلتها- تهز نفوسنا هزًّا، وتقول- بلسان الحال- الطريق من هنا يا أبنائي.. وليس من هناك؛ حيث دروب الضياع والهلاك، مع المزيفين واللصوص والساقطين والخونة، وذوي الكروش المطاطة من الحكام والقادة.

 

لقد مضى الدكتور عبد الصبور شاهين.. لم نعد نسمع كلماته في أروقة كلية دار العلوم، ولا على المنابر في مسجد عمرو بن العاص وغيره، ونحن إذ فقدنا منه النبر، وصدى الكلمات؛ فقد بقي لنا منه صدى الحب العميق، والتوجيه السديد، والإيمان الصادق.. يقول بلسان الحال: الطريق من هنا- يا أبنائي-... إنه طريق الكتاب المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت).

 

إنه طريق محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه رب العزة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)﴾ (التوبة).

 

وقال عنه وعن أصحابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ (الفتح).

*****

وكان رحمه الله يعيش القرآن، ويغار عليه، ويعيش لغة القرآن ويحرص على سلامتها، ولا ننسى له تصديه لـ"نصر حامد أبو زيد"، ولا ننسى غيرته على اللغة العربية بوصفها لغة القرآن، وحرصه على أخلاقيات القرآن بترجمة كتاب الدكتور عبد الله دراز "دستور الأخلاق في القرآن" من الفرنسية إلى العربية.

 

لقد حضر جنازته آلاف من محبيه، وما أكثرهم!!، وخصوصًا قيادات الإخوان المسلمين والمرشد العام السابق الأستاذ محمد مهدي عاكف، ومن المؤسف ألا يحضر الجنازة واحد من المؤسسات الحكومية المصرية، ولم تُشر إلى نبأ وفاته أية وسيلة من وسائل الإعلام الحكومية، التي تعتبر الراقصين والراقصات من القديسين والقديسات؛ وذلك حدث مع المجاهد الدكتور أحمد العسال- رحمه الله- وهذا يذكرني بقول حافظ إبراهيم: 

       إذا  شئت أن تلقى السعادة بينهم         فـلا تكُ مصريًّا ولا تـكُ مسلما

        سـلام عـلى الدنيا سلام مودع          رأى في سلام القبر أُنْسًا ومغنما